كنوز نت - بقلم : سلام حمامدة

 تصعيد بلا حرب: كيف تُدار المواجهة في الظل


  • بقلم : سلام حمامدة

في هذا اليوم، لا يمكن قراءة ما يحدث في المنطقة كأحداث متفرقة أو ردود فعل عابرة، بل نحن أمام مشهد سياسي معقّد تتحرك فيه القوى الكبرى والإقليمية وفق حسابات دقيقة، حيث تقف المنطقة على حافة تصعيد قد يتدحرج في أي لحظة نحو مواجهة أوسع
تتصدر إيران هذا المشهد باستراتيجية واضحة تقوم على “التصعيد المحسوب”. فهي لا تسعى إلى حرب شاملة بقدر ما تحاول فرض معادلة ردع جديدة، تُظهر فيها قدرتها على الوصول إلى المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة، دون أن تتجاوز الخط الذي يستدعي رداً كاسحاً. هذه السياسة تعتمد على مزيج من الرسائل العسكرية المحدودة، والتحرك غير المباشر عبر حلفاء إقليميين، إلى جانب خطاب إعلامي عالي النبرة.

في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة نهجاً يقوم على “إدارة التصعيد” لا تفجيره. فواشنطن تدرك أن الانخراط في حرب إقليمية واسعة سيحمل كلفة استراتيجية واقتصادية كبيرة، خاصة في ظل انشغالاتها العالمية الأخرى. لذلك، نراها توازن بين الحفاظ على هيبتها العسكرية وحماية قواتها، وبين تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد يصعب احتواؤها.

أما إسرائيل، فتبدو الطرف الأكثر ميلاً إلى كسر هذا التوازن الهش. إذ ترى في اللحظة الراهنة فرصة لإعادة تشكيل قواعد الاشتباك مع إيران، وربما تقليص نفوذها الإقليمي. ومع ذلك، فإن قدرتها على المضي بعيداً في هذا الاتجاه تبقى مرتبطة بشكل وثيق بموقف الولايات المتحدة، سواء من حيث الدعم أو على الأقل عدم العرقلة.

اللافت في هذا التوقيت هو غياب الضربات الكبرى المباشرة، رغم كثافة التهديدات والتصريحات. وهذا ليس دليلاً على التهدئة، بل على العكس، يعكس وصول جميع الأطراف إلى مرحلة حساسة للغاية، حيث يدرك كل طرف أن أي خطوة غير محسوبة قد تتحول إلى شرارة لحرب إقليمية شاملة.
نحن إذاً أمام ما يمكن تسميته بـ “حرب الأعصاب”: رسائل متبادلة، تحركات عسكرية محسوبة، وتصعيد إعلامي، دون تجاوز العتبة التي تفصل بين الردع والانفجار. إلا أن الخطر الحقيقي لا يكمن في النوايا المعلنة، بل في احتمالية سوء التقدير—حيث يمكن لضربة محدودة أو حادث غير محسوب أن يُفسر بشكل خاطئ، فيؤدي إلى رد فعل أكبر، ثم سلسلة من التصعيدات المتلاحقة الخارجة عن السيطرة.
في المحصلة، الشرق الأوسط اليوم لا يعيش حرباً شاملة، لكنه بالتأكيد ليس في حالة سلام. إنه يقف في منطقة رمادية خطرة، حيث تتقاطع الحسابات السياسية مع التوترات العسكرية، وتبقى كل السيناريوهات مفتوحة—من استمرار لعبة التوازن الدقيقة، إلى الانزلاق المفاجئ نحو مواجهة قد تعيد رسم خريطة المنطقة بأكملها وهذا مستبعد حاليا