كنوز نت - حسن عبادي| حيفا


كلمات عبرت الأسوار
                                                                      
  • حسن عبادي| حيفا
أطلّ علينا صديقي الكاتب فراس حج محمد بمدماك آخر يصبّ في أدب الحريّة الفلسطيني وكتابه "الأسوار والكلمات: عن أدب باسم خندقجي" (نقد، 127 صفحة، صدر عن "ناشرون فلسطينيون" من فلسطين وحدودها العالم).
وجدت الكتاب مغايراً؛ أعادني إلى لقاءاتي العديدة بباسم عبر القضبان، ومشواري الثقافي معه ومع كلماته عبر السنين، من الكتابة حول زياراته وحول كتبه، إلى ندوات شاركت بها حول إصداراته، إلى التشبيك بينه وبين قرّاء وأدباء من العالم العربي، والأديب فيصل درّاج حيث تولّد عنها مقدمّة كتبها لرواية "محنة المهبولين"، ورسالته الأولى إلى قرّاءه ومتابعيه بعد لقائي به (ص. 20 في الكتاب)، والحملة الدوليّة عبر الاتحاد العام للكتاب الفلسطينيين- الكرمل 48 والتحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين إثر اقتحام زنزانته ومصادرة نصوصه يوم 21.02.2022 وغيرها... ولم نتواصل منذ حرّره الطوفان تلك الحريّة المنقوصة التي أبعدته عن الوطن السليب.
جاء في المقدمة أن الكتاب يأتي في إطار الاحتفاء بالكاتب باسم خندقجي بعد أن حرّره الطوفان حريّة منقوصة تمّ على أثرها إبعاده عن الوطن إلى مصر، ووصل إلى قناعة بأنّ باسم قد اتخذ من الكتابة متنفسا له، "وظلّ يكتب ويكتب كأنه ليس أسيراً، بل إنه ألغى فكرة السجن تماماً فتحرّر منها قلمه"، وتطرّق لمعرفته بباسم عبر كتاباته، منها المنشورة ومنها المخطوطة قبل النشر، ونشاطات حول أدب الحريّة وكان باسم حاضراً/ غائباً فيها، ومنها مشاريعي الخاصة بالأسرى الكتّاب ورحلتي معهم التي تمخض عنها أربعة كتب، وكتاب فراس "تصدّع الجدران"، وحضوره في ندوات "أسرى يكتبون"/ رابطة الكتّاب الأردنيين، وندوات منتدى المنارة للثقافة والإبداع وغيرها.
  •  يتألف الكتاب من ثلاثة أقسام:
يتناول القسم الأول المعنون بعتبات تمهيدية علاقة فراس بأربعة من الكتّاب الأسرى المحررين بصفقات الطوفان وهم: باسم خندقجي، وكميل أبو حنيش، وسامر المحروم، وهيثم جابر، وكنت قد التقيتهم عدّة مرّات عبر القضبان، منهم من حرّر كتاباته ومنهم من كتب حولها، ومنهم من شبّك بينه وبين الكتّاب خارج السجن، علاقته بهم نشأت وهم داخل المعتقلات، قرأ كتبهم وكتب عنهم، وذكر لقاءنا الأوّل حين شاركت بندوة حول أدب الكتّاب الأسرى في معرض الكتاب الذي أقيم في صيف العام 2019 وخصصت بالحديث كتابات باسم، واشتمل هذا القسم على رسالة كتبها باسم من سجنه عام 2019 وبعثها إليّ مباشرة بعد زيارتي له، تناول فيها طقوسه في الكتابة (أعادني فراس إلى لقائي الأول بباسم وما كتبته بعد اللقاء مباشرة: "التقيته صباح اليوم في سجن "هداريم" وقابلني بابتسامة طفوليّة بريئة (ابتسامة لم تفارقه لساعتين ونصف) وقبلات عبر "الحاجز الزجاجيّ" البغيض فسألته، بغرض كسر ذلك الحاجز، عن سرّ الابتسامة السرمديّة، فأجابني بعفويّة: "أشعر أنّ اليوم عيد ميلادي لأنني سجين منذ خمسة عشر عامًا وللمرّة الأولى يزورني "غريب" بسبب كتاباتي، أشعر حقًا أنني اليوم أصبحت كاتبًا!"، وسيرة مختصرة له. أشار فيها إلى إصداراته وكتاباته وفوزه بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2024.


يتناول القسم الثاني أعمال باسم الروائية والشعرية من وجهة نقديّة، بمشرطيّته المعهودة التي لا تهادن، محاولاً الكشف عن ملامح أسلوبية وموضوعية في ديوان "طقوس المرة الأولى"، فأشار إلى أن قصائد الديوان قد اعتمدت في صياغتها على الأسلوب الهادئ الرزين غير المباشر والمغلف بالغموض أحيانا، واكتنفها حزن شجي ناعم، ووجد أن باسم قد كتب في طقوسه لحبيبة من لحم ودم، ورأى كغيره فلسطين بكل امرأة يخاطبها كغيره من الشعراء ويتساءل فراس: "ألم يكتب عن المرأة المجرّدة من وهْمِ وهمّ الوطن؟ فماذا على الشاعر المقاوم النبيل إن التفت لشئون قلبه في إنسانيّته ورهافته؟ أليس الشاعر كتلة متحركة من مشاعر متحفّزة؟ أليست تلك المشاعر هي التي جعلته مقاوماً فأسيراً أو شهيداً خالداً؟ وماذا عليه لو جمع مع كل تلك الصفات صفة العاشق؟ فهل سيضيره ذلك؟"

أما حول رواية "مسك الكفاية-سيرة الظلال الحرة"، فيكتب نصّين: قراءة شموليّة فيها وتطرّق أنها ساهمت بترسيخ الاتجاه التاريخي في الرواية الفلسطينية ووجد باسم يبتعد عن الدعاية السياسية والتفت إلى أحداث التاريخ العربي باحثاً عن طريقة لتثويره وإخراج ما فيه من قيم إنسانية لتصب في خدمة القضية، الإنسان والأرض والتاريخ عبر الرمزية الشفيفة المحملة بالأيديولوجيا المقاومة. والنصّ الآخر "مسك الكفاية تلك النّطفة المهرّبة لجعل الحياة والتاريخ أقرب دلالة"، (لماذا النطفة المهرّبة وليست المحرّرة يا فراس؟) ويصل إلى نتيجة مفادها أن باسم يحاول تبئير رؤيتة الفلسفية للمرأة، محور الرواية، التي تبحث عن حلمها لتبني عالمها وتكون سيّدة النور والظل معاً، "تلك المرأة التي تهزّ السرير بيمينها قادرة في كلّ عصر على هزّ العالم بيسارها إذا ما أرادت إلى ذلك سبيلا".
 تناول فراس في رواية "نرجس العزلة" مساءلة الذات ومواجهتها ويجد أن باسم قد خطا نحو تجاوز المنجز السردي العربي عامة والفلسطيني بشكل خاص في التخييل الذاتي ومحاولة المزج بين الرواية والسيرة الذاتية.
تناول الكاتب المعمار الفنّي في رواية "أنفاس امرأة مخذولة" ووجده منحازاً إلى البناء الروائي الشكلي ولجوئه إلى طريقة السرد حيث يسرد الحكاية بصورة متخيّلة لسارد متخيّل تعبّر عن موقفه الأيديولوجي، واعتماده السخرية السوداء المريرة ويجده متأثّراً حتى النخاع بالشاعر محمود درويش ويصل إلى قناعة مفادها أنّ الرواية تحمل رؤى باسم الفنيّة ومواقفه الحياتيّة وتشكّل خطاباً أيدولوجيا.
تناول الكاتب سؤال العقلانية والجنون في رواية "محنة المهبولين" التي اطّلع عليها كمخطوطة قبل النشر، ويجدها تنجح في دمج الواقعية التاريخية بالغرائبية الفلسفية وتمثّل خريطة نفسية وفلسفية للمنفى والهوية الفلسطينية، حيث تكمن النجاة في رفض العقلانية الظالمة والعودة إلى الأرض بوعي جديد... سلام العودة المنشودة إلى يافا.

ويتناول القسم الثالث من الكتاب آراء وقضايا ويناقش قضايا ثقافية وفكرية أكثر عمومية لها صلة بتجربة باسم؛ بدءاً بملاحظات أولية حول خطاب فوز باسم خندقجي بالبوكر 2024، ويشير إلى مباركته العفويّة حين الإعلان عن "فوزه" بالجائزة: "باسم خندقجي حرّاً بلا حدّ... مبارك وإلى الأمام، السجن لن يقف حدا لأن تكون موجوداً"، وحين راحت السكرة وإجت الفكرة كتب فراس: "رجاء لا تطبّلوا للجوائز ولا تمدحوها فوالله إنها لرشوة على الوطن... المسألة معقدة وليست بهذه البساطة، كما يظن بعض الحالمين الذين لا يرون أبعد من أرنبة أنوفهم!". قراءة ما كتبه فراس أعادتني إلى حوارٍ لي مع الإعلامي أوس يعقوب وقلت في حينه "شخصياً لا أؤمن بالجوائز الأدبية، مهما كانت، وقلتها بصريح العبارة: باسم وغيره من الأسرى الكتّاب أكبر من كلّ الجوائز، وحتماً سيكون لديهم ما يقولونه حول فوز رواية باسم خندقجي بالبوكر، وغيره ممّن "حازوا" على الجوائز في السنوات الأخيرة، وهم كثُر، والنقاشات المتداولة، الفنيّة وغير الفنيّة، وقلتها بصريح العبارة بأنّ الجوائز ومن يمنحها يتكرّمون بأسرانا الكتّاب وكتبهم".
ونصّ آخر بعنوان "رام الله تستحق أن تعود مدينة عادية"؛ يحاور فيه الكاتب خليل ناصيف وصورة رام الله في الرواية الفلسطينية ونقمة خندقجي على رام الله لدرجة تقترب من الشتيمة.

 ويعرّج على بعض الأنشطة الثقافية التي تخص أدب الحرية؛ ومنها استضافة مبادرة "أسرى يكتبون"/ رابطة الكتّاب الأردنيين لباسم خندقجي وهو قابع خلف الزنازين، وكذلك الأمسية الرمضانية "حروف مضيئة في عتمة الزنازين"/ منتدى المنارة للثقافة والإبداع وغيرها.
يسعى الكاتب لمأسسة مصطلح "أدب الحرية" ومفهومه متناولاً النتاج الإبداعي الذي خطه باسم داخل معتقلات الاحتلال، وما كتبه استناداً إلى تجربته الذاتية أو العامّة، بحيث كان المحرك الأساسي للنص هو التوق للتحرر والانتصار للذات الإنسانية في وجه منظومة القمع.
لا يجوز تناول هذا الكتاب بمعزل عن كتاب "تصدع الجدران-عن دور الأدب في مقاومة العتمة"، الذي خصّصه بالكامل للبحث في أدب الأسرى، وتابع فيه ما بذله من جهد بحثي طويل امتدّ لسنوات للإحاطة بأدب الحرية في سجون الاحتلال، من أجل فهم ماهية الكتابة خلف القضبان، وطرح فيه تساؤلات حول الجدوى والمغزى من الكتابة في ظل ظروف القهر المطلق، ورأى أن الكتابة هي الوسيلة التي يثبت من خلالها الأسير أنه موجود وحي، وهي الأداة الفعّالة ليكون واحداً من الناس الفاعلين على الأرض خارج أسوار السجن.
لا يقتصر الكتاب على كونه احتفالاً بحرية باسم المنقوصة، بل هو مساهمة نقدية جادة تسعى لتفكيك وتحليل النصوص التي وُلدت من رحم القيد، وحاول فيه فك شيفرات أدب المقاومة من خلال بحث "أدب الحرية"، وسعى جاداً ليثبت في الكتاب أن القلم أقوى من أسوار السجن وظلامه، مؤكداً مكانة خندقجي الإبداعية التي لا يمكن تجاهلها، وأن الكتابة في السجن ضرورة بيولوجية ونفسية للأسير، وأن هذا الأدب يستحق الدراسة المعمقة كأدب أصيل ومكتمل الأركان الفنية.