
كنوز نت - كتب: الدكتور سمير محمد أيوب
وتموزٌ جديدٌ يلوح في الأفق
لن أعود إلى ربي كنودًا
ذاتَ تموزٍ مُمعنٍ في البُعد، أودعتني أمي ضيفًا على دنيا وادي النسناس في حيفا. ومنذ ذلك التموز، حَبَوْتُ، ثم مشيتُ، فهرولتُ في دروب الحياة ومنعطفاتها، في رحلةٍ شاركني فيها الناس، والأزمنة، والأمكنة. حلمتُ، وتمنيتُ، وفكرتُ، ودبرتُ، وسعيتُ، وأبحرتُ صامتًا... ومن دون صمت.
ارتطمتُ بصخر واقعٍ مثقلٍ بالتحديات والكُلف والمخاوف، واجتزتُ جمرَ ممالكٍ من الملح والقلق، كانت وما تزال لا تلد إلا أختامًا وأعلامًا تختلف في أشكالها، وتتطابق في مضامينها وتبعاتها. ضاق بعضها حتى الاختناق، واتسع بعضها الآخر حتى التورم.
وفي محطات الرحلة، اتكأتُ على أكثر من عصا موسى ودرة عمر، أهشُّ بهما على مفردات حياتي، حتى غدتا امتدادًا لصحةٍ غادر معظمها، وبقي منهما ما يربت على كتفي مطمئنًا: لا تحزن... فنحن معك، وما زالت رفقتك تسعدنا.
ورغم عناد هذا البدن، المثقل بسنن الحياة ونواميسها، والمنكمش قليلًا هنا، وكثيرًا هناك، صحوتُ اليوم، كعادتي، برفقة قلبٍ هش، ومتتالياتٍ من الأدوية، ثم مضيتُ أفتش في زوايا النفس عن تلك التفاصيل الصغيرة التي ما تزال تمنح الحياة معناها: ورقٌ يتهجى الحرف، وفنجان قهوةٍ يشيع دفئًا في الروح، ونسائم فيروز تعبر القلب في هدوء.
غسلتُ تعبي من أفخاخ الأيام الأنيقة، ولذتُ بذلك الطارق في صدري؛ طفلي المشاغب، الذي ما زال يدق ويرتل بعنفوان، ويمشي فوق الجمر ويعانق الجمر.
ولملمتُ دمى طفولةٍ شقية، ورممتُ شتات شبابٍ متمرد، واستعدتُ بهجة كهولةٍ تعرف كيف تبتسم للحياة، وهي تحتضن ذاكرةً لم يأكلها الغياب بعد. وهناك، تعرفتُ من جديد إلى بساطة الأحلام، وتعقيد الأوهام، فأشفقتُ على طيبة النفس وغضبها، وتفهمتُ حماقات حروبها، وتجولتُ في غيبوبات سلمها وظلاله.
وعلى امتداد حياةٍ عامرةٍ بالغيطان والتلال والقيعان، انسابت في القلب طمأنينةٌ جديدة، وانفتحت فيه أبوابٌ واسعة للرضا. فكيف أعود إلى ربي كنودًا؟
ما زلتُ أشرب قهوتي مع من أحب، وأتأمل الذاهبين والعائدين في معارج الحياة ومدارجها. وما زالت لي قدمان أنعم الله بهما عليَّ، وما زال لي أبناءٌ يلدون أبناءً وأحفادًا، وما زالت لي أسرةٌ كبرى... هي أنتم. وما زال لي، في الوطن العربي الكبير، وطنٌ اسمه فلسطين... وسيبقى.
وعرفتُ أن الحب لا يُرزق إلا لقلبٍ سليم، ولا يستقيم إلا بعقلٍ نبيل، ولا يزهر إلا بفكرٍ أنيق، بعيدٍ عن الزيف والنفعية. وبتُّ أعرف متى أتكلم، ومتى أتلعثم، ومتى أصمت بحكمة، ومتى أتوقف، رغم استعجالي، لأنظر في العينين، فأفهم أكثر مما قد تقوله الأسئلة.
وفي زمن الأحلام المخصية، والكرامة المروضة، كبرتُ كسندبادٍ لم تُغرقه البحار، وإن أتعبه السفر، وأرهقته المجاديف المكسورة، والتصدعات الصامتة. ولم أنحنِ لأحد، لكنني تعلمتُ أن الوقوف نفسه قد يكون، أحيانًا، صورةً أخرى من صور الانكسار.
لم أخن المعاني، ولم أقرع طبلًا، وتحررتُ من ملل الوحدة، ومن ضجيج الصمت، وصرتُ أعرف من أنا، وما الذي أتقنه، وما الذي أريده، وما الذي أستطيع أن أمنحه للآخرين. وتعلمتُ، بالصبر الجميل، أن ألامس أحزاني المتحولة، وتلك التي لا تنضب، دون أن أستسلم للاكتئاب. لذلك... لا يليق بي أن أعود إلى ربي كنودًا.
ومن غير اعتراضٍ على القدر، ولا على حتميات الرحيل، أبعث امتناني إلى كل من أهداني يومًا وردة، أو مدَّ لشظايا روحي، ولتيهان نفسي، ولعقد عقلي، ولخيباتي وأوهامي البريئة، ذراعيه بمحبة، لأرى الحياة بألوانها الأجمل. وإلى كل من أنار، رغم رحيل التجربة المشتركة، وحشة خوفي، وبقي شاهدًا على أن ما بيننا يكفي ليظل ملاذًا آمنًا، يمنحنا من الضوء ما يجعلنا نمضي معًا إلى الأمام.
وذات يوم، بعد عقودٍ من النضج، وحب الأماكن الهادئة، والقهوة، والموسيقى العذبة، وصوت الطبيعة، والدفاتر المفتوحة على أسئلتها الأبدية، سأرقى معارج السماء بهدوء، عائدًا إلى حيث ينبغي للروح أن تعود، دون أن أعلم متى سأقول: وداعًا.
أشكر كل من أهداني لحظةً جميلة، وكل من احتمل شيئًا من سوء مزاجي، أو عاتبني بمحبة، أو نبهني إلى خطأٍ دون أن تفسد الود بيننا رياح التغير.
وأعتذر إلى كل من قصرتُ في حقه، أو أخطأتُ بحقه بكلمةٍ أو موقفٍ أو سوء ظن، وإلى كل من احتاجني فلم أكن عند حاجته، وإلى كل من شكا إليَّ فلم أواسه كما ينبغي. التمسوا لغفلتي الأعذار... وسامحوني.
ونحن نمضي في الطريق إلى فلسطين، إلى كل حبة ترابٍ فيها، كما نريد ونحلم، أعدكم أن أبقى منتصب القامة، مرفوع الهامة، وألا أنكسر.
وليت لي من قادم الأيام والليالي متسعًا، لأواصل الاستمتاع بما وعدتُ نفسي به... برفقتكم جميعًا.
الاردن - ٢٠٢٦/٧/٧
07/07/2026 08:31 am 14
.jpg)
.jpg)