
كنوز نت - نمر سعدي / فلسطين
بداياتُ النوستالجيا الرعويَّة
نمر سعدي / فلسطين
في طفولتي، الطبيعة كانت كتابي المفتوح، ديواني الشعري الأوَّل، مزاميري الأرضية والسماوية. قرأت عشرات الدواوين الشعريَّة بين أحضانها مدفوعا بحنين رعوي طفولي. عرفتُ المتنبي وأبا تمَّام في صيف عام 1989. بعض الكتب كنت أصورها وأحمل رزما من الأوراق وأنتبذ جهة ما في البريَّة الخضراء التي تحيط قريتي. أتحدَّث عن بدايات التسعينيَّات. قرأت أحمد شوقي المذهل بهذه الطريقة، طريقة تصوير الدواوين والكتب التي أستعيرها من المكتبات العامة والمدرسية. أرعى الغيم المنخفض وقطيعاً من المعاني والدلالات والمجازات والانزياحات، قارئاً "مصرع كليوبترا" و "مجنون ليلى" و "قمبيز" و "معلَّقة الشنفرى" والشعراء الجاهليِّين والصعاليك والأدب الأموي والعباسي وبعض الأدب الأندلسي والشعر العربي الحديث وبعض روايات جرجي زيدان وسيرة عنترة بن شدَّاد. قصاصات الأوراق كانت تتناثر بين الشيح والسرِّيس وأشجار البطم والعبهر والزعرور والسنديان على امتداد الجبال الخضراء وسهول القمح الذهبيَّة في الجليل الأسفل، حيث يمتدُّ "وادي الشعير" كسماء نائمةٍ على عدَّة كيلو مترات حتى وصوله إلى نهر صفوريَّة في غابة شفاعمرو يحفُّه من الغرب "جبل الخشاش" نسبة لبيوت الصفيح التي كانت تغطِّيه في فترة سابقة .
هل بدأتُ شاعراً رعويَّا؟ أغلبُ الظن أن الطبيعة الرعويَّة المحيطة أثرَّت كثيرا على قراءاتي الأولى. وأتذكَّر أن أَّول قصيدة كتبتها كانت عن الطبيعةِ أو تجليَّاتها في الحبِّ أو المعشوقة أو في تمجيد الحنين واللهفة.
في الأدب، يُشير مصطلح الشعراء الرعاة (أو الأدب الرعوي) إلى الشعراء الذين يمجِّدون الحياة الريفية والطبيعة، ويصورون مجتمع الرعاة بالبساطة والنقاء والصفاء الروحي.
تمتد الجذور العالمية للشعر الرعوي (Pastoral Poetry) من فن أدبي عريق أسَّسه الشاعر اليوناني ثيوقريطس (Theocritus) في العصر الإغريقي، ثم تلاه الشاعر الروماني الكبير فِرجيل. يُمجِّد هذا الشعر الحياة الريفية ويصور مجتمع الرعاة ببساطته ونقائه مقارنة بتعقيد المدينة وفسادها وقسوتها وضوضائها.
يتسِّم هذا الشعر بالعديد من الخصائص منها التغني بالطبيعة عبر وصف المراعي والأودية الخضراء. والبراءة والنوستالجيا من خلال لغة مديح "الماضي الذهبي" المتخيل وحياة الطفولة وأحلامها. بالإضافة إلى البناء الفني فغالباً ما يأخذ شكل حوار غنائي بين الرعاة حول الحب أو الغربة أو الطبيعة.
في الأدب العربي، تجلت جذور ومكونات هذا الشعر منذ العصر الجاهلي (من خلال وصف البيئة والتغزل بالصحراء) وصولاً إلى العصر الحديث، حيث يُعد الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة من أبرز من مارسوا هذا الفن شعرياً.
يركز هذا الشعر على وصف الطبيعة، الحياة البسيطة للرعاة، والتغني بالمرعى والحيوانات والنباتات والأشجار، وهو أسلوب تم تناوله لاحقاً في دراسات مثل كتاب "شعر الرعاة" للدكتور محمد صقر خفاجة.
رغم عدم وجود مسمى "الشعر الرعوي" في الأدب العربي قديماً، إلا أن الشعر الجاهلي والأموي امتلأ بروحه وطفح بتجلِّياته، فكان الشاعر ابن بيئته يصف الصحراء، قطعان الإبل، المراعي، والحيوانات البرية (مثل وصف الظلال والجبال). كما برز هذا المكون في الغزل العذري، واستمر في الشعر الفلسطيني والعُماني المعاصر.
05/07/2026 08:46 pm 18
.jpg)
.jpg)