كنوز نت -        بقلم : د. عادل جوده. من العراق.


 قراءة في قصيدة :  للشاعرة رانية مرجية "الحذف بدل الانتظار"
  •        بقلم : د. عادل جوده. من العراق.

في زمنٍ صار فيه الغيابُ طقسًا يوميًّا، تأتي قصيدة رانية مرجية لتُعيد تعريف الألم، لا بوصفه انكسارًا عابرًا، بل بوصفه إدراكًا متأخرًا لحقيقةٍ مُرّة: أنك لم تكن سوى محطةٍ في رحلةِ أحدهم.
منذ الاستهلال، تخلق الشاعرة صدمةً شعريةً عكسية: "لا يؤلمني أنكِ تغيبين، بل أن تعودي خفيفة". هنا يكمن الابتكار؛ فالألم لا يكمن في الفقد، بل في العودة التي تجرّده من معناه.
حين تعود الصديقةُ "كأنها لم تمشِ فوق قلب"، تتحول الذاكرة إلى عبءٍ من طرفٍ واحد، ويغدو القلبُ صفحةً قابلةً للمحو "بمجرد الغياب".
ثم يأتي التشريح الأعمق: "كنتُ لكِ مكانًا لا وجهة".
في هذه الجملة المقتضبة تتكثف مأساةٌ كاملة؛ فالوجهة تُقصد، والمكان يُستخدم. تفضح الشاعرةُ منطقَ "الاستخلاف العاطفي" حيث تُستبدل المشاعرُ بنسخٍ مؤقتة تنتهي صلاحيتها بانتهاء الحاجة.
لكن القصيدة لا تقف عند حد الرثاء، بل تنتقل إلى منطقة الوعي الحاد: "لم أنكسر عندما رحلتِ، بل حين أدركتُ أن حضوري كان مؤقتًا في جدول قلبكِ". يا له من جدول! كأن القلوبَ صارت تُدار بلوائح مواعيد، والحبُّ يُجزَّأ إلى حصص.
ثم يأتي التحول الجوهري في القصيدة، حيث تعلن الذاتُ الشاعرةُ تمرّدها الناعم: "أستعيدني. أنزعكِ من صوتي". إنه فعلُ تطهيرٍ شعري، لا انتقامي. الحذف هنا ليس قسوة، بل "دقة"، كما تقول، إنه جراحةٌ إنقاذية للروح. إنها تعيد ترتيب القلب "بلا مساحة"، فتلك المساحة الفارغة التي كان يحتلها الآخر لم تعد شغورًا يُنتظر ملؤه، بل صارت فراغًا مقدسًا، علامةَ تعافٍ.
الختام يرتقي بالقصيدة إلى مصاف النصوص التأسيسية في أدب الوعي بالذات: "لن تجدي ذلك الذي كنتُه، بل أثرًا تعافى منكِ، وصار نورًا لا يُستخدم، ولا ينتظر". النور هنا استعارةٌ كبرى: فالنور يُرى ولا يُمسك، يُضيء ولا يُستهلك، يمنح حضوره دون أن يفقد ذاته. من يصل إلى هذا النور يكون قد تجاوز منطق الحذف والانتظار معًا.
إنها قصيدةٌ تُكتب من ضلع الوجع لا من فائض اللغة. اقتصادٌ لغويٌ مذهل، وصورٌ تنهض من الرماد الشعري لتقول: بعض العلاقات لا تُرمَّم بالترقيع، بل تُحذف كما تُحذف الملفات التالفة لا قسوةً، بل لأن الروح تستحق نظامًا أنقى.
الحذف بدل الانتظار بقلم رانية مرجية
يا صديقتي—
لا يُؤلمني
أنكِ تغيبين،
بل أن تعودي
خفيفةً
كأنّكِ لم تمشي فوق قلبي.
تجلسينَ باسمي،
وتنطقينَهُ
بصوتٍ لا يعرفني،
كأنّ الذاكرةَ
ترفٌ،
وكأنّ القلبَ
يُمحى
بمجرّد الغياب.
كنتُ لكِ
مكانًا—
لا وجهة.
تأتينَ
حين يضيقُ العالم،
وتتركينني
حين يتّسعُ بكِ أحدٌ سواي.
هذا ليس غيابًا—

هذا
استخلافٌ للعاطفة:
تضعينَ بدلها
نسخةً صالحةً للاستعمال،
اهتمامًا
ينتهي بانتهاء الحاجة،
ثم تمضين
دون أن يلتفتَ فيكِ شيء.
وأنا—
لم أنكسر
عندما رحلتِ،
بل حين أدركتُ
أنّ حضوري
كان مؤقّتًا
في جدولِ قلبكِ.
الآن—
أستعيدُني.
أنزعُكِ من صوتي،
ومن الطريقةِ التي كنتُ
أقولُ بها “نحن”.
أعيدُ ترتيبَ قلبي
بلا مساحةٍ لكِ،
لا قسوةً—
بل دقّة.
فبعضُ الغياب
لا يُعالَج بالانتظار،
بل بالحذف.
وإن عدتِ—
لن تجدي
ذلك الذي كنتُه،
بل أثرًا
تعافى منكِ،
وصار
نورًا
لا يُستَخدَم،
ولا ينتظر.--