كنوز نت - حوار: عطا درغام / كاتب وناقد ومؤرِّخ من جمهوريَّة مصر العربيَّة


نمر سعدي: جماليَّاتُ الدهشةِ وفتنةُ المجاز

 

 

 

حوار: عطا درغام / كاتب وناقد ومؤرِّخ من جمهوريَّة مصر العربيَّة

 

 

 

 

 

يتحرك الشاعر الفلسطيني نمر سعدي في المشهد الشعري العربي المعاصر كأحد حراس الإيقاع وصناع الصورة الفسيفسائية الدقيقة؛ فهو الصوت الذي أطل مع جيل التسعينيات ليحمل لواء التجريب المشحون بأصالة الموروث، متأثراً بقمم الحداثة دون أن يقع في شرك التكرار، ومستنداً إلى مرجعيات ثقافية غنية تزاوج بين كلاسيكيات التراث الشرقي وآفاق الآداب العالمية. ولد السعدي في أحضان الطبيعة الجبلية الخلابة لقرية "بسمة طبعون" شرق مدينة حيفا، وهي البيئة الرعوية الغنية بغاباتها وجبالها وسهولها التي انطبعت في لاوعيه، فصاغت قاموسه الشعري وحولته إلى رادار بصري يرى العالم من خلال مساحات الخضرة وظلال الكرمل الممتدة. 

يتسم أسلوب نمر سعدي بالتعددية الجمالية والمزاوجة الفريدة بين ثلاثة أشكال شعريَّة: العمودي، والتفعيلة، والنثر. ورغم كونه شاعراً مسكوناً بأوزان الخليل وبحوره، منحازاً لـ "شعر التفعيلة" باعتباره الوريث الشرعي للقصيدة العربية، إلا أنه يمتلك مرونة وجدانية تجعله يقارب قصيدة النثر كحالة حب وتجريب خالص. قصيدته لا تولد عشوائية، بل تقوم على هندسة داخلية صارمة تتأرجح ببراعة بين "التوهج الوجداني المتقد" وبين "الانضباط البنائي الفذ"، حيث تتجاور الكلمات والمقاطع مثل فن "الأرابيسك" لتصنع نصاً ممتداً بنَفَس شعري واحد يتدفق بزخم وعاطفة حارة لا تتوقف. 

ومن أبرز الخصائص الفنية لشعر السعدي هو تحويل العين والمخيلة إلى "مكتبة كونية" تتقاطع فيها مأساة الداخل مع أقنعة الرموز التاريخية والأسطورية. فهو يستعير عباءة امرئ القيس والسندباد ليعيد صياغة رحلة الشتات والاغتراب، ويوظف رمزية الحلاج ليعبر عن الفناء والتوق الصوفي إلى المطلق، ويدمج بين النبي يوسف ونرسيس ليعبر عن ثنائية الجمال المستهدف والغدر المأساوي، وهي كلها تجليات تخدم في جوهرها قضية وطنه وإنسانه المعاصر. أسلوبه يبتعد عن الغزل التقليدي المباشر، متجهاً نحو "شعرية الإخفاء والغموض المحبب"؛ فيذيب الأساطير والرموز داخل تجربته الذاتية، ويحجب دلالاته المباشرة ليتيح للمتلقي التفاعل مع الصورة الشعرية ومشاركته في بناء المعنى. 

في عالم نمر سعدي الشعري، تذوب الحدود الفاصلة بين المرأة والأرض؛ فيغدو جسد الأنثى قناعاً لاستعادة ذاكرة حيفا وساحلها المفقود، وتتحول "التباريح" (اللوعة والشوق) من عاطفة فردية ضيقة إلى تساؤلات وجودية وفلسفية تبحث في الفناء والغياب. ورغم ما يتدفق في نصوصه من "فيض لغوي واستعارات مفرطة" تصنع عالماً بديلاً موازياً للواقع عبر ثنائيات الظل والصدى والسراب، إلا أن قصيدته تظل صوتاً متفرداً وغزيراً ينصت لهموم التجربة الحياتية بفرادة وإلهام، ويقف كالمنارة المدافعة عن القيم الجمالية الأصيلة وسط مناخات أدبية عابرة.. "عن أقنعة التراث، وصرامة الوزن، وشعرية الإخفاء؛ كان لنا مع الشاعر نمر سعدي هذا الحوار الشفاف الذي يضيء عوالم نصوصه الغزيرة.

    كيف ساهمت الطبيعة الخلابة لقرية "بسمة طبعون" الواقعة شرق حيفا في تشكيل الوعي البصري والجمالي في قصائد نمر سعدي؟

 

"بسمة طبعون" ليست مجرد مسقط رأس، بل هي الرئة الرعوية التي تنفست من خلالها قصيدتي الأولى. تلك القرية الرابضة في خاصرة الجليل الأسفل شرق حيفا، والمطوقة بمهابة غابة "شفاعمرو" الممتدة وسهول ابن عامر الخصيبة، كحلت بصيرتي منذ الطفولة بمشاهد جبال الكرمل الغارقة في الخضرة. هذا البهاء الباذخ أورثني نزعة رعوية مبكرة، تعمقت بقراءاتي لأحمد ـشوقي وشعراء الجاهلية والصعاليك في مقتبل الصبا. 

إن أثر هذه البيئة الجبلية في نصوصي يشبه أثر ريف "جيكور" في شعر السياب؛ إنه امتداد لغوي وبصري يتغلغل في خلايا القاموس الشعري واللاوعي، حتى وإن لم تكن الطبيعة هي الموضوع المباشر للقصيدة. فحين أكتب قصيدة حب أو غزل، تراني دون وعي، أستعير ملامح الأرض وتضاريسها الخضراء لتشكل المشهد الخلفي للصورة الجمالية. 

    نشر الشاعر بواكير أعماله في صحف مثل "الاتحاد"، "كل العرب"، و"الأخبار" منذ عام 1999؛ كيف أسهمت هذه المنابر المحلية في إنضاج تجربته واختمارها؟

كانت أواخر التسعينيات مخاضاً حقيقياً؛ حيث بدأت النشر في مجلة "المنبر" متدثراً بأسماء مستعارة كـ "الأمير الجديد" و"وضاح سعدي"، قبل أن أطل باسمي الصريح "نمر سعدي". وتظل صحيفة "الاتحاد" العريقة بحيفا حاضنتي الأولى؛ إذ شهد عام 1999 وحده نشر أكثر من ثلاثين قصيدة لي على صفحاتها، وتواصل هذا الدفق الإبداعي في العامين التاليين. 

بعد ذلك، انفتحت أمامي منابر الناصرة؛ فنشرت في "كل العرب" و"الأخبار". وأدين بالفضل الكبير للروائي والقاص القدير سهيل كيوان، محرر صفحة الثقافة والأدب في "كل العرب"، الذي احتضن نصوصي بمقالاته ومساحاته المتميزة. كما لا أنسى الصديق الراحل الكاتب المبدع محمود أبو رجب، صاحب صحيفة "الأخبار"، الذي رافقتُ منبره لأكثر من سبع سنوات نشرت خلالها مئات القصائد والمقالات. هذه الصحف الثلاث كانت الجسر المعرفي والوجداني الذي عبرتُ منه إلى وجدان القارئ العربي في فلسطين، وبفضلها بدأت ملامح تجربتي تتبلور وتختمر في الوعي الثقافي المحلي. 

    وُصف الشاعر بأنه "تسلم نار الشعر من الأجيال السابقة وخاصة جيل محمود درويش"؛ ما هي ملامح هذا التوارث الجيلي في نصوصه؟

 

إن محمود درويش يمثل، في تقديري، زبدة الشعر الإنساني العربي المعاصر وخلاصته الرفيعة. ورغم أن لقائي بنصوصه جاء متأخراً نسبياً — لأنني استهللت رحلتي العمودية الكلاسيكية بالتشرب من ينابيع شوقي، وامرئ القيس، وطرفة، وعنترة، قبل الانفتاح على رواد الحداثة كـالسياب والبياتي ونازك ونزار — إلا أن درويش حين تملك أحاسيسي مع مطلع الألفية، صرت مأخوذاً بفتنة لغته وإلهامها الفذ. 

لقد كتبت الشعر العمودي طويلاً، ثم أتلفت معظم نصوص ما قبل عام 1996 لعدم نضجها، لأنتقل عام 1997 إلى فضاء التفعيلة. في تلك اللحظة، تشكل مزاجي الشعري عبر تمازج خلاق بين إرث نزار، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وعز الدين المناصرة، وجيل من الشعراء العرب المبدعين كعبد العزيز المقالح، ومحمد علي شمس الدين، ويوسف عبد العزيز، وأحمد دحبور، والبردوني. 

وكان لكتاب "أفق التحولات في الشعر العربي" (2001) أثر حاسم في إعادة توجيه بوصلتي الجمالية نحو آفاق عالمية؛ فقرأت لوركا، وبابلو نيرودا، مترجمين إلى العربية والعبرية والإنجليزية، كما تفتحت بصيرتي على حداثة بودلير، ورامبو، و"الأرض الخراب" لت إس إليوت. هذا التراكم المعرفي الكوني انصهر في ذاتي ليشكل "الخميرة الشعرية" التي تسلمت نار الماضي لتعيد صياغتها بروح العصر. 

    امتدت مسيرة الشاعر النتاجية من عام 2005 (ديوان "عذاباتُ وضاح آخر") وحتى عام 2026 (ديوان "سرابُ التباريح")؛ كيف يعكس هذا التراكم الزمني تطور نضجه الشعري؟

 

كل ديوان أصدرته لم يكن مجرد إضافة عددية، بل كان يمثل انقلاباً جمالياً على ما سبقه، وتراكماً نوعياً لتطور التجربة. ديوان "عذابات وضاح آخر" الذي كتبته بين عامي 2002 و2003 كان خطوة تجريبية أولى سبقتها محاولات مثل "نقوش على جناح نورسة زرقاء" و"أزهار أولى". 

اليوم، يضم رصيدي الإبداعي المنشور أربعة عشر كتاباً شعرياً، بالرغم من أنني كتبت أكثر من عشرين ديواناً، دمجت بعضها في في كتب شعرية؛ كديوان "يوتوبيا أنثى" الصادر في رام الله عام 2010 والذي ضمت دفتيه كتابين في 211 صفحة، وديوان "كأني سواي" الصادر عام 2009 بأبوابه الثلاثة المتينة. هذا بالإضافة إلى ثلاثة كتب نثرية منشورة، ومخطوطتين نثريتين لا تزالان قيد الطبع، تتوزع عوالمها بين المقالات واليوميات والنصوص المفتوحة والشذرات. هذا النتاج الغزير يمثل في جوهره رحلة تحول مستمر وصعوداً واعياً نحو التمكين والنضج الفني. 

 

    حاز الشاعر على تكريم من مؤسسة "الأسوار" في عكا عام 2007 وجائزة الشعر التشجيعية عام 2008؛ ما هي القيمة المعنوية لهذا التقدير المبكر في مسيرته؟

لا شك أن للجوائز حافزاً معنوياً يرفع من منسوب الثقة ويدفع المبدع نحو تخوم جديدة. غير أن المفارقة المُرّة تكمن في شعوري الدائم بأنني لا أزال شاعراً مغموراً ومظلوماً في وطني؛ فالمنصات الدولية والمهرجانات العربية الكبرى كـ "جرش" أو "إسطنبول" يُفرش فيها البساط الأحمر لأسماء لم تقدم من حيث الكم والكيف ما يوازي تجربتي الممتدة لأكثر من أربعة وثلاثين عاماً. 

ثمة غبن وتغييب مقصود تفرضه "الشللية" والعلاقات العامة التي تحكم المشهد الأدبي المعاصر. إننا نعيش في مفارقة العصر الرقمي؛ إذ قد يرافقك أحدهم على منصات التواصل لعشر سنوات، وحين تلتقيه في الواقع يدعي بصلف أنه لم يسمع بك أو يقرأ لك. لقد عشت في فترات من مسيرتي وكأنني نخلة وحيدة نبتت في صحراء، حيث يندر النقد المحلي المنصف؛ فلم يكتب عني في الداخل إلا أسماء تُعد على أصابع اليد الواحدة مثل إيمان مصاروة، وسهيل كيوان، ومحمد خليل، ونور عامر، وفاتن دراوشة، بينما جاء الاحتفاء الحقيقي والدراسات الرصينة من خارج حدود فلسطين — من مصر، وسوريا، والعراق، والأردن. وكما يُقال: "لا نبي في وطنه". 

    بالرغم من صعود نمر سعدي مع جيل التسعينيات، إلا أن دواوينه جمعت ثلاثة أشكال: العمودي، التفعيلة، والنثر؛ ما الذي يعنيه هذا التنوع الجمالي لشاعر من جيله؟

هذا التنوع هو ترجمة أمينة لرحلتي الروحية والفنية؛ فالكلاسيكية العمودية كانت مهدي الأول، لكنني وجدتها تضيق بطموحي الشعري فانتقلت إلى التفعيلة، وهي الشكل الأقرب إلى نبض روحي وتطلعاتي. أما قصيدة النثر فكتابتي لها لا تتجاوز 2% إلى 4% من مجمل نتاجي، وهي عندي بمثابة تمرين حب خفيف وتجريب عاطفي خالص؛ إذ كثيراً ما أكتب نصاً نثرياً ثم أعود إليه بعد أسبوع لأصبه في قوالب التفعيلة أو العمودي. 

أنا شاعر مسكون بهارمونيا الموسيقى والإيقاعات الخليلية العميقة، وأعشق الشعر المدور على طريقة "حسب الشيخ جعفر"؛ لأنني أضيق برتابة الأسطر التقليدية ذات القوافي المنتهية عند كل سطر. أسعى دوماً لأن تكون القصيدة دفقاً شعرياً واحداً ممتداً بنَفَس وجداني متصل وزخم عاطفي حار لا يتوقف، ليعكس بدقة تلك الحالة النفسية المتوترة، القلقة، والمسكونة بلهفة الشغف. 

  تُرجمت أعمال الشاعر إلى لغات متعددة (الرومانية، الإنجليزية، الفرنسية، الصينية، والعبرية)؛ كيف ساهم هذا الانفتاح في نقل خصوصية المكان الفلسطيني إلى أفق كوني؟

 

نُقلت شذرات من قصائدي إلى لغات عدة كالعبرية، والرومانية، والإسبانية، والفرنسية بجهود أصدقاء ومستشرقين مهتمين بتجربتي. ويظل الجهد الأبرز ما قام به البروفيسور والناقد الصيني سيد جودة المقيم في هونغ كونغ، وهو الصديق النبيل الذي يربطني به ود ممتد لعشرين عاماً؛ إذ كان من أوائل من ترجموا قصائدي العمودية الطويلة ونشروها بلغتيهما في مجلته الراقية "ندوة". 

كذلك ترجم لي الشاعر العراقي حسين نهابة قصائد إلى الإسبانية ضمن أنطولوجيا متخصصة، وهناك جهود مماثلة لنقل نصوص ومقالات إلى الفرنسية. ومع ذلك، فإن الغبن يلاحقني هنا أيضاً، إذ لم يحظَ أي من دواويني بترجمة كاملة حتى الآن، وتظل هذه الترجمات المتفرقة إضاءات شحيحة تحاول تحرير المكان الفلسطيني من أسره المحلي لتمنحه صبغة إنسانية كونية. 

 

    تذكر نصوص الشاعر عبارة: "لستُ أملكُ سيرةً ذاتيَّةً للنشرِ في ويكيبيديا"؛ كيف يمكن تفسير هذا الترفع أو التلاشي الذاتي مقابل تضخم الحضور الشعري؟

هذه العبارة ليست نرجسية مقلوبة، بل هي صرخة تأمل في وجه الآلة الإعلامية والمؤسساتية التي تروج وتصنع النجوم. أنا إنسان بسيط وأعزل، أفتقر لأدوات التسويق والتمويل والجهات الداعمة التي ترفع بعض الشعراء إلى مصاف المنصات الكبرى والمهرجانات الفارهة. 

حين أقول إنني لا أملك سيرة في "ويكيبيديا"، أعلن ترفعي عن هذا اللهاث الاستهلاكي، متكئاً على إرث إبداعي حقيقي يضم أكثر من عشرين ديواناً وثلاثة كتب نثرية، ودراسات نقدية طُبعت عن تجربتي. لقد شعرت في فترات طويلة بأنني نخلة وحيدة تقاوم وحشة الصحراء؛ فالشعر الحقيقي يفرض حضوره بنموه الإبداعي الداخلي، لا ببريق السير الذاتية الجاهزة للتسويق الرقمي. 

 

 

 يرى الشاعر أن شعر التفعيلة هو "الوريث الشرعي" للشعر العربي؛ ما هي المبررات الفنية والوجدانية التي يرتكز عليها هذا الموقف؟

 

 

 

هذا الموقف ينبع من قناعة فنية مفادها أن شعر التفعيلة هو الامتداد الطبيعي والمطور للجينات الإيقاعية والجمالية للقصيدة العربية الكلاسيكية. لقد كان ظهور السياب، ونازك، والبياتي ثورة حقيقية حملت زخماً جديداً حرر النص دون أن يبتر صلته بالجذور الإيقاعية. 

التفعيلة تحتفظ بخصائص البنية الموسيقية الخليلية، وتتطلب في الوقت ذاته شاعراً متشرباً للتراث حتى النخاع ومدركاً لروحه ليعيد صياغته برؤية عصرية. ورغم احترامي لقصيدة النثر التي تحتاج إلى قامات إبداعية فذة لتتقنها، ورغم تثميني للعودة المعاصرة الرائعة للقصيدة العمودية بروح حديثة على أيدي شعراء مميزين كمحمد بغدادي من العراق، والدكتور جميل الدويهي من لبنان وحكمة شافي الأسعد من سوريا، وغيرهم، إلا أنني أجد في التفعيلة التوازن الأكمل بين حرية الوجدان وانضباط الموروث. 

    لاحظ النقاد وجود ظاهرة "الفقد العروضي" (مثل الخرم والحذذ) في بعض القصائد الحرة؛ كيف يعكس هذا الانقطاع الإيقاعي وعياً نفسياً بالواقع الفلسطيني؟

لست متفقاً تماماً مع طرح الانقطاع الإيقاعي في نصوصي؛ فقصيدتي محكومة بنظام صارم يشهد له النقاد، كالدكتور الناقد العراقي المرموق ثائر العذاري الذي وصف كتابتي للتفعيلة بأنها تمتاز بصرامة تحاكي جيل الستينيات. أنا لا ألجأ لكسر البحور أو إحداث فجوات موسيقية متعمدة، لكن ما يظنه البعض "فقداً عروضياً" قد يكون ناتجاً عن إقحام مفردة أجنبية تفرضها حداثة النص، أو بسبب طبيعة قصائدي المركبة والمرقمة التي تتجاور فيها نصوص التفعيلة والعمودي والنثر في آن واحد. قصيدة النثر عندي لها إيقاعها النفسي والداخلي الخاص، بينما تظل قصائد الوزن محتفظة بانتظامها العروضي الصارم الذي يحمي البناء الموسيقي من التفكك. 

  عندما تُربط المقاطع المتفرقة عروضياً في ديوان "وصايا العاشق"؛ يختفي الخرم ليتحول النص إلى بحر الكامل؛ كيف يخدم هذا الترابط الفني "حلم الوحدة والعودة" في لاوعي الشاعر؟

ديوان "وصايا العاشق" الصادر عام 2014 قام في جوهره على قصائد قصيرة مكثفة، لكنها مشدودة بخيط حريري خفي إلى "بحر الكامل". هذا البحر هو، في نظري، حصان الشعراء الرابح؛ البحر الصاخب والهدار الذي سبح في فضائه درويش في ملحمته "مديح الظل العالي". 

الكامل يمنح الشاعر صهوة لركوب الريح، ويحاكي موسيقياً صخب البحر الحقيقي وهدير أمواجه المتلاطمة. إن انصهار تلك المقاطع الموزعة في فضاء هذا البحر الصاخب يجسد في لاوعيي محاولة هندسية لالتئام التشظي؛ إنه المعادل الفني لجمع شتات الذات والذاكرة، والتعبير الإيقاعي عن طموح الوحدة والعودة إلى المركز الأول في مواجهة التمزق العابر. 

    ما هو الدور الذي تلعبه الموسيقى الهادئة والتدفق الغنائي العالي في شعر نمر سعدي وفي حماية قصائده من المباشرة والخطابية السياسية التقليدية؟

الموسيقى واللغة ذات الخصوصية هما الدرع الحامي للقصيدة من السقوط في مستنقع الخطابية الفجة والمباشرة السياسية الجافة. النص الإبداعي يقتضي مغايرة تامة واختلافاً يمنحه هوية تميزه؛ فالموسيقى الهادئة والتدفق الغنائي الرفيع هما الجسر الجمالي الذي يعبر بالقصيدة إلى قلب القارئ دون وعظ أو تقريرية. وكما تميز أذن المتلقي فوراً النبرة الخاصة للسياب، أو نزار، أو درويش من بين مئات النصوص، فإنني أسعى لخرق التقليد السائد وصناعة بصمة إيقاعية فريدة تنأى بالهم الإنساني والوطني عن تكرار الشعارات، وتحلق به في سماوات الفن الخالص. 

    يوظف الشاعر في ديوانه "سراب التباريح" أبواباً شعريَّة مرقَّمة بالأرقام اليونانية؛ ما هي الدلالة البنائية أو الفلسفية خلف هذا التقسيم الهندسي؟

 

هذا التقسيم الهندسي بالأرقام اليونانية هو خيار بنائي قديم رافقني منذ دواوين "وصايا العاشق"، و"تشبكُ شعرها بيمامةٍ عطشى"، وصولاً إلى "سراب التباريح". المسألة لا تعدو كونها رغبة في تقديم معمار شعري متكامل؛ حيث يندرج تحت العنوان الرئيسي الكبير للباب عدة قصائد قصيرة تتراوح بين السبعة والعشرة نصوص. ربما أكون قد تأثرت في هذا المنحى ببعض قامات التحديث كدرويش وغيره، لكنه يظل في النهاية نوعاً من "الهندسة الجمالية" التي تمنح الفوضى الوجدانية نظاماً بصرياً وفلسفياً منضبطاً، يساعد المتلقي على قراءة الديوان بوصفه كلاً لا يتجزأ. 

    كيف توازن قصيدة نمر سعدي بين "التوهج الوجداني المتقد" وبين "الانضباط البنائي" دون أن يطغى أحدهما على الآخر؟

تكمن بلاغة النص في قدرته على التأرجح الخلاق بين جذوة العاطفة المتقدة وصرامة المعمار الفني، دون أن تلغي حرارة الوجدان متانة البناء، أو يجفف الانضباط الروائي عذوبة الإحساس. أنا ميال بطبعي للدقة والصرامة في صياغة العمل التكاملي؛ لا أؤمن بالكتابة العشوائية الفوضوية. 


حين تباغتنا القصيدة كلماتها الأولى، تبدأ مرحلة التفكير الطويل والاشتغال المضني الذي قد يمتد لأسبوع أو أسبوعين لتهذيب النص وصقله، وإن كانت بعض النصوص تولد دفعة واحدة جارفة. هذا التوازن الدقيق هو ما يمنح قصيدتي ديمومتها ويجعلها عملاً فنياً منضبطاً ونابضاً بالحياة في آن واحد. 

  كيف ينجح الشاعر في الانتقال بالمتلقي من الأوزان الصافية التقليدية إلى فضاءات "قصيدة النثر" دون إحداث فجوة في التلقي؟

لا تحدث فجوة لأنني لستُ بصدد خلط تعسفي للأشكال؛ فالعمودي يظل في مساره المنضبط، وقصيدة النثر تحتفظ بفضائها الحر الخاص. المسألة رهن بالحالة النفسية والوجدانية التي تفرض شكلها التعبيري؛ إذ قد يضم النص الطويل والمركب عشرات اللمحات القصيرة التي تجمع التفعيلة والعمودي والنثر معاً.

أنا أرى الشعر فناً تشكيلياً أشبه بفن "الأرابيسك" أو "الفسيفساء"؛ أقوم ببناء القصيدة من ذرات دقيقة وتفاصيل هندسية بالغة الرقة. هذه التقنية تمنحني تجربة مريحة، وترسخ قناعتي بأن الشعر في ماهيته الأولى هو فن وصناعة جمالية رفيعة، قبل أن يكون علماً، أو فكراً، أو تنظيراً فلسفياً جافاً.

    يستحضر الشاعر شخصيات كونية وتاريخية متباينة في نص واحد (مالك بن الريب، شكسبير، طاغور، أنكيدو)؛ كيف تتحول الذات الشاعرة هنا إلى مركز تلاقٍ للثقافات الإنسانية؟

نعم، يزخر نصي بهذه الرموز الكونية؛ فالشاعر في ظني بحاجة دائمة إلى "تقنية القناع" ليتخفى وراءها، مستنطقاً تلك الشخصيات لتقول ما تعجز الذات عن البوح به بطريقة مباشرة. حين أستدعي مالك بن الريب، أو شكسبير، أو طاغور، أو أنكيدو، وأمزج بين الرمز التراثي والواقع المعيش، فإنني أسعى لتجاوز المباشرة السطحية نحو أفق تأملي يسائل جدوى الشعر وقدرته على مواجهة قسوة هذا العالم السائر نحو الهاوية.

لقد وظفت هذه الأقنعة ببراعة للتعبير عن الذات الفلسطينية المعاصرة وعذابات اغترابها الوجودي وحزنها المقيم. فقناع امرئ القيس (الملك الضليل) — على سبيل المثال — أستحضره كمعادل موضوعي للمثقف المعاصر المنفي والمشتت بين العواصم، يعاني الضجر والكآبة. وبذات الوعي، ألجأ لقناع السندباد — كما فعل السياب من قبل — ليحمل دلالة الاغتراب الروحي والجسدي والبحث الأبدي عن مرسى وأمان عاطفي لإنهاء عزلته الموحشة، حيث يتقاطع سفر السندباد الخطير مع بكاء الديار عند امرئ القيس في صرخة إنسانية واحدة ضد خيبات الدهر وشظف الحياة. من هنا، تذوب التواريخ لتتحول الذات الشاعرة إلى مسرح تلتقي فيه هموم البشرية جمعاء عبر أسلوب غنائي حار يمزج الرؤى الصوفية باللغة العاطفية الثرة.

 كيف وظف الشاعر شخصية "الحلاج" في ديوان "ساعي بريد اللهفة" كحالة روحية ممتدة (للفناء والمعاناة) وليس كمجرد سرد لتاريخ صوفي؟

في "ساعي بريد اللهفة"، لم يكن استدعاء الحلاج ترفاً ثنائياً أو زينة تراثية مجانية، بل كان خيطاً ناظماً في فسيفساء نصوصي إلى جانب أبي ذر الغفاري ومالك بن الريب للتعبير عن موقف وجودي خالص. لقد تحول الحلاج في الديوان إلى معادل موضوعي لحالتي الروحية، متجاوزاً الإطار التاريخي المحدود بالزمان والمكان ليكون رمزاً كونياً للغوص في التجربة الروحية القصوى.

جسد الحلاج حالة التشظي الإنساني واللهفة الحارقة بحثاً عن المطلق في واقع اتسم بالشظف والقسوة. ثمة تقاطع حميم في هذا التوظيف بين العشق والفناء؛ إذ تماهت ذات الشاعرة مع موضوع عشقها—المرأة، المعنى، الوطن—فتداخلت مكابدة المعاناة برغبة الوصول والذوبان التام في المحبوب. وعبر هذه اللغة الاستعارية الممتدة المبرأة من التقريرية، والمشحونة بالتحولات السريالية والنفسية، رسمتُ الحلاج كزهرة نرجس تحترق في صمت ونقاء، ليكون النص صوفياً بامتياز يعبر عن الفناء العذب.

    في قراءة النقاد لـ "وصايا العاشق"، كيف اندمج قناعا "امرئ القيس" (الملك الضليل) و"السندباد" ليعبرا عن رحلة الشتات والبحث عن السند الإنساني؟

لقد التفت النقاد بذكاء إلى هذا الدمج الدرامي بين امرئ القيس والسندباد بوصفه تقنية فنية لتصوير أزمة الإنسان الحديث الممزق الذي فقد مأواه. فالملك الضليل الهارب الهائم في الصحراء طلباً لثأر أبيه، يلتقي مع السندباد المغامر في أسفاره البحرية والبرية الخطرة، ليرسما معاً لوحة متكاملة لرحلة الشتات والبحث المضني عن الاستقرار والدفء الإنساني في عالم متلاطم الأمواج كالبحر.

هذا الاندماج يكرس ثنائية "المكان واللامكان"؛ فامرؤ القيس يمثل فجيعة المكان الأول (الأطلال، الديار، ووجع الفقد)، بينما يجسد السندباد أسطورة المكان البديل المجهول والمحفوف بالمخاطر. رحلة السندباد ليست مادية بل هي مسعى دائم لإنهاء العزلة الروحية، وتلتقي صرخته الوجودية مع بكاء الطلول عند امرئ القيس لتعبر عن غربة الشاعر العميقة، سواء كان قابضاً على جمر الوطن أو تائهاً في غيابات المنفى.

 تتقاطع في شعره شخصية النبي يوسف عليه السلام مع أسطورة "نرسيس" اليونانية من بوابة "الجمال وغدر الإخوة"؛ كيف يخدم هذا المزيج رمزية القضية الفلسطينية؟

في هرمي الرمزي، يمثل النبي يوسف ونرسيس ثنائية الجمال المستهدف والغدر المأساوي؛ فسيدنا يوسف يجسد المظلومية العظمى، الخذلان، المؤامرة، والمنفى القسري والبعد عن الوطن، وهي ملامح تحاكي معاناة الإنسان الحديث المريرة. في المقابل، فإن أسطورة نرسيس العاشق لصورته—والتي قاربتها قبل عشرين عاماً في قصيدتي "تحولات لمرايا نرسيس" — تتحول في نصي من دلالة الغرور السطحي إلى دلالة التعلق الوجداني الشديد بالتراب والوفاء للأرض والتحدي عبر الانعكاس على المرآة.

من خلال هذا المزيج المبتكر، تخدم القصيدة أبعاد القضية الفلسطينية عبر استراتيجيات رمزية عميقة تتجاوز النبرة الخطابية؛ حيث تصبح فلسطين هي يوسف ونرسيس معاً—ذلك الجمال المتجذر المستهدف دوماً من قوى الغدر والنفي، والذي يتحول بالتبعية إلى سلاح رمزي يقاوم القبح، الطمس، ومحاولات محو الهوية والذاكرة الجمعية.

  يزخر شعر سعدي بأسماء مثل (لوركا، كافكا، رامبو، سالومي، ديك الجن)؛ كيف تعزز هذه المرجعيات الغربية والشرقية من حداثة النص لديه؟

ج: حضور هذه الأسماء والرموز الكونية يمثل ركيزة جوهرية لتشكيل حداثتي الشعرية؛ فهي الأداة التي نجحت من خلالها في تحرير النص من القوالب التراثية التقليدية الجاهزة ودمجه بأفق الثقافة الإنسانية الشاملة. ويمكنني تلخيص هذا الأثر في محاور عدة: أولاً، تجاوز المحلية الضيقة نحو الفضاء الكوني؛ حيث أستلهم لوركا وبودلير ورامبو للتعبير عن مآسي الاغتراب والنفي برؤية إنسانية شاسعة. ثانياً، إثراء التناص وتكثيف الدلالات؛ إذ تعمل هذه الشواهد كأقنعة فنية تكثف المعنى، فـ "سالومي" تختزل ثنائية الحب والموت الصادمة، و"كافكا" يعكس عبثية الواقع والتحولات النفسية الحادة.

ثالثاً، التماهي مع رموز التمرد والرؤيا؛ حيث أتقاطع مع رامبو في تمبرده على السائد، ومع لوركا في هاجس الموت والجمال المبتكر المغلف بغرابة آسرة. وأخيراً، الوصل الخلاق بين الحداثة الغربية والتراث الشرقي؛ فنصي لا يكتفي بالغرب، بل يزاوج بينه وبين مأساوية "ديك الجن" المعذب في حبه، مما يمنح القصيدة قدرة فائقة على الجمع بين روح الأصالة وما بعد الحداثة بنسيج جمالي واحد.

    كيف يتناص الشاعر مع كلاسيكيات التراث العربي كاستهلاله بـ "مدخل" يشي بتناص مباشر مع أبي تمام حول مفهوم الزمن والفقد؟

التناص مع أبي تمام (حبيب بن أوس الطائي) في "المدخل" الشعري لديواني "ساعي بريد اللهفة" يمثل استدعاءً عميقاً لفلسفة الزمن. أردت من خلال هذا الاستهلال المباشر أن أتقاطع مع إشكالية الفقد والتحول المستمر الذي يصيب بنية الكون والذات على حد سواء. هذه الرؤية الوجودية تعيد إنتاج الحنين، والألم، واللهفة، متجاوزةً أطر الاستعارات الكلاسيكية الجامدة لتنفتح على رحابة التعبير الحديث العاكس للقلق الإنساني والألم الوجودي المعاصر في أبهى صوره.

 

    يُعرف ديوان "سراب التباريح" بأنه محاولة لـ "كسر ماء الكناية وكتابة الأشياء بالمجازات"؛ كيف يصنع الشاعر عالماً بديلاً من خلال صور السراب والظلال؟

 

ديوان "سراب التباريح" كُتب بزخم شعري عاطفي وحس فني رفيع، غايته خلق عالم بديل يتجاوز التعبير اليومي المباشر نحو رؤية باطنية تعتمد المجاز المكثف والعميق. من خلال تقنية "تكسير ماء الكناية"، يتجرد السراب والظلال من كونهما مجرد ظواهر بصرية عابرة، ليتحولا إلى فضاءات سحرية موازية للواقع تفيض بالتأمل الوجودي ولوعة العشق ومكابدة التوق.

أعمل في الديوان على جعل ثنائية "الظل والصدى" بمثابة كائنات حية تعكس لوعة الاغتراب وحرارة الحنين، مبتعداً تماماً عن الوصف الغزلي التقليدي لصالح تجربة لغوية تتشكل من أجنحة الخيال وتضفي غموضاً محبباً على الصور المتسارعة والمحلقة. هنا تتداخل خارطة الأنوثة برمزية الوطن في نسيج كثيف الإحالات، وتبرز نزعة الغناء التأملي المنضبط بوجدان حار يدافع عن القيم الجمالية في وجه قبح الواقع ورقابته، ليصبح الوهم والسراب حقيقة مشتهاة تتيح للقصيدة الإفلات والانعتاق بالمجاز نحو آفاق بكر.

    يبتعد نمر سعدي عن الغزل التقليدي المباشر إلى تجربة لغوية معقدة؛ ما معنى أن تكون "التباريح" (اللوعة والشوق) وسيلة لطرح أسئلة الوجود؟

تحويل "التباريح" من عاطفة غرامية مسطحة وبكاء تقليدي على الأطلال إلى تساؤل وجودي هو جوهر المغامرة اللغوية في "سراب التباريح". لقد غدا الوجد والحنين عندي عدسة فلسفية مجهرية لارتياد مجاهل الفناء، الخواء، الفراغ، حدود الذات، وعلاقة الإنسان بهذا الكون الشاسع. الشوق لم يعد رغبة عابرة في لقاء امرأة، بل تحول إلى قلق وجودي وبحث دائم عن المعنى في عالم مثقل بالغياب والفقد، طارحاً أسئلة مصيرية: من نحن؟ وإلى أين نمضي وسط هذا السراب؟ ولماذا نكتب؟

لقد حطمتُ الكنايات الباهتة وفككتُ اللغة التقليدية لصالح مجازات باطنية تعكس غربة الإنسان الحديث وعذاباته أمام الزمن والمجهول. هذا المنحى يتماهى مع الأبعاد الصوفية حيث يتجاوز الغزل المادي نحو الاتحاد بالكون، متخذاً من العذاب الروحي وسيلة لتطهير النفس ومساءلة الحياة والخلود وشعرية الوهم والصدى كأدوات لاستنطاق أعماق النقص البشري.

 

    تتأرجح لغة الشاعر بين "مستوى التجلي" (التصريح بالرموز الثقافية) و"مستوى الإخفاء"؛ لماذا يعتبر النقاد مستوى الإخفاء هو الأرقى في تجربته؟

ينحاز النقاد لمستوى "الإخفاء" ويرونه الأرقى في تجربتي لأنه يلامس جوهر الشعرية الخالصة؛ حيث تذوب الأسطورة والرمز تماماً داخل البناء النفسي والفني للقصيدة وتصهر في بنيتها العضوية، بدلاً من السرد المباشر والتصريح الفج الذي يحول الرموز إلى اقتباسات ثقيلة أو زوائد ثقافية جامدة تتطلب جهداً خارجياً لتفكيكها.

في مستوى التجلي، قد أستدعي رموزاً مباشرة كـ "أورفيوس" أو "شمشون"، مما قد يربك القارئ العادي، أما في "الإخفاء" فإنني أذيب هذه المرجعيات في دمي وتجربتي الذاتية ليتفاعل المتلقي مع جمالية الصورة الشعرية وشغفها الجسدي والروحي المنسرب وراء السطور بتلقائية. هذا الغموض المحبب يمنح النص عمقاً فلسفياً ونفسياً يغوص في تناقضات الإنسان المعاصر، محققاً تأثيراً إيقاعياً وبصرياً بالغ العمق والفتنة.

    في ديوان "وصايا العاشق"، يخفي الشاعر هويّة "المُوصى لها" ومضمون الوصية؛ كيف ساهم هذا الإخفاء المتعمد في تحقيق أعلى درجات الشعرية؟

 

الإخفاء المتعمد لهوية "الموصى لها" وتفريغ الوصية من تفاصيلها المادية والدنيوية في ديوان "وصايا العاشق" كان تقنية فنية واعية لتعميم التجربة وتجريدها من أطرها الفردية الضيقة. أنا لا أخاطب امرأة بعينها بل أتوجه إلى نساء افتراضيات كثر، مما يحول النص من حكاية حب شخصية إلى خطاب إنساني شامل يتجاوز الخاص إلى المطلق، ويلامس وجدان كل قارئ.

هذا الغموض المتعمد يفرغ النص دلالياً ليحرك مخيلة المتلقي ويفرضه شريكاً فاعلاً يسقط مشاعره الخاصة وتجاربه في تلك الفراغات التأويلية. كما أن هذا التكتم يضفي هالة مقدسة وسحراً غامضاً يشبه التجليات الصوفية حيث يستحيل الحبيب المجهول كياناً روحياً مطلقاً، ويمنح الوصية وقار الوصايا القديمة. هذا التكثيف والتركيز وضع المشاعر الخالصة كالحنين والألم في الصدارة، منقذاً الديوان من الترهل أو السرد النثري الجاف.

    تحضر "الأنثى / الحبيبة" بقوة في كافة الدواوين؛ كيف استنتج النقاد أن هذا الحضور الأنثوي هو في جوهره قناع خفي يتداخل فيه الغزل بالوطن (حيفا / فلسطين)؟

 

استنتج النقاد ذلك بناءً على رصد آليات فنية ورمزية دقيقة في نصوصي؛ إذ لا ينفصل جسد الأنثى عن جسد الوطن بل يندمجان في حلف مجازي وثيق، يغدو فيه الغزل بالمرأة قناعاً خفياً لاستعادة واسترجاع ذاكرة حيفا الساحلية المفقودة. ثمة انصهار كامل للحدود الجغرافية بالروحية؛ فالطبيعة وتضاريسها تحضر كامتداد لتقاسيم المرأة وجمالها، وتتحول الأنثى إلى وطن يحتل كياني بالكامل.

إن قصائد الغزل الموجهة لامرأة مثالية غائبة أو هاربة في مجموعاتي إنما تحيل القارئ بمرجعياتها العميقة إلى الحنين الوجودي للبلاد والتيه الذي نكابده بعيداً عن الديار. الاستعارات الجسدية في نصوصي هي تاريخ مدون للوجع وندوب الجرح الفلسطيني المتأرجح بين الألم والأمل، كما أن حضور البحر بقوة في إهداءاتي وقصائدي يتماهى مع المرأة والوطن معاً، وهو ما رآه النقاد إسقاطاً وجدانياً خالصاً على ساحل حيفا الممتد في ذاكرتي السليبة.

    كيف تحول الحب في ديوان "ساعي بريد اللهفة" من منظور وجداني فردي ضيق إلى "قوة كونية تذيب الجغرافيا والتاريخ"؟

 

في "ساعي بريد اللهفة"، تمرد الحب على أطره الضيقة وتجلياته الذاتية المحدودة ليتحول إلى طاقة صوفية وكونية جارفة تلغي المسافات وتذيب الجغرافيا وتصهر التاريخ في لوعة وجدانية سرمدية واحدة. يتجلى هذا التحول في إلغاء قيود المكان والواقع؛ إذ يتحول العاشق إلى كائن كوني لا يعترف بالحدود، وتتسع أبعاد المحبوبة لتشمل فضاءات الطبيعة والوجود، متوحدة بالمشاعر الإنسانية الشاملة.

وعلى صعيد التاريخ، يتجاوز الحب الزمن الخطي؛ فاستدعاء الرموز والموروثات التاريخية العميقة — كالتناص مع أبي تمام — يلغي البعد الزمني لتتصل أزمنة الفقد القديمة بالاكتمال الحديث في حالة سرمدية ممتدة. هذه النزعة الصوفية المتدفقة تجعل العاشق يذوب في معشوقته متخلصاً من ماديته وجسديته، ليغدو الحب ديانة كونية شاملة تذوب فيها الفوارق تماماً بين الذات والآخر.

 

    يوجه النقاد ملحوظة حول "الفيض اللغوي والاستعارة المفرطة" لدى الشاعر؛ هل تزاحم الصور البصرية يثري التلقي أم يهدد بتخفيف التركيز الدلالي؟

 

هذه الملحوظة النقدية تضع إصبعها على ميزة أسلوبية ذات حدين في نصوصي؛ فالفيض اللغوي والاستعارات المفرطة يثريان المشهد ببهاء بصري باذخ، لكنهما قد يهددان أحياناً بتخفيف التركيز الدلالي وتشتيت الفكرة المركزية لصالح التدفق الوصفي وتراجع البنية الدرامية للقصيدة كما في بعض نصوص "ساعي بريد اللهفة".

المسألة رهن بذائقة المتلقي وقدرة الشاعر على جعل هذا الانفجار الصوري جزءاً عضوياً من البناء النفسي للنص؛ فالاستعارة عندي تمتلك طابعاً غرائبياً وتأملياً نابضاً بالحياة لا يبدو مصطنعاً، بل يمثل آلة تفكير شعري تقرأ وتؤمل كما في "سراب التباريح". هذا الاحتشاد الصوري يغرق القارئ في غابة من السحر تحميه من جفاف المباشرة، وتظل الموازنة بين ثراء المشهد وتكثيف الدلالة هي الرهان الذي أخوضه في كل نص.

    كيف تعكس المفردات المتكررة في معجمك الشعري (العدم، الظل، الصدى, الغياب) إشكالية "الأنا والآخر" وثنائية المركز والهامش؟

 

هذه المفردات (العدم، الظل، الصدى، الغياب) ليست حشواً أو زينة لفظية مجانية في معجمي، بل تشكل بنية فلسفية عميقة تعكس الاغتراب وتفكك رمزية الذات الشاعرة أمام عالم مليء بالخيبات والتشظي. تكرار "الغياب والعدم" يجسد أزمة الهوية وانعدام التواصل الإيجابي بين الأنا الشاعرة المتمردة والكون أو الآخر المركز؛ وحين تعجز هذه الذات عن فرض حضورها المادي في المركز، تنكفئ نحو الهامش وتستحيل إلى عدم يغرق في تأمل ذاته الرافضة للانفصال.

 

أما "الظل والصدى" فهما التعبير الأكمل عن ثنائية المركز والهامش؛ فالظل تابع لجسد أصلي والصدى انعكاس لصوت حقيقي يمتلكه الآخر (المركز)، مما يعكس تبعية الأنا الشاعرة وتشيؤها حين تقف عاجزة عن امتلاك صوتها الحر الفاعل في فضاء المركز، لتبقى مجرد صدى تائه في هوامش الكون. إنها مأساة الجمال ومأزق الشاعر الذي يرى نفسه كائناً هشاً ومغنياً وجودياً معذباً، وتحويل هذا العدم إلى نص هو محاولتي لكسر التهميش وجعل الهامش مركزاً كونياً ترتقي فيه أساطير الفن والتصوف.

    يوظف الشاعر استعارات تجعل العين بمثابة "مكتبة كونية تضم الملاحم والأساطير"؛ كيف يرسخ هذا التصور فكرة أن الشاعر يكتب التاريخ الإنساني المتراكم عبر ذاته؟

 

العبقرية الفنية تكمن في تحويل العين ومخيلة الذات إلى "مكتبة كونية" وأرشيف حي يدمج الوعي الفردي بالتراث الإنساني العالمي. عندما أستدعي شخصيات ملحمية وتاريخية متباينة كأنكيدو، والحلاج، وشكسبير، وطرفة بن العبد، وامرئ القيس، لا أحشدهم كزينة بلاغية عابرة، بل كأجزاء حيوية من وعي الذات الشاعرة المنصهرة بالكون.

تتحول العين هنا إلى مستودع يختزل الثقافات الإنسانية والكتب المقدسة، مما يؤكد أن التاريخ البشري ليس مجرد سرد توثيقي خارجي، بل هو معاناة وجودية متراكمة وتجربة حية تتجسد وتتوجع داخل الشاعر الفرد. غدت القصيدة مرآة تعكس تجارب البشر العميقة في الحب، الألم، والاغتراب؛ حيث تمتد اللحظة الوجدانية عبر لغة استعارية كثيفة لتربط الراهن المعيش بالحكايات التأسيسية الأولى للبشرية، مما يعيد اكتشاف المهمل والمنسي، ويرسخ حقيقة أن التاريخ في جوهره رحلة وجدانية متصلة لا تنفصل عن نبض الشاعر.

    أخيرًا، كيف تلخص دراسات النقاد (مثل دراسة د. ميرنا الشويري ود. محمد خليل) مكانة نمر سعدي كصوت متفرد وغزير الإنتاج في خارطة الشعر العربي المعاصر؟

 

لقد تناولت دراسات نقدية جادة تجربتي باهتمام كبير؛ حيث أجمعت قراءات الدكتورة ميرنا الشويري والدكتور محمد خليل على أنني أمثل صوتاً شعرياً فلسطينياً متفرداً، غزيراً، ومتميزاً في خارطة الشعر العربي المعاصر، يبرع في مزج الأصالة التراثية بالواقع الراهن والمخزون الأسطوري الكوني، صاغها في لغة عاطفية غنائية متجاوزة الأنماط الرتيبة نحو فضاءات أرحب.

ففي قراءتها المعنونة بـ "شعرية السراب عند نمر سعدي"، رصدت الدكتورة ميرنا الشويري قدرتي العالية على استبطان الوهم والسراب وخلق عوالم حالمة تذوب فيها الحدود الفاصلة بين الذات، الأرض، الوطن، والمرأة، متكئة على لغة حسية دافئة تغوص في أعماق الماضي والحاضر معاً. من جانبه، أضاء الدكتور محمد خليل في دراسته — "تجليات الحداثة عند الشاعر نمر سعدي" — على غزارة نتاجي الإبداعي وخيالي الجامح، مشيراً إلى اتكائي الواعي على موروثات ثقافية ورمزية متعددة، وتمسكي المتقن بشعر التفعيلة بوصفه الوريث الشرعي للقصيدة العربية. إن هذه المقاربات النقدية تؤكد أن نصوصي تفلح في إنتاج موسيقى هادئة، تنصت بعمق وخصوصية لهموم الإنسان المعاصر والتجربة الحياتية بفرادة، وإلهام، ومحبة غامرة.