كنوز نت - بقلم: رانية مرجية


أنا من فلسطين – وديع مرجية: قصيدة تتحوّل إلى وطنٍ لا يُغادَر
  • بقلم: رانية مرجية
وأنا أقرأ قصيدة “أنا من فلسطين” للشاعر الراحل الحيّ فينا، العم وديع مرجية، لم أشعر أنني أمام نصٍ أدبي فحسب، بل أمام مرآةٍ حيّة تعيدني إلى ذاتي الأولى؛ إلى ذلك الانتماء الذي لا يُعلَّم، بل يولد فينا كما يولد النبض. هنا، لا نقرأ قصيدة… بل نستعيد وطناً بالكلمات.
منذ العتبة الأولى، “أنا من فلسطين”، يعلن الشاعر انتماءه لا بوصفه تعريفاً، بل بوصفه موقفاً نهائياً في وجه المحو. الـ“أنا” في النص ليست فرداً معزولاً، بل صوتاً جمعياً، تختلط فيه سِيَر الأجداد بدماء الشهداء، وتتجاور فيه الذاكرة مع الحلم. إنها “أنا” ممتدة، تقف في وجه العدم وتقول: نحن هنا.
وحين يقول إنّ الله “جبل ترابها من ذهب”، فإنّنا لا نقف أمام صورةٍ بلاغية عابرة، بل أمام قلبٍ للمعادلة: ليست فلسطين هي التي تُشبَّه بالذهب، بل الذهب هو الذي يستعير قيمته منها. هكذا تتحول الأرض إلى معيار، لا إلى موضوع قياس؛ إلى قداسةٍ حيّة، لا إلى مجرد جغرافيا.
يمضي الشاعر ليؤسس نسباً روحياً عميقاً، رابطاً فلسطين ببلاد الأنبياء، حيث البدايات الأولى للنور والمعنى. هذا الاستدعاء لا يأتي للزينة، بل ليؤكد أن الفلسطيني ليس طارئاً على التاريخ، بل هو امتدادٌ لرسالةٍ إنسانية كبرى. ومن هنا، تتجلّى العروبة في القصيدة بوصفها هويةً حضارية، تتجذر في العلم، والأدب، والإسهام الذي أنار العالم.

لكن النص لا يستكين إلى الماضي، بل ينفجر في الحاضر. الشاعر الفلسطيني “لا يسكت عن ضيم العدى”، وهذه العبارة، رغم بساطتها، تختزن أخلاقاً كاملة: الصمت تخلٍّ، والكلمة موقف. هنا، يصبح الشعر فعلاً، وتتحول اللغة إلى شكلٍ من أشكال المقاومة، لا يقلّ شأناً عن أي مواجهة.
ثم تتفتح القصيدة على جغرافيا الروح، حيث تتحول المدن إلى كائناتٍ نابضة. نابلس “جبل من النار”، صورة مكثفة لصمودٍ لا يخمد. وجنين تتحول إلى عقيدة، حيث الشهادة ليست نهاية بل اختيار حياة. رام الله تفيض بحميمية السلام، فيما الناصرة ترتقي إلى نشيد عشقٍ صافٍ، يقدّمه الشاعر فداءً لأمّه وأبيه، في ذروة التماهي بين الإنسان والمكان.
وفي الذروة، ترتفع القدس إلى مقامها الكوني. ليست مدينة، بل قلب المعنى، حيث تتقاطع الرسالات وتلتقي الأزمنة. في فضائها يمشي المسيح، وتتنفّس مريم، ويُسرى بالنبي محمد، في مشهدٍ يتجاوز التاريخ إلى الرمز الإنساني الأعمق. هنا، لا تُعرض القدس كقضية، بل كحقيقةٍ أكبر من الاختزال، وأبقى من الطمس.
لغة القصيدة، على بساطتها الظاهرة، تحمل كثافة شعورية عالية. التكرار يمنحها إيقاعاً أقرب إلى الهتاف، والصور تشحنها بطاقةٍ داخلية لا تخبو. إنها قصيدة تُلقى كما تُعاش، وتُحسّ قبل أن تُحلّل.
وفي ختامها، يكتب الشاعر يقينه: الأقصى ليس وحيداً، وأي يدٍ تمتد إليه ستعود خائبة. ليس هذا وعداً شعرياً، بل إيمانٌ متجذر في وجدان شعبٍ عرف الألم، لكنه لم يساوم على الأمل.
هذه القصيدة لا تُضاف إلى الأدب الفلسطيني فحسب، بل تُعيد تعريفه: الأدب هنا ليس ترفاً، بل ذاكرةٌ حيّة، وضميرٌ يقظ، وصوتٌ لا يُقهر. إنها نصٌّ يقولنا بقدر ما نقوله، ويحرس فينا ما نخشى فقدانه.

وهكذا، يبقى العم وديع مرجية، رغم الغياب، حاضراً فينا لا كذكرى، بل كصوتٍ مستمر
صوتٍ يكتبنا كلما حاولنا أن ننسى، ويعيدنا إلى فلسطين، كلما ظننا أن الطريق قد طال

انا من فلسطين – للشاعر الفلسطيني الراحل وديع توفيق مرجية
أنا مِنْ فِلَسْطيـنٍ جُـدودي وَأَبـي جَبَلَ الإلـهُ تُرابَهـا مِـنْ ذَهَـبِ
أنا مِنْ بِـلادِ الأنْبِيـاءِ الصّالِحـينَ ، إذا انْتَسَبْتُ ، أَجَبْتُ : إنّي عَرَبِي
وَأَنا الفِلِسْطينِـيُّ لا أَسْكُـتُ عَـنْ ضَيْمِ الْعِدى ، حَتّى أُحَقِّـقَ مَطْلَبـي
قَوْمـي أنـاروا العالَميـنَ بِعِلْمهم ِْ ما وَهَبـوهُ ، غَيْرُهُـمْ لَـمْ يَهَـبِ
في الطِّبِّ ، في التّاريخِ ، في كُلِّ الْعُلومِ ، كَذاكَ في أَرْقى النِّتـاجِ الأدَبـي
هُمُ مَنْهَلٌ عَـذْبٌ لِكُـلِّ حَضـارَةٍ وَعَلَتْ ذُراها فَوْقَ أعْلـى الرُّتَـبِ
قَوْمي امْتَطَوْا بِجَـدارَةٍ فـي عِزِّهِـمْ بَدَلاً مِنَ الْخَيْـلِ مُتـونَ السُّحُـبِ
هُبّوا بَنـي قَوْمـي نُجَـدِّدُ مَجْدَنـا لِمَ لا ؟ فَإنّي لَمْ أَجِـدْ مِـنْ سَبَـبِ
هَلْ زُرْتَ نابُلْسَ الْعَظيمَةَ ؟ ، إنَّهـا جَبَلٌ مِنَ النّـارِ ، شَديـدُ اللَّهَـبِ
أبْناؤُهـا الشُّجْعـانُ آسـادُ الفَـلا نابُلْـسُ أُغْنِيَتـي ، وَفيهـا طَرَبـي
لا تَعْذِلَنْ يـا صـاحِ صَبّـاً مُغْرَمـاً بِجِنينَ ، فَهْيَ السَّيْفُ ماضي الْمَضْرِبِ
كُلُّ امْرِىءٍ فيها إذا الْوَطَنُ اسْتَجـارَهُ ، صاحَ فَوْراً ألشَّهادَةُ مَذْهَبـي)
كَمْ مِنْ شَهيـدٍ قَدَّمَتْـهُ فِـدىً لَنـا فَهْيَ الْعَرينُ لِشَعْبِنـا الْحُـرِّ الأَبـي
أهْلي بِها ، فيها ( وَحيدٌ ) صاحِبـي مِـنْ آلِ جَـرّارٍ ، كِـرامِ النَّسَـبِ
أُهدي السَّلامَ إلَيْـكِ رامَ اللّـهِ يـا أرْقى الْمَدائِنِ ، أرْضَ أهْلي النُّجُـبِ
وَهُــمُ عَمالِـقَـةٌ فِلَسْطينِـيَّـةٌ هُمُ حِصْنُنا ضِدَّ الْغَريـبِ الأجْنَبـي
فيهِمْ حَنـانٌ لَبْـوَةُ الشَّعْـبِ الَّتـي هِيَ دِرْعُنا في وَجْـهِ أعْتـى النُّـوَبِ
مَـنْ رامَ إيـذاءً لأشْبـالٍ لَـهـازَأرَتْ حَنانٌ : إحْذَرَنْ مِـنْ غَضَبـي
شَعْبٌ ، حَنـانٌ بِنْتُـهُ ، لا بُـدَّ أَنْ يَحْظـى ، يَقينـاً ، بِبُلـوغِ الأرَبِ
هَلْ مِثْلَ ناصِرَتـي وَجَـدْتَ مَدينَـة ًأفْديـكِ ناصِرَتـي بِأُمّـي وَأَبــي
بِكِ عَيْنُ عَذْراءِ الْجَليلِ وماؤُهـا الْعَـذْبُ الْمُقَـدَّسُ لَـذَّةٌ لِلشـارِبِ
أَلقُـدْسُ عاصِمَتـي ، قِيامَتُنـا بِهـا قَبْرُ الْمَسيحِ بِها ، كَما فـي الْكُتُـبِ
وَعَظَ الأَنامَ مَسيحُنا الْفادي ابْنُ مَـرْيَمَ ، طافَ في رَحَباتِها وَهْـوَ صَبـيّ
وَمَشَتْ بِها الْعَـذْراءُ مَرْيَـمُ أُمُّـهُ رَمْزُ الطَّهارَةِ فـي جَميـعِ الْحِقَـبِ
ألْقُدْسُ عاصِمَتـي وفيهـا صَخْرَتـي لَكِ قُبَّـةٌ زانَـتْ جَميـعَ القُبَـبِ
لِلْمَسْجِدِ الأقْصى الشَّريفِ الْمُفْتَدى أَسْـرى مُحَمَّدُنـا النَّبِـيُّ الْيَعْرُبـي
أللّهُ بـارَكَ حَوْلَـهُ ، والْمُصْطَفـى لَيْلاً أَتاهُ عَلـى الْبُـراقِ الأشْهَـبِ
هُوَ ثالِثُ الْحَرَمَيْـنِ ، أولـى قِبْلَـةٍ حَرَمٌ شَريفٌ ، وَهْوَ قَلْـبُ الْعَـرَبِ
أَلْمَسْجِدَ الأقصى ، بِـروحٍ نَفْتَـدي هـذي مَقالَـةُ صـادِقٍ وَمُجَـرَّبِ
إنْ مَـسَّ أقْصانـا دَخيـلٌ مُعْتَـدٍ سَيَعودُ عَنْ مَسْعـاهُ عَـوْدَةَ خائِـبِ