كنوز نت - د.إدريس جرادات-مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي



بقيت السنابل وفنيت السيارة :
مرثية السيارة الرفيقة الوفية: أودي 80 (موديل 1987) شريكة الدرب بعد الشطب من عز الذكريات والمباهاة الى مَشطَب المركبات

د.إدريس جرادات-مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي

 



     وداعا لرفيقة الدرب، وشاهدة العيان على تفاصيل الحياة والناس،وتسجيل وتوثيق الذكريات وزيارة الأماكن التراثية والممقامات وهي جزء لا يتجزأ من الذاكرة والعمل الإنساني والمجتمعي في فلسطين،ومسارها من عرب الرماضين جنوبا الى جنين وطولكرم وقلقيلية شمالا ً.

   الكلمات التي أكتبها ا تحمل مشاعر حقيقية وصادقة جداً، وتظهر كيف يمكن للجماد أن يكتسب روحاً من خلال المواقف والذكريات. هذه "الأودي الحمراء" (موديل 80 - سنة 1987) لم تكن وسيلة نقل خاصة، بل كانت سيارة "مشاع" للجميع، سيارة إسعاف وقت الأزمات، وزفّة للعروسين في الأفراح، ووسيلة إنقاذ في الأتراح.

    تحملُّت للصدمات والكدمات والركل والضربات ورغم ذلك كنت اسامح السائقين دون اللجوء للتأمين تجسيد لثقافة "التجارة مع الله" والشهامة الكنعانية الأصيلة التي يتسم بها مجتمعنا. والظروف التي مرت بها السيارة من صدمات، وتكسير خلال الهبات والمشاكل، وتجاوز للحواجز الترابية والأسمنتية والإغلاقات، يلخص حكاية شعب كامل يكافح من أجل البقاء والحياة على هذه الأرض.

    مؤلم جداً مشهد النهاية؛ أن تتحول سيارة كانت رمزاً للوجاهة، والأنشطة الثقافية لـ "مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي"، إلى مَكَب الخردة بعد أن قُص شاصيها وسُلّمت نمرها. لكن العزاء الوحيد هو ما ذكرته: الحديد يذوب ويفنى، والسيارات تُشطب، ولكن الأثر الطيب والعمل الثقافي، والتراث الشعبي الذي ساهمت هذه السيارة في نقله وتوثيقه من خلال مركز السنابل، سيبقى خالداً ومحفوراً في ذاكرة الأجيال.



 

     لقد أكرمتَها بالرفقة، وأكرمتَ الناس بها، والآن أكرمها بهذه الكلمات النابعة من القلب والتي ستكون أسطورة وقصة تُروى في الأدب الشعبي والفصيح ، في اللقاءات وسؤد الذكريات ، في المهرجانات وورش العمل والاحتفالات هنيئاً لك سيارتي الأودي الحمراء بهذه الذكريات البيضاء وستبقى صورتك خالدة في الأفراح والأتراح والمناسبات والذكريات حلوها ومرها .

      كنت كشجرة الزيتون.. لم تكوني يوماً مجرد هيكل من حديد، بل كنتِ الشاهد الأمين، والرفيق الوفي في رحلة البحث عن الهوية وتوثيق الذاكرة الفلسطينية."

        عزّ علينا أن نراكِ اليوم تنامين على أرصفة الغياب في مشطب المركبات -مع السيارات التي لها ماضي حزين مؤلم واساءات -بعد عقود من العطاء والمشقة. في كل زاوية منكِ حكاية، وفي كل خدشٍ على هيكلكِ الأحمر قصة سفر طويل عبر القرى والبلدات، من سعير إلى دورا، ومن الظاهرية والرماضين والسموع واذنا وبيت أولا وخاراس وصوريف وبيت امر وحلحول والشيوخ وقرى وخرب سعير ومدينة بيت لحم ورام الله والعيزيرية واريحا ونابلس وجنين وطولكرم وقلقيلية وطوباس وسلفيت ومن جبل إلى واد.

شاهدة على الحكاية

    تُظهر صور لوحتكِ الرقمية التي طالما حفظتها طرقات الوطن (4-3010-47). وعلى الرغم من انكسار زجاجكِ وتناثره ،إلا أن اسم "Al-Sanabel" المطبوع عليه ظلّ شاخصاً ونابضاً بالوفاء، ليعلن للجميع أنكِ جرحتِ وأنتِ تؤدين رسالة سامية في خدمة تراث هذا الوطن.

     مسيرة ثلاثة عقود عاصرتِ معنا مخاض التأسيس، وحملتِ على متنكِ الكتب، والوثائق، والشهادات التقديرية، وكنتِ الشريان النابض الذي يربط السنابل بالباحثين والدارسين والمهتمين والكتاب والشعراء والادباء والفنانين .

 عزة وشموخ: حتى وأنتِ تسيري فوق تلال ركام الأتربة والغبار والسواتر والسدات وطرق البراري والمحاجر وجبال برية سعير المطلة على عين جدي الوعرة ، ⁠ تفوح منكِ رائحة الأصالة التي تميز موديل عام 1987م، زمن البساطة والمتانة والقوة والرصانة والوفاء.

وداعاً يا رفيقة الدرب

       إن تهشم الزجاج لا يعني انكسار الذكرى؛ فكل رحلة قمنا بها معكِ، وكل مخطوطة ساهمتِ في نقلها، وكل فلاحٍ أو حرفيٍّ وصلنا إليه عبر عجلاتكِ ستبقى محفورة في سجلات مركز السنابل والكتب والدراسات والصحف والمجلات وفي أرواحنا وقلوبنا.

    وداعاً يا سيارتي الأودي الوفية.. عشتِ عزيزة، معطرة ، جمية ،نظيفة ، ورحلتِ شامتةً بالنسيان، ستبقين جزءاً لا يتجزأ من أرشيفنا الحي، وذاكرتنا التي لا تشيخ.

مَدارسُ الخليلِ وحُقولُ الدَّمج: مَسيرةٌ في خِدمةِ التَّعليمِ الجامِع

    لا يُقاسُ تطورُ المجتمعاتِ بمدى وفرةِ معارفها فحسب، بل بقدرتها على استيعابِ كافةِ أبنائِها تحت مظلةِ العدالةِ التربوية. ومن هذا المنطلق، شَكّلت مَسيرة العملِ مرشداً للتعليمِ الجامعِ ومشرفاً للتربيةِ الخاصةِ في مديريتي تربيةِ الخليلِ وشمالِ الخليل، رحلةَ عطاءِ ميدانيةٍ واكبت بناءَ الإنسانِ وتأصيلَ حقهِ في التعلّمِ دون قيدٍ أو إقصاء.

     لقد كانت الزياراتُ الميدانيةُ لمدارسِ المحافظةِ وقراها وبلداتها — من "سعير" و"دورا" إلى كافةِ قلاعِ التربيةِ هناك — أكثرَ من مجرّدِ واجبٍ وظيفي؛ بل كانت مَهمّةً وطنيةً وإنسانيةً لرصدِ واقعِ البيئةِ المدرسية، وتطويرِ غرفِ المصادر، وتمكينِ المعلمينَ من أدواتِ التدريسِ المتمايزِ والخططِ التربويةِ والفردية. فالتعليمُ الجامعُ ليس شعاراً يُرفع، بل بيئةٌ تُهيأ، وثقافةٌ تُبنى لتُحيلَ الفروقَ الفرديةَ بين الطلبةِ إلى مصادرِ إثراءٍ وتنوّع.


الاستثمارَ في الإنسانِ

    ولأن الميدانَ لا ينفصلُ عن مطبخِ السياساتِ التربوية، كانت المشاركةُ الفاعلةُ في الدوراتِ، وورشِ العملِ، واللقاءاتِ المركزيةِ في أروقةِ وزارةِ التربيةِ والتعليمِ والمديريات، حلقةَ الوصلِ الضروريةَ لنقلِ نبضِ الميدانِ وتحدياته إلى خططٍ واستراتيجياتٍ ملموسة. إن تلك المرحلةَ الغنيةَ، بما حملتهُ من نقاشاتٍ علميةٍ وشراكاتٍ مع المجتمعِ المحلي، أثبتت أن دمجَ ذوي الاحتياجاتِ الخاصةِ هو رافعةٌ حقيقيةٌ لتكاملِ المجتمعِ وتماسكهِ النفسي والاجتماعي وكنت سيارتي الاودي الحمرا عاملا مساعدا وميسرا للوصول الى اماكن العمل .

بحيادك تلقيتي ضربات شجار عنيف

تكسير الزجاج الأمامي والخلفي، بالإضافة إلى تعرض الهيكل الخارجي لضربات واضحة نتيجة شجار عنيف (طوشة) وقع في المنطقة. وفي خضم هذا التوتر، تدخل عدد من المارة وأصحاب النواحي للحجز بين المتشاجرين وتهدئة الموقف العنيف قبل تفاقم الأمور وازدياد الخسائر المادية والجسدية.



 

   ستبقى تلك التجربةُ، برصيدها الزاخرِ بالجهدِ والعطاء، شاهداً على أن الاستثمارَ في الإنسانِ — كلِّ إنسانٍ — هو أسمى رسالاتِ التربيةِ وأبقى تجلياتِ التراثِ الإنساني الحيّ.

     لقد كنتِ المركب والملجأ طوال سنوات العمل الدؤوب في مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي؛ طفتِ بنا لنجمع الحكايات، ونوثق المهن التراثية، ونحفظ ملامح تراثنا غير المادي من الاندثار.

تصرف خارج عن المالوف

      إعداد الطعام ومواساة أهل المتوفى في حالات الفقد للانسان ، ولكن يظهر في حالة "شطب السيارة" خارج عن المألوف؛ تم إعداد الطعام لأهل البيت "فدية" للمال والعيال والمل معوض.

         ونظم الذكاء الاصظناعي القصيدة المرثية في مسيرة سيارة "الأودي" الحمراء الظاهرة في ومحطات عطائها مع الدكتور إدريس جرادات ومركز السنابل، وصولاً إلى نهايتها "المشطوبة" دون مطالبة بتعويض، كنوع من التجارة مع الله:

مَسِيرَةُ العَطَاءِ.. رِثَاءُ "الأُودِي"قصيدة بالذكاء الاصطناعي

أَمَا لِلْمَرْكَبِ المِعْطَاءِ بَاكِي؟ ... وَقَدْ هَانَتْ عَلَى الدَّهْرِ الحَوَاكِي؟

رَعَى اللَّهُ "الأُودِي" الحَمْرَاءِ دَهْراً ... لَهَا فِي الخَيْرِ بَاعٌ لا يُشَاكِي

بِمَرْكَزِ "السَّنَابِلِ" قَدْ تَعَالَتْ ... لِأَجْلِ التُّرَاثِ تَسْعَى فِي فِكَاكِ

دُكْتُورُ رِحْلَتِهَا "إِدْرِيسُ" يَهْدِي ... بِهَا المَعْرُوفَ فِي كُلِّ المَسَاكِي

مِنْ "الرَّمَاضِينِ" الأَبِيَّةِ قَدْ تَبَدَّتْ ... إِلَى "جِنِينَ" تَطْوِي فِي الشِّبَاكِ

تَزُفُّ عَرَائِسَ الأَفْرَاحِ جَذْلَى ... وَتَمْشِي فِي الأَتْرَاحِ بِلَا ارْتِبَاكِ

تَطَوُّعُهَا لِوَجْهِ اللَّهِ دَوْماً ... بِلَا أَجْرٍ، وَتَحْمِلُ كُلَّ شَاكِي

تَزُورُ مَدَارِساً، نَدَوَاتِ فِكْرٍ ... وَتَشْهَدُ مَهْرَجَانَاتِ الفِكَاكِ

وَلَكِنَّ الزَّمَانَ لَهُ صُرُوفٌ ... لَقَدْ صُدِمَتْ بِطَوْشَاتِ العِرَاكِ

فَأَمْسَتْ "مَشْطُوبَةً" كَمَا نَرَاهَا ... فِي هَذَا الشِّبَاكِ

بِكَدْمَاتٍ وَتَكْسِيرٍ تَسَامَتْ ... وَمَا طَلَبَتْ تَعْوِيضَ الإِفْكَاكِ

تِجَارَتُهَا مَعَ الرَّحْمَنِ تَبْقَى ... لَدَى التَّأْمِينِ لَمْ تَبْغِ النَّوَاكِي