كنوز نت - فاطمة ابوواصل اغبارية



من أحوالنا: لماذا نتراجع رغم كثرة الكلام؟
بين وعيٍ يتسع وفعلٍ يتأخر
  • فاطمة ابوواصل اغبارية
—————————
من الطبيعي أن يبدو الكلام أكثر حضورًا من الفعل في كثير من تفاصيل حياتنا اليومية، حتى صار الحديث عن القضايا الكبيرة والهموم العامة جزءًا من مشهدٍ مألوف لا يثير الدهشة بقدر ما يثير التساؤل. نناقش، نحلّل، ننتقد، نطرح البدائل، ثم نعود في كثير من الأحيان إلى النقطة نفسها، وكأن شيئًا لم يتغير سوى عدد الكلمات.
ليس السؤال هنا تقليلًا من قيمة الوعي أو الحوار، فالكلام بحد ذاته خطوة أساسية نحو الفهم، لكنه يصبح إشكالًا حين يتحول إلى بديل عن الفعل، أو حين يخلق لدينا وهم الإنجاز لمجرد أننا تحدثنا كثيرًا. عندها فقط تبدأ الفجوة في الاتساع بين ما نقوله وما نعيشه، بين ما نطمح إليه وما نمارسه فعلًا.
حين ننظر بعمق إلى تفاصيل المشهد من حولنا، نجد أن الكلام لم يعد مجرد وسيلة للتعبير، بل تحول في كثير من الحالات إلى مساحة بديلة للفعل. نطمئن أنفسنا بأننا “ناقشنا المشكلة”، وأننا “أشرنا إلى الخلل”، وكأن التشخيص وحده كافٍ لإحداث التغيير. لكن الواقع أكثر عنادًا من ذلك، فهو لا يتبدل بالوعي النظري فقط، بل يحتاج إلى انتقال حقيقي من مستوى القول إلى مستوى الممارسة.
المفارقة أن هذا الثراء في الخطاب لم ينعكس دائمًا على جودة الحياة أو على سلوكنا الجمعي. بل على العكس، في بعض الأحيان نلاحظ أن كثرة الكلام قد تمنح شعورًا زائفًا بالإنجاز، فيتراجع الفعل دون أن نشعر، ويصبح التأجيل مبررًا غير معلن، طالما أن الحديث مستمر والتحليل قائم.
ولعل السؤال الأهم هنا ليس: لماذا نتكلم كثيرًا؟
بل: لماذا لا يتحول هذا الكلام إلى أثر؟
الإجابة ليست بسيطة، لأنها تتداخل فيها عوامل متعددة؛ منها ما هو مرتبط بالبيئة الاجتماعية التي تكافئ الصوت العالي أكثر من الفعل الهادئ، ومنها ما يتعلق بثقافة التبرير التي تجعلنا نبرع في شرح الأسباب بدل البحث عن الحلول، ومنها ما يرتبط بالاعتياد، حين يصبح تكرار المشكلة أقل إزعاجًا من محاولة تغييرها.

ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا في أن يتحول هذا الوعي الكلامي إلى وعي فعّال، يدفع نحو مبادرات صغيرة لكنها حقيقية، لأن التغيير في جوهره لا يبدأ من حجم ما نقول، بل من صدق ما نفعل.
في نهاية المطاف، لا يمكن اختزال المشكلة في “كثرة الكلام” بحد ذاتها، فالكلام ضرورة إنسانية وحاجة فكرية، لكنه يتحول إلى عبء حين ينفصل عن أثره الطبيعي. المشكلة ليست في النقاش، بل في توقفه عند حدود النقاش.
ربما نحن بحاجة إلى إعادة تعريف علاقتنا مع الفكرة نفسها: أن لا يكون الوعي مجرد حالة ذهنية مريحة، بل نقطة انطلاق نحو الفعل. وأن لا نكتفي بإدارة الأزمات بالكلام، بل بمحاولة تغيير مسارها ولو بخطوات صغيرة، لكنها حقيقية.

قد لا تكون الفجوة بين القول والفعل قابلة للإغلاق الكامل بين ليلة وضحاها، لكنها قابلة للتقليص كلما صدقنا أكثر مع أنفسنا، وكلما توقفنا قليلًا عن الاكتفاء بوصف الواقع، وبدأنا بالتعامل معه.
وحينها فقط، لن يكون السؤال: لماذا نتراجع رغم كثرة الكلام؟
بل سيصبح: ماذا فعلنا اليوم ليكون كلامنا أقرب إلى حياتنا؟
  • فاطمة ابوواصل اغبارية