
كنوز نت -
متنفَّس عبرَ القضبان (185)
حسن عبادي| حيفا
بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، ليعرفوا الحقيقة كاملة من مصدر أوّل دون تأويل، وبعدها أتصل بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي البغيض، وهذا أضعف الإيمان؛
- وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّبت الأسير المحّررة الكاتبة إسراء عبوشي: "يا الله… قلبي ما زال عالقًا عند باب تلك الغرفة، عند اللحظة التي أُغلق فيها الباب وبقيت ميسر وحدها في الداخل، بينما خرجنا نحن نحمل حريتنا وتركنا خلفنا قطعة من أرواحنا. كانت في كل محكمة تمشي بخطى الأمل، تزرع يقينها بأن الفجر سيأتي، وأن القيد مهما طال هو مجرد ليلٍ مؤقت. لكن هذا هو قدر الله، نمضي ونترك وراءنا أسيراتٍ يسكنّ القلب ولا يغادرنه.
ميسر، شاتيلا، آية… والجميع، أنتن لستن غائبات، أنتن مؤجلات في موعد الحرية، محفوظات في دعاءٍ لا ينقطع، اللهم فرجًا قريبًا يليق بصبرهن، ونورًا يفتح الأبواب التي أغلقت. وكل الشكر والتقدير لك أستاذ حسن، لم تدخر جهدًا، وكان صوتك نصرا، ويدًا حين ظنّ اليأس أنه الأقوى".
وعقّبت أم يوسف حمد: "لاحول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. كل أسيرة قصه إنسانة مليانة وجع وقهر وشوق للأسرة. فك الله بالعز قيدك. بوركت جهودك أستاذ حسن صوت الحق متنفس الأسرى والأسيرات خلف القضبان. دام قلمك الحر ودمت سفيرا لأسرانا".
وعقّبت انتصار حمدان: "الله يقويك ويعطيك العافية أستاذ حسن توثيقك وجهودك مقدرة ومساحة مهمة جدا لحتى نبقى على تواصل ولو قلبياً مع الأسيرات والأسرى. لهم الحرية ولك التقدير والاحترام وطول العمر والصحة".
وعقّب محمد صبيح: "دمت أيها الانسان الشامخ المسكون بكل قيم الإنسانية المنتمي المحب الصادق الصدوق لمثلك تليق الأوسمة تقديرا واحتراما".
وعقبت راية المجد: "الله يفرج عنك يا ربى ويكرمك من عنده، ويعجل بالفرج لجميع الأسيرات والأسرى، ويبارك بالأستاذ الفاضل حسن عبادي صاحب البصمة.... ترك أثراً لا يُمحى في ميزان الحق. صاحب البصمة… لأن بعض المواقف تُخلّد أصحابها".
وعقّبت عفاف عمرو وليد: "حسن عبادي ذلك الاسم الذي يشدني لكل ما يكتب عندما ألمح اسمه أسارع لقراءة ما كتبه عن أسيراتنا وأسرانا لك منا كل الاحترام أستاذنا. فك الله بالعز قيدهم جميعا حرائر وأحراراً".
- " ركّعونا على رُكبنا بالساحة "
التقيت ظهر يوم الثلاثاء 10.02.2026 في سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب ثانيةً بالأسيرة ميسر محمود خليل هديبات (مواليد 02.04.1973 ورهن الاعتقال منذ 18.11.2024) من دورا ومتزوّجة في يطا/ الخليل، متزوجة + 3 أولاد وبنتين + حفيدان عمر وحمادة الصغير (ولد وهي في الأسر)
وكانت مكفهرّة وقلقة وتعبة.
تروحنت حين سمعت أخبار العائلة وسلاماتهم؛ طمأنتها على زوجها وشوقه لعودتها كي تنوّر البيت من جديد، ونسمة (بالنسبة لعمر بعرفك وكل ما يشوف صورك بحكيلي تيتا حبيبيي وببوسك وحمادة الصغير نسخة عن عمر بس أنصح وأطول منه. ولادتي الأخيرة علمتني أشياء كثير طلعت كاينة أعتمد عليك في كل شي وأضغطك كثير بقيتي تتحمليني صرت لما أواجه اشي أواجهه لحالي كنت أضل أرن عليكي وأسألك شو أعمل هسه لقيت حالي بتصرف لحالي مع كل الأمور، فتنهدت وقالت بعفويّة: "نفسي أشوف حمادة وأحضنهم كلهم وأظلّ أبوّسهم. الأمانة لمّا تروح ع الخليل تبوّسهم عنّي". ونغم (نفسي آجي ع المحكمه الجاي وأشوفك بدي أخلي حماده يساعدني أعمل هوية جديدة إن شاء الله أقدر أزورك)، وحمادة (يما أنا حمادة، أنور أموره تمام بشتغل ووضعه منيح وكل فترة بزوره، أنا بشتغل عسيارة وأموري تمام، ولقمان مدلل ونسمة منزورها كثير وبتجي بتنام عنا وأبوي صحته ممتازة وضعه تمام، وأنت في سجن تذكري الشغلات الحلوة بس وتذكري يوم متطلعي من السجن شو بدك تعملي). ودلال وإسلام. ودمعت.
ميسر بغرفة 9 (برفقة فاطمة جسراوي، هناء بيدق، هبة متوفي (جديدة/ طولكرم)، سجى دراغمة (جديدة/ جنين)، رغد فني، نادية/ جديدة، سلام عواد وعائشة عبيات. [1] (رغد وعائشة ونادية بناموا ع الأرض).
- مقهورة على حمادة.
اليوم كانت قمعة، بعد مش عارفين ليش؟ انبطاح ع الأرض، ربّطونا من ورا، حشرونا بالحمام، إطلعوا لبرا، ركّعونا على رُكبنا بالساحة، اقتحموا الغرف وصادروا كل الملابس. ظل لكل صبية غيار واحد. رشّوا غرفة 4 بالغاز.
بحياتك بوّسلي حمادة كثير.
حفظت سورة يوسف، والمُلك والكهف، وقسم من البقرة.
سلّم على جوزي وخلّيه يدير باله على صحته، وعلى الكلّ وبوسات للأحفاد.
حمادة الكلّ بالكلّ.
خلّي نسمة تظل عندهم برمضان أكثر ما يمكن.
يؤلمها أنها ما روّحت بالصفقة الأولى (الوحيدة التي لم تتحرّر برفقة شاتيلا وآية).
- " أعطوني أواعي صيفي!"
بعد لقائي بميسّر أطلّت الأسيرة منى أحمد قاسم أبو حسين (مواليد 24.10.1978، مديرة روضة، قرية عابود/ رام الله)، متزوجة + 6 أولاد: همام، أدهم، أفنان، أنفال، أنصار وإيثار.
بادرت قائلاً: كيفك منى؟ فصدمتني قائلة قبل أن تردّ على التحيّة: "اليوم كنا مقموعين"! وخبّرتني عن تلك القمعة التي لا مبرّر لها سوى فشّة غل، على حد قولها، (صرخ السجانون على الصبايا: الكل ينبطح ع الأرض، كلبشونا لورا وطلّعونا لبرّا بمدافشة، ركّعونا بالساحة واقتحموا الغرف وصادروا كل الملابس، غير اللي لابسات ورشّوا غرفة 4 بالغاز، مع صياح ومسبّات.
حدّثتني عن الاعتقال؛ (اعتقلوني يوم 07.01.26 بنص الليل، روّحت بصفقة تبادل الطوفان ورجّعوني، اقتحم البيت كتيبة مجنّدين، رعُب برعب، أخذوني لمعسكر جنبنا وعيوني مغمّضة، ومنها للمسكوبية 23 يوماً معزولة عن العالم (عتمة، برد، ممنوع أحكي مع حدا، عزل تام، تفتيش مهين ع الطالع والنازل)، يوم بمعبار الرملة ومنها للدامون، نشكر الله ما نيّموني بالشارون).
منى بغرفة 8 (برفقة فاطمة منصور [2]، فرح أبو عياش وآيات سويلم).
هون الوضع صعب، الكل تسكير، ممنوع الحكي مع الغرف، ما في تواصل مع حدا غير الغرفة. أعطوني أواعي صيفي!
قلقة ع الأولاد؛ أوصلتها رسالة أختها وجدان، أفنان سجّلت بالجامعة لفصل جديد، أنفال بتدرس منيح ومتابعة التوجيهي، أنصار شهادتها منيحة وبتستنّى بالهديّة، إيثار ممتازة وبتداوم بكل يوم وما بتغيب، وأدهم بداوم ونفسيّته منيحة، وهمام بشتغل مع أبوه، وأحمد، زوجك، مشتاق وبسلّم، وإخوتها كلهم.
- عايد لي على أدهم. بكرا عيد ميلاده.
رسالتها لأولادها؛ ديروا بالكم على دراستكم، وظلّوا بالبيت برمضان، كل واحدة تمسك دفتر وتكتب لي كل حدث بيومه، كل يوم بيومه، وأدهم يرسم كل يوم رسمة أو سجلوا لي صوته يوميا شو بدّو يحكيلي. فشّوا غلكم بالكتابة. وأحمد يظل يدعي لي، مشتاقة جداً.
وسلامات لأختها وجدان وأولادها، لأخوتها قاسم ويسام ورائد في الأردن، وباسم وعيلته. دعواتكم.
قلقانة، كل ما هم بخير أنا بخير. سلموا على كل حدا بسأل عني.
بدنا أوقات الصلاة، وإمساكية رمضان.
- " يا إلهي؛ ما أشبه اليوم بالأمس "
بعد لقائي بميسّر ومنى أطلّت مبتسمة الأسيرة ربى فراس عبد الرحيم دار ناصر [3] (مواليد 21.05.2003، رهن الاعتقال منذ 06.01.2025)، طالبة ماجستير فيزياء، من دير قديس/ رام الله لألتقيها مرّة أخرى. كبرت البنّوتة.
حدّثتني مباشرة عن وضع السجن؛ حكوا لك ميسّر ومنى عن قمعة الصبحيّات.
ربى بغرفة 3؛ برفقة حنان البرغوثي [4] (بتعايد على عناد، عيده يوم 12.02)، إباء الأغبر [5] (خبّرتها عن لقاء أهلها في حفل إطلاق كتابي "زهرات في قلب الجحيم" في مركز يافا/ بلاطة)، ماسة غزال [6] (ختمت القرآن، وخبّرتها عن لقاء أهلها وحليمة)، رانية دندن، سماح صوف، بشرى قواريق (خبّرتها عن تحضيرات البيت والعرس)، وهناء حمّاد (بوغَرَت وبطّلت قاصر). ياسمين شعبان وشاتيلا أبو عيادة).
أنا بخير ومعنوياتي عالية، صحتي منيحة ومرتاحة مع البنات بالغرفة. رغم أن الوضع أسوأ من يوم ليوم. بدنا أواعي شتوي وإمساكية رمضان.
أوصلتها سلامات وأخبار العائلة؛ والبرواز يلّي رسمته أسماء (يجمع ربى مع والديها وبيت شعر: وتصبَّرا لا تجزعا لِفراقِيَه... إنِّي لَفي صُبحٍ قريبٍ آتِيَه)، سلّموا على ستّي وسيدي أبو فراس (بدعيلهم بطلعتهم ع الحج، الموضوع كان ببالي، وانبسطت على الخبر)، وستّي أم أحمد (بدعيلها وما تنساني من دعواتها)،
تبارك لعمها زياد بالماجستير ولزوجته بالوظيفة (بدّي يشد حاله ويكون زميلي بالدكتوراه)، وسلم خاص لعمها رياض وابنته شهد.
- تبارك لرؤى ببنتها رِوى.
وتبارك (برفقة حنان وآية وشاتيلا) لرولا حسنين...
خلّي أسماء تظلّ تجرّب كعكة الليمون تا تزبط معها ليوم الترويحة.
بدي محمد أخوي يقرأ "عائد إلى ظلال الأترج"، و"أبي اسمه إبراهيم" ويهتم بدراسته وكثير متحمسة يحكي لي عن الفلك.
وكثير مبسوطة من معاذ وفخورة فيه، يستمر بحفظ القرآن.
ومؤمن ببالي كل الوقت وبدعي له دائماً.
أوصلتها سلامات زهراء وابنتها يافا، سيرين ورهام وحنين جابر ودلال.
فجأة قالت بعفوية: عاملة رزنامة، بشطب كل يوم بيومه. بعدلّي 82 يوم. بعدّهن ويعدّوا معي.
خلّي أهلي يحجزوا لي ضروري مقعد في أكاديمية الصفا.
لين مسك رايحة تختم القرآن حفظ بسورة محمد ليلة القدر.
بتسلّم على الجميع، وخاصة دانيا والبنات اللي معها.
بطريقي من الدامون جاءني لقائي مع خالدة جرار يوم 21.06.21 وما كتبته بعد اللقاء (بدنا الرزنامة) "تحدّثنا عن دور الصليب الأحمر؛ في السنوات الأخيرة اقتصر على ترتيب زيارات الأهالي... وطبع وتوزيع رزنامة سنويّة، ففي الأسر، وبغياب النقّال والحاسوب، تصير لها أهميّة عظمى، يدوّن الأسير عليها يوميّاته وما يجري حوله، ولكنه حرم الأسرى منها هذه السنة بسبب التقليصات والتواطؤ ممّا جعل خالدة، وزميلاتها، تخطّ السنة على دفتر، كلّ ترويسة صفحة تحمل اليوم والتاريخ... وتنتهي بيوم التحرّر المرتقب."
يا إلهي؛ ما أشبه اليوم بالأمس.
لكُنّ عزيزاتي أحلى التحيّات، والحريّة لجميع أسرى الحريّة.
الدامون/ حيفا شباط 2026
[1] تحرّرت عائشة عبيات يوم 19.02.26
[2] تحرّرت فاطمة منصور يوم 28.04.26
[3] تحررت ربى دار ناصر يوم 03.05.2026
[4] تحرّرت حنان البرغوثي يوم 14.05.26
[5] تحررت إباء الأغبر يوم 16.04.2026
[6] تحرّرت ماسة غزال يوم 26.02.26
06/07/2026 11:30 am 15
.jpg)
.jpg)