كنوز نت - بقلم: سليم السعدي


الشجب والتنديد سمات الضعفاء

  • بقلم: سليم السعدي

منذ عقود طويلة اعتادت شعوبنا سماع البيانات الرسمية التي تبدأ بالشجب وتنتهي بالتنديد، وكأن الكلمات أصبحت بديلاً عن المواقف، والعبارات بديلاً عن الأفعال، حتى بات المواطن العربي يدرك مسبقاً مضمون أي بيان يصدر عقب كل عدوان أو انتهاك أو اعتداء على الأرض والإنسان والكرامة.

لقد ربانا الله تعالى على الصبر والإيمان والثبات، لأن الحقوق لا تضيع عند الله، ولأن العدل الإلهي قائم لا محالة. غير أن الصبر الذي دعا إليه الدين ليس استسلاماً، والإيمان ليس خنوعاً، والتوكل ليس تبريراً للعجز. فالقرآن الكريم جمع بين الصبر والعمل، وبين الرحمة والقوة، وبين السلم والاستعداد.


قال تعالى: "إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص"، وقال تعالى: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة"، كما قال سبحانه: "وإن جنحوا للسلم فاجنح لها". ففي هذه الآيات منهج متكامل يقوم على القوة الرادعة التي تمنع العدوان، وعلى السلم العادل الذي يحفظ الحقوق، لا على الضعف الذي يغري المعتدي بالمزيد من البطش.

إن الأمم التي تتخلى عن أسباب القوة تفقد قدرتها على حماية نفسها، وتتحول إلى متلقية للقرارات بدلاً من أن تكون شريكة في صنعها. والتاريخ يعلمنا أن الظالم لا يتراجع بسبب بيانات الاستنكار، بل عندما يدرك أن هناك إرادة قادرة على الدفاع عن الحق ورد العدوان.

والمؤلم أن كثيراً من شعوبنا ما زالت تنظر إلى حكامها منتظرة منهم موقفاً يرقى إلى مستوى التحديات التي تواجه الأمة، بينما تتسع الفجوة بين تطلعات الشعوب وسياسات الأنظمة. فبدلاً من توحيد الصفوف وتحصين المجتمعات وتعزيز استقلال القرار، انشغل البعض بالخلافات والصراعات الداخلية، حتى أصبحت الأمة أشبه بجسد أنهكته الانقسامات.

لقد حرم الله الظلم على عباده، وجعل العدل أساس الملك والعمران. وما من أمة رضيت بالظلم أو سكتت عنه طويلاً إلا دفعت ثمناً باهظاً من أمنها واستقرارها ومستقبل أجيالها. ولذلك فإن مواجهة الظلم لا تكون بالشعارات وحدها، بل ببناء الإنسان، وتعزيز الوعي، وترسيخ الوحدة، وإعداد أسباب القوة المشروعة التي تحفظ الكرامة وتصون الحقوق.

إن المرحلة التي تمر بها منطقتنا تفرض على الجميع مراجعة عميقة للمسار، فالأمم لا تنهض بالتمني، ولا تسترد حقوقها بالبيانات، ولا تصنع مستقبلها بالاكتفاء بالشجب والتنديد. إنما تنهض بالإرادة والعلم والوحدة والعمل الجاد، وبالتمسك بالقيم التي تجعل الحق قوة حية في الواقع، لا مجرد كلمات ترددها الألسن.

سيبقى الحق حقاً وإن طال الطريق إليه، وستبقى الشعوب الحية قادرة على الدفاع عن وجودها وكرامتها، لأن التاريخ أثبت أن إرادة الأمم أقوى من كل أشكال الظلم، وأن الحقوق قد تتأخر، لكنها لا تموت.