كنوز نت - حمود ولد سليمان " غيم الصحراء


الطريق إلي عيون الساقية الحمراء/ يوميات 3
  • حمود ولد سليمان  " غيم الصحراء

#الجزء الثالث 

بوجدور مدينة صغيرة نظيفة جميلة .في روحها شيء من بلادي .الناس هنا في لهجتهم وتقاليدهم وازيائهم يشبهوننا . أهل الصحراء يتشابهون كثيرا !
. وانا اخطو نحو السيارة كان التلاميذ،يعبرون الطريق 
وامام البلدية ترفرف الراية المغربية .وقدتجمهر بعض الناس .تفقدت هاتفي .علي ان استبدل شريحة هاتفي .واغير تاريخه لم اعد في نواكشوط . 
خرجنا من بوجدور وقت الضحي .كانت شمس النهار
هادئة .مختفية بين الغيوم كأننا في الشتاء .رغم أن الزمن بداية أبريل. كان الجو معتدلا .خارج المدينة عند ملتقي الطرق كان ثمة أربعة تماثيل لجمال بيضاء.متقابلين في وضعية فنية بريئة.عليها مسحة رائعة من جمال وروح الصحراء .منحوتة الجمال هذه تبدو معبرة بحرارة عن روح المدينة وثقافة الصحراء 

.الجمل سفينة الصحراء وروحها .خلده الشعراء منذ قديم الزمان .في شعرنا العربي نماذج كثيرة في مديحه.
ذكرتني المنحوتة ببلدة برج باجي مختار الجزائرية.
عند مدخلها تنتصب منحوته شبيهة بمنحوتة بوجدور 
 .تتشابه المدن الصحراوية كثيرا في الثقافة وفي التعبير عن الجماليات والطبيعة والمحمولات الثقافية والقيم الروحية .
كنت اسرح في الخلاء وانظر في الصحراء .لاجبال هنا كما في مدينتي العيون ولا كثبان رملية عالية كما في وطني ..الأرض منبسطة مستوية .الاشجار العالية منعدمة .الظلال منخسفة في هذه البقعة من الأرض. 
انها الصحراء بلون آخر .علي الطريق لافتات منبهة الي ان المكان تسرح فيه حيوانات اليفة .في كل مرة كان يعترض طريقنا جمال ونياق . هاهي الصحراء مرة اخري تمسك بتلابيبي. أتذكر الآن تمبكتو .أقف علي مشارفها .في ذالك المساء البعيد .أتذكر النوق السارحات.والرمال البيضاء .أتذكر المساء،السادر في النعيم البري .
أتذكر بئرنا .
 اتذكر نياقنا وحنينها وقت الأصيل. 
"انا البدوي الضالع بالهجرات " "مازلت استقبل روح الصحراء "
.تلوح لي المسافات الكثيرة . 
نهايات الشمال الافريقي تلوح لي 
تلوح لي . المسافات الكثيرة التي قطعتها .هنا وهناك 
مدارات الوقت والمنكب البرزخي الآن تثقل رأسي 
 .أحس الصهد .الآن ينأي الوطن وتنأي الكلمات. وعلي جسر الذكري تورق الحيرة !من اين بدأ الكابوس وأين سينتهي . أانا 
ابحث عن حقيقة مثل سراب .يحسبه الظمآن ماء حتي اذا جاء لم يجد عنده شيئا ووجد عنده الله فوفاه حسابه . من اين سينتهي كل هذا الرحيل  
يشتعل الجسد وتموت روحي واري أيامي ضائعة بلامعني .اري كل شيء سرابا 
الآن ينأي الوطن .يخضر ابي في زمن التيه والعطش .يا لسنوات القحط والجدب 
يا للذاكرة والروح مثقلتان بالسؤال الشقي إلي أين سينتهي كل شيء الرحيل السفر؟ وأين هي الحقيقة . ايها السراب أين الماء يروي الظمآن العاتي
الآن ينأي الوطن .يخضر أبي في زمن التيه والعطش 
اري قافلته في الغلس في الصحراء تحاذر اللصوص.
وهي تجوب نهايات المنكب البرزخي .تقايض عند الظهر علي 

 الدراريع والتمر وتمضي في رحلتها .إلي حيث شاء لها الله . تسأل عن الطريق السالكة في القفار
الآن ينأي الوطن يخضر ابي في زمن التيه والعطش .اري 
الصحراء واسمعه يردد لي فصول التغربة التي قادته للنهاية .عابرا ليل المجاباة الكبري استحضر الذكري . 
الآن ينأي الوطن .يخضر أبي في زمن التيه والعطش 
من اول التغربة إلي آخرها .إلي آخر ضوء  
في ليل المجاباة الكبري . من تيرس إلي تندوف إلي مفازات غاوة وموبتي وبرج باجي مختار .تلوح لي 
المسافات المرهقة المعذبة 
 . زمن الخروج الأول والخروج الثاني والخروج الثالث والخروج الرابع .
الآن ينأي الوطن. يخضر أبي في زمن التيه والعطش
اري الخيام في الصحراء تذروها الرياح .يطالعني وجه أمي علي هودجها مشرقا في الاعالي و الشمس الساطعة اللاهبة تلسعني .يغلي دماغي . أشعر بالجسد يتكوي بالاوجاع . 
الآن ينأي الوطن .يخضر أبي في زمن التيه والعطش 
إلي أين سيقودني هذا الطريق ؟
أ إلي التيه كما كانت ضاربة الرمل تقول لي 
إلي أين؟
اسمع اصوات الشاطيء الاخر.البحر المنسي تهدر 
في صخب 
إلي أين؟
 تأخذني أيها السراب !
إلي أين؟
يا اصحاب الوقت؟ !
أشعر أني علي فوهة بركان .انفجر. لم اعد اطيق تعبت من الرحيل . أشعر بدمي يفور.احساسا اليما اجده مثل ذالك الذي اعتراني في غابات السافانا . 
تلوح لي المسافات 
في آخر الليل عند الخروج من اغاديس والبوليس 
يسأل عن الاوراق و الفلوس وفي الظهيرة المشتعلة في باماكو والصهد يقتلني.وعند الغروب علي حافة نهر انيامي 
تلوح لي المسافات .يطالعني وجه أبي واراه جالسا .في 
ظل شجرة الهليج عند البئر يسرد علي اسفاره 
 .من ولاتة إلي ادغال افريقيا . حتي لومي في التوغو ومن مرابض الحي الي المدينة المنورة إلي ام درمان والخرطوم إلي مشارف أسيوط.في اهتمام .يقول لي احفظ عني تغربت في طلب العلم والله . هاجرت إلي الله ورسوله .غامرت في زمن القحط وتحملت مشقات السفر للوصول 
للنبي الكريم . 
مات صاحبي في الطريق وحزنت لموته .جعت وعطشت كثيرا .نزلت في ضيافةالزنوج الوثنيين . جالست الفولان والطوارق وعرب تمبكتو .خفت في الليل من السباع . .تهت .مشيت علي رجلي . 
اتعبني المسير .حتي وصلت الي مدينة الرسول المدينة المنورة ..لست ادري يا ولدي عن ماذا كنت ابحث؟ .بعدها قصدت ام درمان 
كانت أياما صعبة .في فترة وجيزة ابتسم لي الحظ صرت ادرس القرآن الكريم واكتب الرقيا لنسوة الحي 
ثم رحلت الي الخرطوم .ولم البث فيها طويلا ثم اتجهت إلي مصر قاصدا الأزهر الشريف . وانتهت رحلتي في قطار أسيوط اعادوني .كانت ايام محمد نجيب .وكانت البلاد تحت الحظر .رجعت والغصة في قلبي ..لم اري الأزهر الشريف ولم اجالس شيوخه ياولدي .

الآن ينأي الوطن .يخضر أبي في زمن التيه والعطش
يتبع ان شاء الله_