.jpg)
كنوز نت - بقلم : سلمى جبران
قراءة في نصوص فوز فرنسيس
- بقلم : سلمى جبران
أهدتني الصديقة المبدعة فوز فرنسيس كتابيها: "بعضٌ منّي وأكثرُ منه" و "نزفٌ ونزرُ عبَقٍ أرّقَه الورق".
قرأْتهما وتجوّلْتُ في طبيعة بلادنا بطولها وعرضِها، تحضنها محبّة فوز لها، بكلّ فصولها وجبالها.
تمتّعتُ باللغة الجميلة والمشاعر الصادقة والأفكار التي لا تخلو من الترميز الوارف والظلال والهدوء.
تعبّر فوز فرنسيس عن محبّة الوطن الصادقة والخالية من الشعارات والمشبعة بالمشاعر. حبّ الوطن عندها إيمان وممارسة فعليّة، حتّى لو منعَنا سالبوه من الوصول إليه. نرى حبّ الأرض والتراب يصل إلى درجة التأليه والتقديس. ص15:
ما نفع أن تتغنّى بسهلها وجبلها، بحرها أو واديها...
إن لم تكحّل عينيك.. وتطأ قدميك..
بل تُعمل خمس حواسّك أمام سحر وجودها
عشقها أن تخرج من ذاتك لذاتها إذا ما ضاقت بك همومك..
تصف الأرض التي "تلد من رحمها" لقمة العيش ونحفظ فصولها ونحافظ عليها. وكذلك هي تذكر معظم ما ينبت في جليلنا: علت، خبّيزة، حمّيضة وغيرها.
وفي مكان آخر ص 23:
أقطف أوراق عنب.. ثمار خوخ..
انتظر حبّات الرمّان بشغف..
ألقي نظرة إلى حوض النعنع الأخضر
أقطف بعض أوراق لتكون شرابي الصباحي..
هي ذي متعتي...
أنتظرها نهاية كلّ أسبوع...
وهواء بلدي استنشق وأهنأ..
في نصوص فوز نجد كلّ مَواطن جمال الطبيعة ومناحيها الخلّابة وهي تعبّر عنها بكلّ حواسها ومشاعر الحنين والشغف.
في قصيدة: "حلية"، توجد رواية جميلة وعميقة ومتعدّدة الأبعاد. هل هي قصّة حياة الفرد أم قصّة الشعب أم قصّة الوطن!
البعد عن الوطن عند فوز، في قصيدة: "بلدي هناك"، ليس علوًّا بل عمقًا يحرّكه الشوق والحنين: "شوق وحنين لمن يقطنون الغربة، من مهجّرين ومنفيّين.. هناك خلف الجبال في المدى العميق.."!
في "الحب في شرقستان" تصف الحب بأنّه صغير الحجم، حتّى "وإن نعتوه بالجنون".
عندما بدأتُ بقراءة "شقيّة" ص30، قصيدة من 14 كلمة، توقّفت قليلًا لأتساءل: لمن تعود الكاف في (لَكَ)، من هوَ! هل هوَ القيد؟ هل هوَ الظلم أم الظالم؟ يطيب لي أن أترك تساؤلاتي دون جواب.
"باحة النسيان" رواية حبّ لم يكتمل، فيها تكثيف جميل وفيها تحوير للوضع من جامد إلى متحرّك ومن منشود واقعي إلى موجود مستعار. هذه القصيدة مفعمة بالمشاعر وتتهادى بين الخيال واللا خيال.
أمّا قصيدة "يا امرأة" فهي لوحة حميميّة صادقة عن الأمّ، الفلّاحة، المنسيّة. عندما قرأتها شعرت أنّني أقرأ عن أمّي.
قصيدة: "حلّقي" المنشورة على الغلاف الخلفي، هي حكاية عشق كثيفة ومكثّفة ومغلّفة بأنعم وألطف الصور الشعريّة التي تدمج بين الاستعارة والتشبيه والكناية والمجاز: "طبيعة الطير" و "أهوى معك أن أدّعي الصغر".
القصيدتان: "وشوشة" و "ألم في اللسان"، تشترع فيهما المعاني وتصل إلى طبقة تحت السطور وما وراءها وترسمان لوحة لطيفة تنبض بالمشاعر.
في كثير من القصائد الأخرى تتجلّى لوحات شعوريّة يتداخل فيها الترقّب والخوف والألم، منها: "صيف مكابر"، "حارس الزمن"، "ترابيّة أنا"، وهي لوحات إنسانيّة ثلاثيّة الأبعاد.
في هذه المجموعة تكثر الدراما الشعوريّة الظاهرة والمواربة والتي تحوي صوَرًا مذهلة: عند حافّة الانتظار-رسائل شوق-مفتاح في الخليل-حروف متزاحمة-الزائد في العدّ- ضيف عزيز- عود ثقاب. كلّ هذه المقطوعات تدعو لقراءة ثانية وثالثة.
قصيدة "سمفونيّة"، بصوت المطر يطرق الأبواب وحوافّ المزراب، تعزف على أوتار الطبيعة والحياة الفلّاحيّة الهادئة. أجملها جملة: "قولوا ما شئتم وأفعل ما أشاء"، فهي نسخ الحريّة في الطبيعة ووضعها في طبيعة البشر.
قرأتُ مجموعة: "نزفٌ ونزرُ عبَقٍ أرّقَه الورق"، عدا عن طول عنوانها، عشتُ فيها أجواء مشابهة للديوان الآخر، ولكنّها تركّز أكثر على الخبرة الذاتيّة وعلاقتها مع الآخرين: "عمى البصيرة-"غموض كثيف"-"لا مبالاة"-"عقم"-"عاهة مستديمة"-"شرفة الغياب"-"غضب"-"غربال الذكريات"-"عاشقة الطبيعة أنا"-"متباهية" وغيرها.
لم أكتب قراءتي التفاعليّة عن الكتاب الثاني هذا لأنّني لا أريد الإفراط في المسافات والابتعاد إلى ما وراء السطور والنصوص.
في قراءتي لهذين الكتابيْن وجدتني أحب الشعر النثري بمقياسه الداخلي والعاطفي والفكري، بالإضافة إلى حبّي للإيقاع والتفاعيل والموسيقى.
لا شكّ أنّ رحلتي في قراءة هاتين المجموعتين كانت تجربة وجدانيّة أغنت ذائقتي وجعلتني أتغاضى عن بعضٍ من المغالاة في وصف المشاعر وخاصّة التقديس وجعل الصور والاستعارات تتزاحم للوصول إلى مبتغاها، حتى لو كان حب الوطن والأرض والأمّ.
وأخيرًا، يا فوز، قرأتك حروفًا على الورق. لغتك تحترم اللغة وتُعنى بجمالها.
ليكن هذان الإصداران مباركين ولننعم بعدهما بإصدارات أُخرى...
.jpg)
.jpg)
11/07/2026 10:26 pm 21
.jpg)
.jpg)