.png)
كنوز نت - بقلم: رانية مرجية
الحكاية حين تُربي الجمال
قراءة نقدية في سلسلة «مملكة الأحلام الصغيرة» للكاتبة رزان نواف الرابي
- بقلم: رانية مرجية
ثمة سوء فهم رافق أدب الطفل العربي طويلًا، يتمثل في الاعتقاد أن قيمة هذا الأدب تُقاس بقدرته على تعليم الطفل فضيلةً ما أو ترسيخ سلوكٍ مرغوب فيه. ومن هنا امتلأت مكتبتنا العربية بحكايات تنتهي بعبرة، وبشخصيات لا تخطئ إلا لتؤكد صحة الدرس، وبأحداث لا تُبنى وفق منطق الفن، بل وفق منطق الرسالة. ومع الزمن، تراجعت الحكاية نفسها أمام ثقل الوعظ، حتى غدا الطفل يقرأ ما يُطلب منه أن يتعلمه، لا ما يدعوه إلى أن يندهش.
غير أن الأدب، في جوهره، لا يعمل بهذه الطريقة. فالقيمة لا تُولد من الجملة الأخيرة في القصة، ولا من الحكمة التي يرددها البطل، بل من التجربة الجمالية التي يعيشها القارئ وهو يتابع السرد. فالطفل لا يتعلم الصدق لأن القصة قالت له إن الصدق فضيلة، وإنما لأنه أحب شخصية صادقة، وتألم معها، وفرح لها، ورأى العالم بعينيها. ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن يفعله أدب الطفل ليس أن يلقن الأخلاق، بل أن يبني الحس الذي يجعل الأخلاق ممكنة.
من هذا المنظور، يمكن قراءة «مملكة الأحلام الصغيرة» للكاتبة رزان نواف الرابي بوصفها محاولة للانتصار للحكاية قبل الدرس، وللخيال قبل الوعظ، وللتجربة الإنسانية قبل الشعارات التربوية. ولا يعني ذلك أن المجموعة تتخلى عن رسالتها القيمية، بل تحققها بطريقة أكثر صعوبة وأكثر أدبية؛ إذ تجعل القيمة تنمو من داخل السرد، لا أن تُفرض عليه من خارجه.
ولعل أول ما يلفت النظر في هذه المجموعة أنها لا تقدم الطفل بوصفه متلقيًا للموعظة، بل شريكًا في اكتشاف العالم. فلا أحد يخبره منذ البداية بما ينبغي أن يفكر فيه، ولا تأتي الشخصيات لتشرح له الحقيقة، بل يُدعى إلى خوض التجربة معها، واكتشاف المعنى خطوة بعد أخرى. وهنا يكمن الفارق بين النص الذي يحترم قارئه، والنص الذي يكتفي بتوجيهه.
إن رزان الرابي
لا تكتب من موقع المعلمة، وإنما من موقع الحكاءة. وقد تبدو هذه ملاحظة بسيطة، لكنها تمثل الفرق الجوهري بين النص الأدبي والنص التعليمي. فالحكاية عندها لا تُختزل في وظيفة، ولا تصبح مجرد وسيلة لتمرير قيمة، بل تحتفظ بحقها في أن تكون حكاية أولًا. ومن هنا تأتي قدرتها على الإقناع؛ لأن الطفل لا يشعر أنه يتلقى درسًا، بل يعيش مغامرة، وما إن تنتهي المغامرة حتى يكتشف أنه خرج منها بفكرة جديدة، من غير أن يشعر بأن أحدًا فرضها عليه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه منذ الصفحات الأولى هو: ما الذي يجمع هذه القصص؟
للوهلة الأولى تبدو الشخصيات متباعدة؛ طفلة تطارد فراشة، وأرنب يعشق القراءة، وقمر يزور الأرض، وأسد يحاور عصفورًا، وكتاب يختار قارئه. غير أن هذا التنوع يخفي وراءه رؤية واحدة للعالم، هي التي تمنح المجموعة وحدتها الفنية.
في تقديري، لا تقوم هذه الرؤية على الخيال وحده، بل على ما يمكن تسميته بأنسنة العالم.
فالأشياء في هذه المجموعة لا تبقى أشياء. والطبيعة لا تؤدي دور الخلفية التي تجري عليها الأحداث، بل تتحول إلى شخصية تشارك في صناعة المعنى. فالفراشة ليست مجرد كائن جميل، وإنما دعوة إلى الاكتشاف. والقمر لا يبقى جرمًا سماويًا بعيدًا، بل يصبح رفيقًا للأطفال، يشاركهم دهشتهم ووحدتهم. أما الكتاب فلا يظل جمادًا، بل يمتلك إرادته الخاصة، حتى يغدو شريكًا في الرحلة، لا مجرد وسيلة لها.
وهذه الأنسنة ليست مجرد اختيار جمالي، بل رؤية تربوية عميقة؛ لأنها تعيد بناء علاقة الطفل بالعالم على أساس المشاركة، لا السيطرة. فالطفل الذي يتعلم أن ينظر إلى الطبيعة بوصفها صديقًا، سيحترمها من غير أن يحتاج إلى درس في حماية البيئة. والطفل الذي يرى في الكتاب كائنًا حيًا، سيقترب من القراءة بدافع المحبة، لا بدافع الواجب.
ومن هنا، فإن المجموعة لا تؤسس لتربية أخلاقية بقدر ما تؤسس لتربية جمالية، يصبح فيها الجمال الطريق الأقصر إلى القيمة، وتغدو الدهشة بداية المعرفة، لا نقيضها.
وهذا، في تقديري، هو المدخل الحقيقي لقراءة هذا العمل؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال: ماذا تعلم الطفل هذه القصص؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تجعل الطفل يرى العالم بطريقة مختلفة؟
فالأدب لا يغير العالم مباشرة، لكنه يغير الإنسان الذي ينظر إليه. وحين تتغير طريقة النظر، تتغير طريقة العيش.
ولهذا، فإن «مملكة الأحلام الصغيرة» لا تستحق أن تُقرأ بوصفها مجموعة قصصية للأطفال فحسب، بل بوصفها مشروعًا صغيرًا لبناء مخيلة تؤمن بأن المعرفة تبدأ من الفضول، وأن الرحمة تبدأ من الجمال، وأن الحكاية، حين تُكتب بإخلاص للفن، تستطيع أن تصنع في وجدان الطفل ما لا تصنعه عشرات الدروس المباشرة.
إذا كانت الرؤية الفكرية هي التي تمنح أي عمل أدبي هويته، فإن الطريقة التي تتحول بها هذه الرؤية إلى بناء سردي هي التي تحدد قيمته الفنية. فكم من نص يحمل أفكارًا نبيلة، لكنه يفشل أدبيًا لأنه يضع الفكرة قبل الحكاية، وكم من قصة بسيطة بقيت حيّة لأنها آمنت بأن الفن هو الطريق الأصدق إلى المعنى.
في «مملكة الأحلام الصغيرة» تدرك رزان نواف الرباي هذه المعادلة منذ البداية. فهي لا تبدأ من القيمة، وإنما من الحكاية. ولا تضع الطفل أمام حقيقة جاهزة، بل تدعوه إلى رحلة يكتشف فيها تلك الحقيقة بنفسه. ولهذا تبدو الأحداث، في ظاهرها، بسيطة ومألوفة، لكنها تؤدي في العمق وظيفة تتجاوز السرد؛ إذ تصبح وسيلة لإعادة تشكيل وعي الطفل بالعالم.
فالرحلة التي تخوضها الطفلة في قصة «نور والفراشة» ليست رحلة في المكان بقدر ما هي رحلة في الإدراك. فالفراشة ليست موضوع الحكاية، وإنما الشرارة الأولى التي توقظ فضول الطفلة، وتفتح عينيها على عالم لم تكن تراه من قبل. وهكذا يتحول الاكتشاف من انتقال جسدي إلى تحول في طريقة النظر، وهي فكرة تتردد بصيغ مختلفة في معظم قصص المجموعة.
وينطبق الأمر نفسه على قصة «الأرنب الذي أحب القراءة». فالقراءة لا تدخل النص باعتبارها واجبًا مدرسيًا أو وسيلة لاكتساب المعرفة، بل بوصفها تجربة تغير الإنسان. والأرنب لا يصبح قارئًا لأنه يريد أن يكون أفضل من غيره، وإنما لأنه يجد في الكتاب نافذة لفهم العالم. وهنا تحقق الكاتبة واحدة من أصعب معادلات أدب الطفل؛ فهي تجعل الطفل يحب القراءة من خلال الحكاية، لا من خلال الحديث المباشر عن فوائد القراءة.
وهنا يتجلى الفرق بين الأدب والخطاب التربوي. فالنص التربوي يقول للطفل: اقرأ لأن القراءة مفيدة. أما الأدب، فيجعله يرغب في القراءة لأنه رأى كيف أصبح الكتاب جزءًا من حياة الشخصية. إنه الفرق بين الإقناع والإيحاء، وبين التعليم والفن.
ويتأكد هذا المنحى في قصة «القمر الذي يزور الأرض»، حيث يبلغ الخيال بعده الشعري. فالقمر لا يؤدي وظيفة عجائبية هدفها الإبهار، بل يحضر ليعيد تشكيل علاقة الطفل بالليل والخوف والوحدة. فالكاتبة لا تهرب بالطفل من الواقع إلى الخيال، وإنما تستخدم الخيال لتجعل الواقع أكثر ألفة وقربًا. وهكذا يغدو الخيال وسيلة لاكتشاف الحقيقة، لا بديلًا عنها.
ومن أجمل ما يميز هذه المجموعة أنها لا تجعل الطبيعة مجرد إطار للأحداث، بل تمنحها دورًا فاعلًا في تشكيل وعي الطفل. فالشجرة، والفراشة، والقمر، والعصفور، ليست عناصر ديكور، وإنما كائنات تشارك في بناء التجربة الإنسانية. ولذلك تنشأ بين الطفل والعالم الطبيعي علاقة وجدانية، لا علاقة استعمالية فحسب؛ فهو لا يحب الفراشة لأنها جميلة فقط، بل لأنها أصبحت جزءًا من حكايته.
وهنا نصل إلى إحدى أهم سمات المشروع الأدبي عند رزان الرباي، وهي تحويل العالم إلى شريك في التربية. فالكتاب لا يربي وحده، والطبيعة لا تُقدَّم مادةً للمعرفة، بل تصبح جزءًا من التكوين النفسي والأخلاقي للطفل. ومن خلال هذه الرؤية تتجاوز الكاتبة الفكرة التقليدية التي تجعل التربية مسؤولية الكبار وحدهم، لتقترح أن العالم نفسه، حين يُرى بعين الحكاية، يصبح معلمًا.
أما الشخصيات، فهي شخصيات نامية أكثر منها شخصيات نموذجية. إنها لا تدخل النص مكتملة، بل تتغير داخله، وهو ما يمنحها صدقًا إنسانيًا، حتى وإن ظلت ملامحها مرسومة بخطوط بسيطة تناسب الفئة العمرية المستهدفة. فالبطولة هنا ليست بطولة القوة، وإنما بطولة الاكتشاف. والشخصية لا تنتصر لأنها الأقوى، بل لأنها أصبحت أكثر فهمًا لنفسها وللآخرين.
ولا تكتمل القراءة النقدية من دون الإشارة إلى بعض الملاحظات التي يمكن أن تثري التجربة. فقد جعل حرص الكاتبة على بناء عالم مطمئن الصراع، في بعض القصص، أقل عمقًا مما يسمح به البناء الفني. فالشخصيات تواجه العقبة، لكنها سرعان ما تجد طريقها إلى الحل، وهو ما يجعل بعض النهايات متوقعة. وربما كان من الممكن أن تمنح بعض شخصياتها مساحة أطول للتردد أو الشك؛ لأن الطفل، كما تؤكد دراسات أدب الطفل الحديثة، لا يتعلم من النجاح وحده، بل من التعثر أيضًا.
كما أن معظم القصص تحافظ على نسق سردي متقارب؛ إذ تبدأ من موقف بسيط، ثم تنتقل إلى رحلة قصيرة، وتنتهي باكتشاف أو قيمة إنسانية. وقد منح هذا النسق المجموعة وحدة واضحة، لكنه حدّ، في بعض المواضع، من عنصر المفاجأة. وربما يكون من المفيد في التجارب المقبلة أن تنفتح الكاتبة على صيغ سردية أكثر تنوعًا، تسمح بتعدد وجهات النظر، أو بالنهايات المفتوحة، أو بإفساح المجال أمام الطفل ليشارك في إنتاج المعنى.
وإذا كان البناء السردي قد منح المجموعة تماسكها، فإن اللغة هي التي منحتها روحها. ويبدو أن رزان نواف الرباي تدرك أن الكتابة للطفل لا تعني تبسيط اللغة إلى حد إفقارها، كما لا تعني إغراقها في البلاغة التي تعجز عن مخاطبة المتلقي الصغير. لذلك اختارت منطقة وسطى، تقوم على لغة شفافة وسلسة، تنتمي إلى عالم الطفل، من غير أن تتنازل عن أدبيتها.
فالجملة عندها ليست وسيلة لشرح الفكرة، بل لبناء الصورة. وهي لا تتكئ على الزخرفة اللفظية، ولا تستعرض قدرتها البلاغية، وإنما تمنح الكلمات وظيفة جمالية هادئة، تجعل القارئ يرى المشهد أكثر مما يسمعه. وتنسجم هذه اللغة مع الإيقاع النفسي للمجموعة؛ فلا استعجال في السرد، ولا رغبة في إدهاش القارئ عبر أحداث متلاحقة، بل ثقة بأن المشهد الهادئ، إذا كُتب بصدق، قادر على أن يترك أثرًا أعمق من المغامرة الصاخبة.
وتستحق العلاقة بين النص والصورة وقفة خاصة؛ ففي كثير من كتب الأطفال العربية تؤدي الرسوم وظيفة توضيحية فحسب، بينما تبدو في «مملكة الأحلام الصغيرة» جزءًا من الخطاب السردي ذاته. فهي لا تكرر ما تقوله الكلمات، بل تضيف إليه بعدًا بصريًا يوسع أفق التلقي، ويجعل الطفل يقرأ بعينيه وخياله في آن واحد. وحين تنجح الصورة في أن تضيف إلى النص، لا أن تشرحه، فإنها تتحول إلى شريك في الحكاية، لا إلى عنصر تجميلي يحيط بها.
ومع ذلك، فإن هذا العالم، على جماله، يبدو شديد الصفاء. فالكاتبة تراهن على الطمأنينة أكثر من رهانها على التوتر الدرامي، وتجعل شخصياتها تصل إلى الاكتشاف عبر طرق ميسرة نسبيًا. وهذا اختيار مفهوم إذا أخذنا في الاعتبار الفئة العمرية التي تتوجه إليها، لكنه يترك لدى القارئ رغبة في رؤية شخصيات تواجه تعقيدًا أكبر، أو أسئلة أصعب، أو نهايات لا تقدم الحل كاملًا، بل تتيح للطفل مساحة أوسع للمشاركة في إنتاج المعنى.
غير أن هذه الملاحظات لا تمس جوهر المشروع، لأنها تتعلق بآفاق تطوره، لا بسلامة رؤيته. فما يميز رزان نواف الرباي في هذه المجموعة ليس أنها تقدم قيمًا إنسانية نبيلة، فكثير من كتب الأطفال تفعل ذلك، وإنما أنها تجعل هذه القيم تنبثق من داخل الحكاية، لا أن تُفرض عليها من خارجها.
وهنا، في تقديري، تكمن فرادة هذا العمل.
إن «مملكة الأحلام الصغيرة» لا تدعو الطفل إلى أن يكون صالحًا عبر سلسلة من الأوامر، بل تمنحه عالمًا يتعلم فيه أن يحب، وأن يندهش، وأن يصغي، وأن يسأل. إنها تبني داخله حساسية تجاه الجمال، ثم تترك لهذا الجمال أن يقوده إلى الأخلاق. وهذا، في النهاية، هو ما يميز الأدب عن الخطاب التربوي؛ فالأول يغير الإنسان من الداخل، بينما يكتفي الثاني، في كثير من الأحيان، بتقويم السلوك في ظاهره.
ولعل القيمة الأعمق لهذه المجموعة أنها تعيد الاعتبار إلى الحكاية نفسها، في زمن أصبحت فيه كتب كثيرة للأطفال منشغلة بالرسالة أكثر من انشغالها بالفن. فهي تذكرنا بأن الطفل لا يحتاج إلى من يلقنه الفضائل بقدر حاجته إلى من يوقظ فيه القدرة على اكتشافها. وما دام الأدب قادرًا على أن يجعل الطفل يرى العالم بعين أكثر رحمة واتساعًا، فإنه يكون قد أدى رسالته بأعمق صورها.
وفي المحصلة، لا تكمن قيمة «مملكة الأحلام الصغيرة» في الموضوعات التي تتناولها، فمعظمها مألوف في أدب الطفل، وإنما في الطريقة التي تعيد بها صياغة العلاقة بين الطفل والعالم. إنها لا تجعل الأخلاق هدفًا مباشرًا للحكاية، بل ثمرة طبيعية للجمال والدهشة والخيال. ومن هنا تنبع خصوصية هذه التجربة؛ فهي تراهن على بناء الوجدان قبل بناء المعلومة، وعلى الثقة بذكاء الطفل قبل توجيهه. وحين ينجح الأدب في أن يغير طريقة النظر إلى العالم، فإنه يكون قد أدى أعمق وظائفه، لأن الإنسان لا يبدأ بتغيير العالم، بل يبدأ بتغيير نظرته إليه.

04/07/2026 04:58 pm 13
.jpg)
.jpg)