كنوز نت - محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة


أنواع العقل:

تحدثنا في مقال الأمس عن درجات العقل؛ المميِّز والناضج والمدرك، وذكرنا أطوارها وأثرها في حياة الفرد والمجتمع وحديثنا اليوم عن أنواع العقل، والحديث في هذا الموضوع شائك ومعقد وله تبعات كبيرة على مستوى الفرد والمجتمع والإنسانية جمعاء، وذلك أن أنواع العقل وأساليب تعاملها وتحليلها للأحداث والوقائع له انعكاسات خطيرة على واقع الفرد والمجتمع والإنسانية كلها، وأروع كتاب يفصل لنا أنواع العقول هو القرآن الكريم ثم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكتابات المفكرين والفلاسفة العرب أمثال أبو حامد الغزالي والإمام الماوردي وابن القيم الجوزية وابن الجوزي وابن تيمية وابن خلدون وغيرهم من ساداتنا العلماء رحمهم الله تعالى، فالقرآن يعطينا تصورا شاملا عن أنواع العقول التي مرت بها البشرية حتى وصلت إلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم:

ومن هذه العقول:

1-العقلية الواعية المنفتحة: وهو الذي تجسد في شخص أبينا آدم عليه السلام وهذا العقل يتميز بأمرين أساسين في حياة الفرد والمجتمع؛
أ‌-قبول التعلم والتحديث لنفسه والاستعداد النفسي لقبول كل جديد، حيث أن الله تعالى خلق آدم ونفخ فيه الروح ثم علمه أسماء الأشياء كلها (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) البقرة 31)، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة، بما اختصه به من علم أسماء كل شيء دونهم.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ، طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ، النَّفَرِ مِنَ المَلاَئِكَةِ، جُلُوسٌ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدُ حَتَّى الآنَ؛ (البخاري)، والشاهد هنا فاستمع لما يحيونك به، فتعلم منهم آدم عليه السلام، ولم يتكبر في قبول التعلم من غيره، وهذا ما رفع شأنه وأعلى قدره وجعل الملائكة تسجد له سجود تكريم وتعظيم واحترام ليس لأصل خلقته بل لما يحمل من علم وأدب ومعرفة.

ب‌-الصفة الثانية التي أعلت ورفعت شأن آدم عليه السلام هي اعترافه بالذنب وقبوله للتوبة منه: فهو عندما أكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها بادر إلى الاعتراف بذنبه وطلب التوبة، ولم يحاول أن يبحث عن مبررات لما كان منه؛ (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)؛ الأعراف.

فهذه العقلية المنفتحة الواعية القابلة للتعلم والمعرفة وتحديث نفسها باستمرار والتي تعترف بخطئها ولا تصر عليه، أو تبحث عن تبرير له، هي العقلية الواعية الكبيرة العظيمة التي تستحق أن تنال المجد والسيادة في الدنيا والآخرة، حيث قال الله تعالى عن آدم عليه السلام؛ (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ) طه؛ 122).

2-العقلية التبريرية: وتتجلى هذه الشخصية بالبحث عن مبررات لأخطائها في محاولة للتهرب من المسؤولية أو تسويق نفسها بالمثالية والأفضلية على غيرها، فإن إبليس لما رفض السجود لآدم عليه السلام برر ذلك بعدة مبررات ومنها أنه خلق من نار وآدم من طين والنار أفضل وأقوى من الطين فكيف للنار أن تسجد لما سواها (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76)؛ ص.


فهذه العقلية التبريرية المتكبرة التي "لا تخطئ" أودت بصاحبها الى الطرد من رحمة الله تعالى والخلود في جهنم يوم القيامة.


3-العقلية "القديمة": وهي تلك العقلية التي كلما دعيت إلى كل جديد في الفكر والحياة لجأت إلى الماضي وتمسكت به حتى تفوت على الدعاة تجديد الفكر والحياة: وتمثلت هذه العقلية في نفسية فرعون عندما دعاه موسى عليه السلام إلى الإيمان فراح يسأل بخبث ودهاء؛ (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ) طه؛ 51)، فهو هنا يسأل في محاولة لتحويل النقاش إلى الماضي، وكأنما يريد أن يبقى ويحصر فكره في تلك الدائرة، ولما جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم بدعوته إلى العرب والمشركين في مكة لينقذهم من براثن الجهل والفتن والعصبية فما كان ردهم إلا أن قالوا: ( كَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (24) الزخرف، فهذه العقليات ترفض تحديث نفسها وتحارب كل جديد في الفكر والحياة والتعامل خوفا على امتيازاتها الدينية والدنيوية.


4-العقلية الاستشرافية: وهي تلك العقلية التي تعيش الواقع بكل أبعاده ولكنها مع ذلك تحاول دوما البحث وصناعة مستقبل أفضل لمجتمعها وللبشرية كلها، وهذه هي العقليات العظيمة التي تستحق المجد والخلود، وتجلت هذه العقلية في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه رغم حوالك الأيام واشتداد الفتن ومرارة العيش إلا أنه فتح لهم نوافذ مشرقة وبصائر يرون من خلالها حياة كريمة، فاندفعت النفوس والقلوب والأرواح لتعيش تلك الحياة الكريمة التي وعد بها النبي صلى الله وسلم وما هي إلا أيام حتى أصبح ذلك الحلم واقعا حيا والأحاديث في ذلك كثيرة جدا وأعظمها ما كان من بشارته صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك يوم الهجرة بفتح بلاد الفرس فرجع سراقة بهذه البشارة وترك النبي وشأنه في الهجرة وما هي إلا سنوات حتى نودي عليه في شوارع المدينة ليستلم بشارة النبي صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم القادسية.


محمد إبراهيم سواعد- ابن الحميرة
مدير جمعية الأقصىِ