كنوز نت - نمر سعدي


ثقافةُ الاعترافِ المؤجَّلِ والتكريمِ القاسي
نمر سعدي
  • فلسطين
هل يتحقَّق مجدُ المبدع العربيِّ بموتهِ؟
ولماذا لم نسمع من قبلُ بأسماء هؤلاء الشعراء المدهشين الذين رحلوا تباعاً مؤخَّراً ونحن نعيش في زمن ثورة المعلومات وعصر الفيسبوك واليوتيوب وجوجل وأخواتها؟!
كأنَّ الشعراء الحقيقيِّين من سلالةِ طيورٍ نادرةٍ وآخذةٍ في الانقراض..
فهم عشَّاقٌ وحيدونَ وسيئو الحظِّ وكثيراً ما يعشون وهم يتضوَّرونَ جوعاً وحرماناً ويموتون حتف أحزانهم وعذاباتهم وآلامهم.
ومن الغرابة والمفارقات المستهجنة أنه في أوطان القهر والجوع والظلام والاستبداد لا ينالُ الشاعرُ أو الفنَّانُ حقَّهُ من الاهتمام إلا عندما يمرضُ أو يموتُ.
يعدُّ الاحتفاءُ بالمبدع بعد موته ظاهرة منتشرة في المشهد الثقافي والفني العربي، وغالباً ما توصف بأنها "تكريم مؤجل" أو "قاسٍ"، حيث يتم تسليط الضوء على إنجازات المبدع وتسمية الشوارع والميادين باسمه بعد رحيله. هذا التكريم، رغم قيمته المعنويَّة في تخليد الذكرى، يثير انتقادات لاذعة لكونه يأتي في وقت متأخر لا يستفيد فيه المبدع من التقدير الذي يستحقهُ.

وفي حالاتٍ كثيرةٍ تسارعُ بعض المؤسسات الثقافية لإطلاق أسماء المبدعين الراحلين على المرافق العامة، وتنظيم فعاليات واسعة للاحتفاء بذكراهم، وهو ما يسميه البعض "اعترافاً بعد فواتِ الأوان"، وإعادة طباعة ونشر نتاجهم الفكري أو الفني الذي قد يكون مهمشاً ومنسيَّاً أثناء حياتهم.
التكريم المتأخر شبه مجَّاني ولا يقدِّم أيَّةَ إضافةٍ للمبدع الحقيقي الذي بحكم الغائب ولا يشعر بأهميَّة وجدوى التكريم.
بيدَ أنَّ هذا التكريمَ المؤجَّلَ يعكسُ الخللَ المربك ويعكس إهمالاً سابقاً للمبدع خلال أوج عطائهِ ومسيرتهِ الإبداعيَّة، مما يولِّد تساؤلات حول جدوى التكريم بعد رحيله. فغالباً ما يعاني المبدعون الحقيقيون في حياتهم الشخصيَّة من الفقر والضنك والتهميش وضيق العيش، ثم يتمُّ الاحتفاءُ بهم بعد الموت.
التكريمُ الحقيقيُّ يجب أن يكون في أوج عطاء المبدع.. وأن تصان كرامته في وطنه، وأن يُقدَّر وهو على قيد الحياة، حيثُ أنه في الثقافات المتقدِّمة، يتُّم تكريم المبدعين في حياتهم، والجوائز الأدبية الكبرى لا تُمنح إلا للأحياء، فالتكريم الغيابيُّ في بعض وجوهه يعادل "التكريم القاسي" الذي كثيراً ما يأتي بعد أوانهِ من دون أي نفع، والمثقفون الذين تعلو أصواتهم بالانتقال من ثقافة "الاحتفاء بالموتى" إلى ثقافةِ "الاحتفاء بالحياة" لضمان استمرار الإبداع وتحفيز المبدعين لا يشكلِّون إلَّا جوقة جديدة من الصارخين في بريَّةِ الضجيجِ الكوني الهائل.