
كنوز نت - مجموعة من القصائد والمقتطفات للشاعر : هَـنــادي عَـفَّــانـة
مجموعة من القصائد والمقتطفات للشاعر : هَـنــادي عَـفَّــانـة
أيُّها الشُّعَراءُ الكِرامُ ... !
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
أيُّها الشُّعَراءُ الكِرامُ ... !
خُذوا الشِّعْرَ الحَلالَ
واتركوا لي الشِّعْرَ الحَرامَ .. !
رُصُّوا الحُروفَ كما شِئْتُمْ
وحرِّفوا بلُغةِ الأقلامِ
اِغزِلوا بها جَدائِلَ السَّجَّادِ الحَريريِّ
وامسحوا بأوراقِكُمْ بَلاطَ الحُكَّامِ
أطلِقوا العِنانَ لِأشعارِكُمْ
حروفاً ناصِعةً منْ بيضِ الحَمامِ
أكثِروا من نصِّ المشاهدِ المَخْمَليَّهِٓ
وغَرْغَرةِ الحَناجر بلاغةَ الكلامِ
زِيدوا أبياتَ التَّطبيعِ وانتصاراتِ السَّلامِ
حِيكوا بأقلامِكُمْ هدماً جديداً لِلتَّوراةِ و الإنجيلِ
و قنينوا الإسلامِ
اُكتُبوا قِياماً عنِ الجِنْسِ
و نَشْوةِ الحُبِّ و آهاتِ الغَرامِ
اُكتُبوا نِياماً عنِ المُؤخِّرةِ
و ما بينَ الفَخْذَيْنِ و الصَّدرِ بالأمامِ
اِجعلوا منَ النَّبيذُِ حبراً جديداً
تثمُلُ منهُ السُّطورُ حتَّى تنامَ
اِجعلوا منْ ورقِ الدُّولارِ قُطْنَ الفِراشِ
و منَ اليُورو حشوةَ مِخدَّاتِ ريشِ النَّعامِ
و لكنْ باللّٰهِ عليكُمْ …
اُترُكوا لي رمادَ القُلوبِ المحروقةِ
اُترُكوا لي دُخَّانَ العُيونِ ...
التي تكحَّلَتْ منْ عتمةِ الظَّلامِ
اُترُكوا لي أسماءَ القُرى و الخِرَبِ المسروقةِ
اُترُكوا لي عباءَةَ شيخٍ عَنيدٍ
و صندلَ طفلٍ مُفْعَمٍ بالأحلامِ
اُترُكوا لي صورةَ شيرينَ على الجِدارِ
جِداريَّةِ رَسَّامٍ فِلسطينيٍّ مُغترِبٍ
اُترُكوا لي بسطالَ جُنديٍّ سقطَ صريعاً
و لمْ تسقُطْ منْ يدِهِ البُندقيَّةُ
اُترُكوا لي مِلْحَ البحرِ المَيِّتِ
فهوَ الشَّاهِدُ الحَيُّ على الهُوِيَّةِ
اُترُكوا لي عُشْبةَ جبلِ الطُّورِ
بأشتالِها المَريميَّةِ الخجريَّةِ
اُترُكوا لي نُطفةَ أسيرٍ
بها وِلادةُ طفلةٍ تُدعى القضيَّةُ
اُترُكوا لي قلباً أرى بهِ وُجوهاً
اِرتسمَتْ على القُبورِ و قِطَعِ الرُّخامِ
اُترُكوا لي وراءَ قُضبانِ الصَّدرِ وَجَعاً
أقوى منَ الألغامِ ...
لـسْـتُ أنـا ...
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
لسْتُ أنا مَنْ نثرَ النُّصوصَ على سَجِيَّتِهِ
و أقامَ بُيوتاً منْ طُوبِ الأيَّامِ
على هوامشِ عُروبتِهِ
لسْتُ أنا مَنْ سكنَ حدائِقَ المَنْفى
و فاحَتْ منهُ روائِحُ زهرِ خَميرتِهِ
لسْتُ أنا مَنْ باعَ بُخورَ النَّارِ
و ابتاعَ بها صبرَ أيُّوبَ
يعجُنُ بهِ رُقاقةَ وَصِيَّتِهِ
لسْتُ أنا مَنْ خبَّأَ زهرَ الكُولونيا
بينَ تجاعيدِ أمِّهِ
لسْتُ أنا مَنْ نامَ على فِراشِ النَّبيذِ
و لَمْ يستيقِظْ منْ ليلٍ
يتآمَرُ على أرضِ قصيدتِهِ
لسْتُ أنا مَنْ نَحَتَ على رُخامِ الذِّكرى
ضَحْكةً طاعِنةً في السِّنِّ لِحبيبتِهِ
لسْتُ أنا مَنْ عانقَ هواءً جافَّاً
في أوجِ شبابِ زينتِهِ
لسْتُ أنا مَنِ اشتهى وجبةَ الحَياةِ
و سرقَتْ منهُ التَّوابِلُ عاطِفةَ قلبِهِ
لسْتُ أنا مَنْ حاصرَتْهُ مُفرداتُ الكونِ
و جَرَّدَتْهُ منْ ثيابِ كرامتِهِ
أنا لسْتُ إلَّا بيتاً ...
و قلباً مُشْرَعَ الأبوابِ
لِكُلِّ مَنِ احتفظَ بجُغرافيا عُروبتِهِ
أنا لسْتُ إلَّا بيتَ شِعْرٍ
مُشْرَعَ الأبوابِ لِكُلِّ مَنِ احتفظَ بحُروفِ أبجديَّتِهِ
أنا لسْتُ إلَّا صوتاً مبحوحاً منْ سُلالةِ الهواءِ
لهُ ما لهُ و عليهِ ما عليهِ
أنا لسْتُ إلَّا صوتَ نايٍ يُراقِصُ الأفاعي
و يقطُفُ رُؤُوسَها خِلسةً و عَلانيَّةً
حينَ تَحُنُّ إليهِ ... .
كُـنْ يا وَلَـدي
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
قَبِّلْ يا ولدي حِجارةَ بيتِكَ القديمِ تَقْبِيلاً
لا مَلْجأ في المَنْفى و لا في الجسدِ روحٌ بَديلا
رَتِّلْ يا ولدي نشيدَ بلادِكَ كُلَّ صباحٍ ترتيلا
شُدَّ حِبالَ الصَّوتِ منكَ و لو قليلا
رَتِّلْ آياتِ القُرآنِ و ردِّدْ ترانيمَ التَّوراتِ و الإنجيلا
كُنْ يا ولدي كآدمَ القديمِ على أرضِهِ نَبِيَّاً نَبِيلا
هابيلُ ما زالَ على جُرحِهِ قابِضاً و لمْ ينتصِرْ قابيلا
اِنحَرْ يا ولدي وَريدَ الخوفِ و تقدَّمْ ، فليسَ لديكَ سبيلا
فالحياةُ في منفى الرُّوحِ حياةُ آسرٍ و جُرحٌ قتيلا
كُنْ غُصنَ زيتونةٍ أو حبَّةَ قمحٍ على أرضِكَ شاهِقاً نَخِيلا
كُنْ يا ولدي عصاً يَتَّكِئُ عليها مُوسى
كُنْ خَليلاً لِإبراهيمَ الخَليلا
كُنْ ذَرَّاتِ تُرابٍ تستُرُ جسدَ أُمِّكَ البَتولا
كُنْ يا ولدي أُغنيةً في حنجرةِ ثائرٍ يُغنِّي هديلا
كُنْ يا ولدي عصفوراً في عُشِّهِ مَلِكاً
يبلُغُ بجناحَيْهِ الأرضَ عرضاً و طولا
اتعبني البشر
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
لقدْ أتعَبَني البشرُ
لقدْ أتعَبَني الكِبَرُ
لقدْ أتعَبَني السَّهَرُ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ اللَّيلَ يسكُنُ خلفَ نورِ القمرِ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ الحُزْنَ يسكُنُ خلفَ ما ظَهَرَ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ هذا هوَ القَدَرُ
لقدْ أتعَبَني السَّفَرُ
لقدْ أتعَبَني الحَذَرُ
لقدْ أتعَبَني الضَّجَرُ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ الكَذِبَ لُغةٌ فُصحى لدى البَشَرِ
و لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ الصِّدْقَ لفظَ أنفاسَهُ الأخيرةَ و تأخَّرَ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ كسرَ الرُّوحِ منْ قبلِ كسرِ الجَسَدِ لا يُجبَرُ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ لي ذَنْباً لنْ يُغتفَرَ
و لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ لهُمْ ذَنْباً شأنُهُ أكبَرُ
لقدْ أتعَبَني البَشَرُ
لقدْ أتعَبَني الكِبَرَ
لقد أتعَبَني السَّهَرُ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ وِلادتي هيَ ولادةُ حَظٍّ مُتعثِّرٍ
و لَمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ الحَظَّ مُجرَّدُ شائِعةٍ و خبرٍ مُنتظَرٍ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ سُطورَ كِتابي لا تستهوي حُروفَ الرَّفعِ أو الجَرِّ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ حُروفَ أقداري هيَ كُلُّ حرفٍ فيهِ شدَّةٌ و كَسْرُ
لمْ أكَنْ أعلَمُ أنِّي ما زِلْتُ بتعدادِ الغِيابِ وظِلِّي وحيداً حَضَرَ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنِّي ضعيفٌ في النَّحْوِ و الصَّرْفِ و بلُغةِ الكلامِ أتقَهْقَرُ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّهُمْ ما زالوا هُمْ
و أنِّي أنا ما زِلْتُ أنا لمْ أتغيَّرْ
لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّ ذَنْبي الوحيدَ ما بطنَ منِّي و ما ظَهَرَ
أُخاطِبُهُ و أنا وحدي جالسٌ
و ظِلِّي أرى منهُ و لا يراني
أستديرُ مُمتَعِضاً منهُ أُعاني
أصرُخُ و أجهَشُ ...
ماذا دهاكَ تجلِسُ مكاني ؟
غداً تُصابُ بقلبِكَ مِثلي و اليومَ تُعاني
سرقْتَ ساعاتٍ كانَتْ تُزيِّنُ زَماني
و أزهقْتَ شباباً كانَ لي فيهِ كُلُّ الأماني
نَعَمْ ، لمْ أكُنْ أعلَمُ أنَّكَ خلفي
و لسْتَ أمامي ظِلَّاً للآخرينَ
أنَّكَ ظِلٌّ أنانيٌّ
ظِلٌّ للآخرينَ ظِلٌّ أنانيٌّ
قلبي عاصِمةُ الأرضِ
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
قلبي عاصِمةُ الأرضِ
و الأنبياءُ جَميعاً منْ قبيلتي
جَسَدي جِسْرُ الضِّفَّتَيْنِ
و دِمائِي نهرٌ بينَهُما يَجري
أشجار القُدْسِ و حِجارةُ عَمَّانَ شاهدةٌ على هُوِيَّتي
نَخيلُ أريحا الأسمرُ
و رِمالُ البَتْراءِ الشَّقراءُ
كِلاهُما منْ أُمَّتي
تزاحَمَ الغُرَباءُ و الغِربانُ على أسوارِ مَدِينتي
و ألقَوْا بحِمَمِ غضبِهِمْ على تُخومِها و حارِساتُها ترتقي ... حاصَروا أنفاسي و قيَّدوا أجسادَ إخوتي
وشَيَّدوا خِيامَ عساكِرِهِمْ
على صُدورِ أطفالِ جِلْدتي
هانَتِ الحَياةُ منْ دونِهِمْ
و لَمْ تَهِنْ عَزيمتي ...
أشعلوا النَّارَ في شِعابِ قلبي
فاحترقَ البيدرُ و هلكَتْ أزهارُ حَديقتي ...
وقطفوا بسُيوفِهِمْ قمحاً ياِنعاً
كانَتْ بُذورُهُ مِيراثَ جَدَّتي
فلا سلامَ و لا عهدَ لهُمْ منْ بعدِ اليومِ عِندي
سقطَتْ ولَمْ تسقُطِ البُنْدقيَّةُ منْ يَدِي
مُتُّ و جَسَدي هُنا زَرْعٌ آخرُ لِحُرِّيَّتي
هاكُمْ عِظامي ناصِيةٌ أُخرى لِرايتي
اِحمِلوا براحاتِكُمْ نَعْشاً يلفُّهُ بياضُ كَفَنِي
فهوَ اليومَ رايتُكُمْ
و غداً رايةٌ لِوطني
اِلتفُّوا منْ حولي زَرْعاً أخضرَ يُزَيِّنُ قبري
و زِيدوا بدمعٍ نَدِيٍّ أروي بهِ صبري
هاكُمْ كوفِيَّتي هديَّةً
و حُلَّةً جَديدةً لِأرضي
راحاتُ أهلِ القُدْسِ و عَمَّانَ
حِنَّاؤُها اليومَ منْ دمي
في قلبي وَجَعٌ أكبَرُ منْ عُمُري
هلْ وُلِدْتُ قبلِهِ أمْ أنَّهُ وُلِدَ منْ قبلي
قلبي عاصِمةُ الأرضِ
و الأنبياءُ جميعاً منْ قبيلتي
حِـصـارُ غَـزَّةَ هاشِـمٍ
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
في بَساتينِ الشِّفاهِ الرَّطِبةِ و بَيَّاراتِها
يرقُدُ الثَّرى معَ شَعْبِ القَرَنْفُلِ و الكَسْتناءِ
و أصواتُ النَّحْلِ في الجِرارِ العَتِيقةِ
تُؤدِّي صلاةَ الهُبوطِ
على قُطوفِ الأحلامِ
المُطِلَّةِ على عِنَبِ الطَّائِفِ
تُزَيِّنُها فَراشاتُ المَساءِ
و تستَعِدُّ قُرَيْشٌ لِلرِّحلةِ الأخيرةِ في الصَّيفِ و الشِّتاءِ
هُنا شَعْبُ القَرَنْفُلِ ما زالَ يمتَدُّ في الأرضِ كالشَّمسِ
و في البحرِ يمتَدُّ كالرَّملِ
و على الضِّفَّةِ الأُخرى
فَراشاتُ زهرِ البُرْتُقالِ
تُراقِبُ مَنْ مزَّقوا التَّوراةَ و عذَّبوا المَسيحَ
و حاصَروا حفيدَ الهاشِمِ مُحمَّداً (ص)
حتَّى وقفَتْ على حَدِّ السُّيوفِ
الرِّيحُ و الصُّحُفُ و الأسماءُ
هُـنـا حِـصـارُ هَـزَّاتـي
اِلتَصَقَ الجَسَدُ بالتُّرابِ
و صرخَ الجَنينُ في الأحشاءِ
على هذهِ الأرضِ يموتُ مَنْ لا يستَحِقُّ الموتَ
على يَدِ مَنْ لا يستَحِقُّ الحياةَ
فيُبكي الزَّيتونُ غارِسَهُ
و تُعلَّقُ الأرواحُ على الجُذوعِ أجراساً و قَنادِيلَ
و تُوقِدُ شُموعُ الحُبِّ كالنَّدى
تُبَلِّلُ مَساميرَ الصَّليبِ بالعَراءِ
و روحُ الفتى النَّاصِريِّ
تعبُرُ سِياجَ الموتِ
كُلَّ صباحٍ معَ العَذْراءِ
و تُنادي : يا قومُ ... !
ستموتُ البُيوتُ إذا ما غابَ سُكَّانُها
اِقرَعوا أجراسَ الكَنائِسِ
لِتسقُطَ ثِمارَ التَّائِهينَ في سلَّةِ الأوزارِ
و اهتِفوا : البَرابِرةُ الجُدُدُ يُريدونَ إخراجَنا منْ خارِطةِ الأحياءِ
حتَّى يشرَبوا نَبِيذَ الموتِ الأحمرِ منَ الدِّماءِ
و تُقامُ مَراسِمُ العَشاءِ الأخيرِ
و يسجُنونَ نَواطيرَ الحُقولِ
و يسلَخونَ جِلدَهُمْ كجِلدِ الموزِ
و يأكلونَ أحلامَنا كالذُّرةِ الصَّفراءِ
و يُخفونَ فِعلتَهُمْ في سُجونِ الصُّدورِ الصَّمَّاءِ
هُـنـا حِـصـارُ غَـزَّاتـوا
ألقُوا الفَتى في البِئْرِ
فناداهُ يَعقوبُ : يا وَلَدي ...
على رُسْلِكَ .. فحُزنُكَ لنْ يستريحَ
وطنُ قلبِ أبيكَ نازِفٌ
ما زالَ جريحاً ...
فطيرُ الشَّوقِ لِرُؤْياكَ على الحُدودِ
يتلفَّظُ الأنفاسَ الأخيرةَ كالطَّيرِ الذَّبيحِ
اِمضَغِ الصَّبرَ يا وَلَدي
حتَّى لا تنالَ منكَ زَوابِعُ الرِّيحِ
و لا تطأْ رأسَ كِبرِيائِكَ و لا تُطِعْ أو تُطِحْ
قِلاعُ الغَدْرِ يا وَلَدي
قضمَتْ حَشائِشُها أسنانَ الغَضَبِ
و بغلُ إخوتِكَ تائِهٌ أربعينَ عامَّاً
بكُثْبانِ الرَّملِ القَبيحِ
هُـنـا حِـصـارُ غـزَّاتي و غـازا
الإغريقيُّونَ يحمِلونَ الفُؤوسَ و المَعاوِلَ
و يَضرِبونَ بِلَّورَ ضَوءِ القمرِ
و قِطَعُ اللَّيلِ لا تتكسَّرُ
و شَعْبُ النَّخيلِ شامِخٌ معَ الثِّمارِ
و إنْ حانَ وقتُ القُطوفِ
تموتُ الأشجارُ وُقوفاً
و أرواحُ الثِّمارِ تقتَبِسُ منَ الظِّلالِ رَجاءً
فَتَحْبوا الحياةُ على رملِ الأرصِفَةِ
كعصافيرِ المساءِ ترسُمُ شامةً منَ الضَّوءِ
وتسقُطُ في بِلَّورِ نَهْدِ الشَّمسِ
و الجَنينُ يستَعِدُّ لِلخُروجِ منَ الأرحامِ
فتُولَدُ غَزَّةُ منْ جَديدٍ
هُـنـا حِـصـارُ غـادِرز
يَقِفُ الصَّلِيبيُّونَ على التُّخومِ
يقطِفونَ الأرواحَ منْ شجرةِ الحياةِ
و تضحَكُ الأرواحُ مُبتسِمةً
مثلَ الشَّمْسِ لحظةَ الشُّروقِ
فيُهلَكُ فِرْعَوْنُ و تبقى الأهرامُ و الأسرارُ
و يُهزَمُ الرُّومُ و التَّتارُ
و تبقى جِرارُ النَّبيذِ الحَجَريَّةِ
على الجِبالِ و قِصَصِ الغَرامِ
و يُهلَكُ شَمْشونُ الجَبَّارُ
و تبقى غَزَّةُ قابِعةً تحتَ أنفاسِ حَرِّ الحِصارِ
و عُيونُ التَّاريخِ لا تَغْفَلُ أو تنامُ
غَزَّةُ تُنجِبُ دُموعاً منَ الأطفالِ
صُدرُوها منَ الدُّروعِ
و نِعالِهِمْ منَ الألغامِ
و مشاعرِهُمْ منَ الفَخَّارِ
مزَّقَتْها جُيوشُ الأرضِ
و فتَّشوا صُدورَهُمْ
و لمْ يَجِدوا إلَّا خَلطةَ الانفِجارِ
فيها مَزيجٌ منْ دِيناميتِ الحُزنِ
و الوَجَعِ و الصَّوتِ المبحوحِ
و تتبيلةِ الانتِقامِ
كُتِبَ على جُدرانِ قُلوبِهِمْ : البُيوتُ باقِيةٌ
و الخِيامُ و شجرةُ التُّوتِ باقيةٌ
و قفيرُ النَّحلِ باقٍ
و رائِحةُ الخُبزِ بتَوابلِ الحَياةِ
كُلَّ يومٍ ترسُمُ بريشةِ الرَّسَّامِ
و اللَّونُ الأحمرُ لمْ يكذِبْها هذهِ المرَّةَ
فهيَ لُغَتُنا ...
و قافِيَتُنا فُصحى الكلامِ
و توقيعُ الرَّسَّامِ كانَ دوماً :
مَوائِدُ الحِصارِ لنْ تُجنِيَ إلَّا الموتَ
و لنْ تُجنِيَ أبداً السَّلامَ
كثيرونَ مَنْ يدَّعونَ الحِكْمةَ ، و هيَ بريئةٌ منْ ذاكَ اللِّسانِ و تِلكَ الشِّفَةِ ، هيَ ليسَتْ حِرفةً ، و ليسَتْ وَليدةَ الصُّدفةِ ، هيَ في العُروقِ تَجري معَ الدِّماءِ ، هيَ وَليدةُ تِلكَ النُّطفةِ .هَـنــادي عَـفَّــانـة
سَــقَـطَ الـلِّـثـامُ
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
سقطَ اللِّثامُ عنِ الإمامِ
و ما عادَ هُناكَ مكانٌ لِلحَلالِ و الحَرامْ
سقطَ اللِّثامُ عنِ العاشِقِ
و ما عادَ هُناكَ مكانٌ في القلبِ لِلحُبِّ و الغَرامْ
سقطَ اللِّثامِ عنِ الشَّاعِرِ
و ما عادَ هُناكَ مكانٌ على السُّطورِ
لِرَصِّ الحُروفِ و بُلوغِ الكَلامْ
سقطَ اللِّثامُ عنِ الطَّبيبِ
و ما عادَ هُناكَ مِشْرَطٌ
بأيادٍ بيضاءَ تُقَوِّضُ الآلامْ
سقطَ اللِّثامُ عنِ الرَّسَّامِ
و ما عادَ هُناكَ رِيشةٌ
تُلَوِّنُ و تُزَيِّنُ وَقاحةَ الأيَّامْ
سقطَ اللِّثامُ عنِ الثَّائِرِ
و ما عادَ هُناكَ مكانٌ
لِأُكذوبةِ بُندقيَّةِ الحربِ و زيتونةِ السَّلامْ
سقطَ اللِّثامِ عنِ اللَّحمِ
و ما عادَ هُناكَ إلَّا هَشاشةُ العِظامْ
سقطَ اللِّثامِ عنِ الحِسِّ
و ما عادَ هُناكَ إلَّا مَشاعِرُ الخوفِ و الانتِقامْ
سقطَ اللِّثامُ عنِ البُستانيِّ
و ما عادَ هُناكَ إلَّا وردُ البَنَفْسَجِ
يُتَوِّجُهُ شوكُ الخِصامْ
سقطَ اللِّثامُ عنِ الفجرِ اليَقِظِ
و لمْ يَعُدْ هُناكَ إلا ساعاتٌ نِيامْ
سقطَ اللِّثامُ عنِ الرَّاعي
و لم يَعُدْ هُناكَ إلَّا عَصَاً
يَهُشُّ بها على شعبٍ جائِعٍ منَ الأغنامْ
سقطَ اللِّثامُ عنِ اللِّثامْ
و ما عادَ هُناكَ شيْءٌ على ما يُرامْ
و نَفِدَ رَصيدُ الكلامْ
قالَ لي : إنَّهُ صَديقي .
قالَ لي : إنَّهُ دَمٌ آخرُ لِوَريدي .
فظنَنْتُ أنَّهُ سيأخُذُ بيدي ، و في أوَّلِ عَثرةٍ ، قالَ لي صَراحةً أنَّ طريقَهُ ليسَتْ طَريقي ، و ما زِلْتُ أبحَثُ عنْ وَحيدِ ظِلِّي ، فهوَ وحدَهُ صديقي ..هَـنــادي عَـفَّــانـة
صَدى الأوجاعِ
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
لا تُحاوِلْ اغتِيالي
فأنا جسدْ بِلا رُوحْ
مدميٌّ عليَّ
و فِراشي منَ الجُروحْ
أنا طيرٌ كُسِرَتْ جناحُهُ
في جُنْحِ الظَّلامِ معَ الرِّيحْ
فوقَ سطحِ اللَّيلِ
ثَرى وَجَعي طيرٌ ذَبِيحْ
فِنجانُ قَهْوةٍ
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
فِنجانُ قَهْوةٍ في الصَّباحِ
يحمِلُ رائِحةَ عِطرِها
رَشْفةٌ واحدةٌ تكفِيكَ
أنْ تتذوَّقَ مَرارةَ حُبِّها
سِحْرٌ أسودُ هوَ خَليطُ بُنِّها
سأعجِنُ دقيقَ الهواءِ
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
سأعجِنُ دقيقَ الهواءِ
و أنثُرُهُ في العُيونْ
و أُخَمِّرُ ماءً وقتَ السُّحورِ و السُّكونْ
وأخبِزُ رَغيفاً منَ الكافِ و النُّونْ
و أدعو أهلَ القافيةِ إلى مائِدةِ الحِكمةِ
و مقاعِدُ الحياةِ مجلِسُهُمْ
حتَّى يُقِرُّوا أنَّهُ الواحِدُ الأحَدُ
إذْ قالَ : ( كنْ فيكونْ )
شَـهْـرَ يـارُ
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
يحمِلُهُ الرِّيحُ على أكتافِ نَهارٍ في أبريلْ
و يطوِّقُهُ البابونِجُ الشَّاحِبُ تاجاً و إكلِيلْ
و يُلَوِّحُ منْ وَراءِ القَميصِ بقلبِهِ العَلِيلْ
رافِعاً بحاجِبَيْهِ أسواراً منْ أشجارِ السَّرْوِ و النَّخِيلْ
و يصرُخُ : لقدْ تأخَّرَ الموتُ البَخِيلْ
لمْ يَعُدْ لحمُنا يُجبَلُ منَ الطِّينِ الثَّقيلْ
و لمْ يَعُدْ دَمُنا الأزرقُ يُعَتَّقُ
في جِرارِ ماءِ الفُراتِ و النِّيلْ
و لمْ تَعُدْ تعجُنُ الأُمَّهاتُ صَلْصالةَ الحَياةِ
في ثَنايا اللَّيلِ ،،،،والرِّمالْ
خذلَتْنا و خدعَتْ حوافِرَ الخَيلْ
و السُّيوفُ في ظُهورِنا انكسَرَتْ معَ خُطا الرَّحِيلْ
و الغَضَبُ يَجُرُّ أذيالَ الحُزنِ ذَيْلَ قَتِيلْ
و زفزفةُ الرِّيحِ تَصُبُّ في الأُذُنِ
تسلسَلَ فيكُمُ الظِّلْ و أنجَبَ ألفَ عَمِيلْ
و الظِّلُّ أوَّلُ مَنْ خانَكُمْ حينَ اتَّخذْتُمُوهُ عابِرَ سَبيلْ
ناموا على أنفُسِكُمْ منَ التَّعَبِ جِيلاً بعدَ جِيلْ
لعلَّكُمْ تنجونَ بموتِكُمْ منْ هذا الكابوسِ الطَّويلْ
نَـهـاري
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
أصحو معَ الشَّمسِ
أغسلُ وجهَ نَهاري بقَطَرات النَّدى
أخلَعُ قميصَ نومِ ليلٍ حَريريٍّ
خُيوطُهُ حَفيفُ الهوى
أنهَضُ مِنْ على سَريرٍ مَحْشُوٍّ
قُطنُهُ الغُيومُ وحُبوبُ القمحِ و النَّوى
نَهارٌ فيهِ الأرضُ
تمضَغُ بُذورَ الحَياةِ
و ضَروسٌ منَ الصَّخرِ
يسحَقُ أسبابَ الرَّدى
السِّياسيةُ لا مذهبَ لها ، فلا طاعةَ و لا صلاةَ اليومَ وراءَ الحاكِمِ ، و الإمامةُ و المنبرُ منَ الآنَ فصاعِداً لِلمقاومِ !! فقط .11/7/2022 هَـنــادي عَـفَّــانـة
عَبَثاً يا قُدْسُ
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
عَبَثاً يا قُدْسُ أنْ تَهنَئِي أو تحزني
فمآذِنُكِ تُكَبِّرُ : أللّٰهُ أكبرُ و لا تنحني
يا أوَّلَ كِتابٍ قرأتُهُ في وطني
يا أوَّلَ بيتِ شِعْرٍ كتبَهُ قلمي
يا أوَّلَ حُزنٍ داعبْتُهُ على حجرٍ أُمِّي
يا أوَّلَ حُبٍّ بكى فتبلَّلَ قلبي
يا أوَّلَ وِعاءِ حُبٍّ
شَرِبَ منهُ كُلُّ رسولٍ و نَبِيٍّ
يا لُغةَ الأجدادِ في الحربِ و السِّلمِ
يا لُغتي ...
يا أوَّلَ نفخةٍ منْ روحِ اللّٰهِ في جسدي
يا أوَّلَ قِبْلةٍ لِكُلِّ مُسلِمٍ و آدميٍّ
عَبَثاً يا قُدْسُ أنْ تَهنَئِي أو تحزني
فمآذِنُكِ تُكَبِّرُ : أللّٰهُ أكبرُ و لا تنحني
دَعيني يا قُدْسُ أُحلِّقْ في سمائِكِ
كسلولوةٍ تَحُجُّ و تُصَلِّي
دَعيني يا قُدْسُ أنَمْ على أسوارِكِ
زنبقةً يكبرُ معَها حُلُمي
دَعيني يا قُدْسُ أُنَقِّشْ على حجارتِكِ
اِسمَ كُلِّ فِلسطينيٍّ و عربيٍّ
عَبَثاً يا قُدْسُ أنْ تَهنَئِي أو تحزني
فمآذِنُكِ تُكَبِّرُ : أللّٰهُ أكبرُ و لا تنحني
سُحقاً لِكُلِّ وطنٍ لمْ تَكُنْ عاصِمَتُهُ الإنسانُ .
يـا أخـي
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
كمْ كُنْتَ أكثرَ منْ أخي … !
زرعتُكَ بينَ الأجفانِ
وعلى اللِّسانِ اتَّخَذْتُكَ لُغَتي
واتَّخَذْتُكَ قِبلةً لِعِبادةِ حُبِّ تُرابِ وطني
حبٌّ يعتَمِرُ في القلبِ العَتيقِ
والخَفَقانِ يُصَلِّي
كَمْ كُنْتَ أكثرَ من أخي ... !
دمعُكَ السَّاخِنُ لمْ يَجُفَّ بعدُ
و دِماؤُكَ تُبلِّلُ الجِدارَ
و البُكاءُ لمْ يَزَلْ يبكي
ولمْ يحجُمْ غَضَبي الرُّؤيا
بعُيونِ قلبِكَ فلسْتُ وحدي ،،،أشتَمُّكَ عِطراً على غِطاءِ الفِراشِ
والمِخَدَّةِ وعلى جسدي
عُذراً يا بْنَ أمِّي وأبي
فجِدارُ الزَّمنِ الهَشِّ
بأحلامِنا مُبكِّراً يهوي
ولكنْ لكَ البُشرى يا أخي
ففي وطني جاءَ المَخاضُ لِلصَّخرةِ فأنجَبَتْ حَجَراً
والكُلُّ يُنادِيهِ : يا أخي ... !
عـلـى زَنْـدِ الـذِّكــريـاتِ
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
على زَنْدِ الذِّكرياتِ ما زِلْتِ أرقُد أسداً
على بِساطِ الرِّيحِ ظِلِّي يتوسَّدُ
أنا مَنْ بالمَنافي عُمُرُهُ سَرابٌ يتبدَّدُ
مُسافِراً بِلا حَقِيبةٍ وسَفيراً لِكُلِّ مُبعَدٍ
على تُخومِ السُّفُنِ شابَتْ أيَّامُنا
أبيضَ الشَّعرِ ولمْ يَعُدْ لونُهُ أسودَ
تَجاعِيدُ الشَّمسِ وَشْمٌ افترشَ الجسدَ
معَهُ الأفرُصُ ارتعشَتْ ومعَهُ القلمُ رقصَ في اليَدِ
والحُلْمُ بالعَودةِ لمْ يَزَلْ طِفلاً بالخُطا يتردَّدُ
فيا كُلَّ أهلي اشهَدوا بأنِّي شهيدُ المَنافي
ومعَ كُلِّ حرفٍ منْ اسمِ بِلادي روحي تصعَدُ
سيُشَيَّعُ قلبي ...
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
سيُشَيَّعُ قلبي ...
إلى بلاد اللَّانهايهٓ
و يُفتَحُ لهُ بابُ بيتِ أجرٍ بكلمةٍ
و يُغلَقُ بآيةٍ
فالحَياةُ لها مُغرَموها
و الموتُ اتَّخذَهُ البعضُ هِوايةً
توقَّفَ نبضُ قلبي في الحَياةِ حُبَّاً
و عادَ نبضُهُ بعُجالةِ الموتِ نِكايةً
تغرُبُ الشَّمسُ عنْ جَسَدي في كلِّ مساءٍ
فتتوارى دَقَّاتُ قلبي
بأكفانٍ يُسَمُّونَها العَدالة
سَـلُـوا قَـلـبـي
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
سَلُوا قلبي ...
حينَ حمَلَتْني قوافِلُ الرِّيحِ
لِمَسقَطِ رأسي حُوَّارةَ
وعلى وجهِ الوقتِ سبقَتْني ابتسامةٌ
سَلُوا قلبي ...
حينَ حمَلَتْني جوانِحُ الشَّوقِ
والأنفاسُ اشتعلَتْ بها انتِفاضةٌ
سَلُوا قلبي ...
حينَ كُنْتُ أغفو على بِساطِ الرِّيحِ
و أيقَظَ الحنينُ خافِقي
وقلبي منْ وَراءِ القَميصِ
يُلوِّحُ لِأهلي كالرَّايةِ
سَلُوا قلبي …
فلمْ أعُدَّ احتِمالَ الجُلوسِ في المهجرِ
معَ خَيالِ السُّطورِ كالرَّاوي
وغيرُ مَرئيٍّ في المرايا
سَلُوا قلبي ...
عنْ سِنين الرَّحيلِ
كحطبِ الانتِظارِ تحترِقُ بمِدفأةِ الصَّدرِ
ويبقى رَمادُهُ حِبرَ الرِّوايةِ
سَلُوا قلبي ...
عنْ أوراقِ الصُّلحِ الشَّعشبونيَّةِ معَ الآخرِ
تتساقَطُ حُروفُها منَ الحِكايةِ
كانَ عليَّ العودةُ إلى أولى الصَّفَحاتِ
حيثُ البِدايةُ
والشَّطرُ الأوَّلُ ...
هوَ الثَّباتُ و الحياةُ على هذهِ الأرضِ
هوَ أصلُ المُعجِزةِ والآيةِ
سَلُوا قلبي ...
عنْ أعمِدةِ الضَّوءِ في المنفى
فالظَّلامُ يمتَطِيها
و آراميَّةُ اللُّغاتِ القديمةِ تصرُخُ
لمْ تكتمِلُ فُصولُ النِّهايةُ
سَلُوا قلبي ... عنِ الأرواحِ
فلمْ تَعُدْ تتعرَّفُ على أنجُمٍ
يستدِلُّ بها مَنْ تاهَ في صحراءِ النَّوايا
سلوا قلبي ...
عنِ الأسماءِ التي ما زالَتْ ترصُفُ شواطِئَ الشِّفاهِ المُتشقِّقةِ كالحِجارةِ
سَلُوا قلبي ...
عنْ تواريخِ المِيلادِ و الأسماءِ الطَّائرةِ
التي ما زالَتْ تبحَثُ عنْ عُشِّها بعِنايةٍ
سَلُوا قلبي ...
عنْ جُرحِ الماضي
نَزِيفٌ لمْ يتوقَّفْ بخاصِرةِ المَنايا
سَلُوا قلبي ...
عنْ سببِ هُبوطِ الظَّلامِ
منْ بعدِ انتِظارِ النِّهايةِ
نحنُ مَنْ نحنُ ؟
نحنُ أصحابُ هذا الحُلمِ
الذي خلعَ قميصَ نومِ هذا السَّلامِ الواهِنِ
ودقَّ طُبولَ القِيامةِ
فيا نارُ كُوني برداً وسَلاماً عليكِ يا حُوَّارةُ
سَـــلْ عَـنِّـي
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
أنا ابنُ هذهِ الأرضِ
و فِراشي منَ اللِّيفِ الخَفيفِ
أنا ابنُ هذهِ الأرضِ
و لِحافي منْ شجرِ الصَّبَّارِ العَفيفِ
أنا ابنُ هذهِ الأرضِ
و شَرابي منْ نَبيذِ الكُرومِ الحُبْلى بالخَريفِ
أنا صاحِبُ هذا البيتِ ...
سَلْ عنِّي البَيْدَرَ يعرِفْني
ولا تُخطِئُني حِجارةُ الرَّصيفِ
سَلْ عنِّي زيتونَ فِلسطينَ
و ورقَ العِنَبِ النَّحيفِ
سَلْ عنِّي رِياحَ الخُيولِ إنْ هبَّتْ
تُخْبِرْكَ أنِّي منْ قبيلةِ الرِّماحِ
وحَدِّي حَدُّ السَّيفِ
تُخْبِرْكَ أنِّي وُلِدْتُ في نيسانَ معَ الزُّهورِ
و رضعْتُ منْ ثَدي السَّماءِ
دُموعَ الشِّتاءِ و حرَّ الصَّيفِ
تُخْبِرْكَ أنِّي رسولُ اللُّغاتِ
و حَكَمٌ عادِلٌ بالتَّعريفِ و التَّصريفِ
سَلْ عنِّي السُّفوحَ
تُخْبِرْكَ أنِّي حُمرةُ خَدِّ الصُّخورِ
و مِلْحُ الأرضِ الشَّريف
سَلْ عنِّي نُزَلاءَ الخِيامِ
سَلْ عنِّي رُوَّادَ أزِقَّةِ المدينةِ العَتيقةِ
سَلْ عنِّي كُلَّ مِعْوَلٍ و مِحْراثٍ
يُخْبِرْكَ أنِّي منْ سُلالةِ القمحِ
مُنذُ الأزلِ في الرِّيفِ
هلْ عَلِمْتَ منْ أكونُ ؟
أنا وَريثُ الحَياةِ والموتِ على هذهِ الأرضِ
أنا الجُرحُ العَميقُ و النَّزيفُ
أنا حِنطةُ الرَّغيفِ .….
مـا زالَـتِ الأرضُ بِـكْـراً
- هَـنــادي عَـفَّــانـة
زَرَعْنا جُروحَنا قَمحاً والأرضُ ما زالَتْ بِكراً
يُداعِبُ القمحُ مِنجَلاً مُتعَباً والعَرَقُ منْ مطرٍ
وَجَعُ هَثِيٌّ صَرَخَ فِينا... !
فاتَ الحَصادُ والقمحُ شَهيدٌ يُحتَضَرُ
سَنابِلُهُ افترشَتِ المُروجَ
و هيَ عَصِيَّةٌ كالحَجَرِ
والدَّمُ زيتٌ يُضِيءُ قَنادِيلَ الكَونِ والقمرِ
صرخَ فِينا : سيأكُلُ القَحطُ
منْ أكبادِ مَنْ في أرضِنا الموتَ نَثَروا
وسيُلقَونَ في أسفلِ الحُفَرِ
بأيادِيهِمْ حَفَروا ...
أطلقُوا لِاجتِثاثِ الحَياةِ أياديَ
وكَبَّلوا لِلأملِ أياديَ وبتَروا
أوقَدوا بنارِ حِقدِهِمْ حَطَباً
ونَحَتوا بكُلِّ رُكنٍ مَحبَسَ دمٍ وحُلماً قَبَروا
نَعى نَبوخَذُ نَصرٍ فُرسانَ الهَيكلِ
وحُرَّاسُ القصرِ انتشروا
لمْ تحمِلْهُمْ أجنِحةُ القَيصرِ منْ بعدِ عُلُوٍّ
فسَقَطوا معَ الصَّقرِ وأُسِروا
خَدَعَ الرُّومانِيينَ العابِرونَ مرَّتَيْنِ
فأوقَعَ بهمْ قِصَرُ النَّظرِ بِما انتَظروا
وألقى عليهِمْ إخوةُ التُّرابِ
رمادَ الحَريقِ شَرَّهُمْ فاستَعروا
ويبعَثُ فِينا منْ جَديدٍ نَبِيَّاً رَضِيعاً ويَكبُرُ
يَنالُ منْ غِبطةِ الجِهلُ والفَقرُ فأبشِروا
سينطُقُ معَهُ الشَّجَرُ لو اعتبرَ أولو الألبابِ
منْ قبلِ الحُدودِ ما عَبَروا
هُنا أرضُ كَنعانَ ...
عمالِقَتُها مُنذُ الخَليقةِ ما انكَسروا
كُلَّما اشتدَّ الحِصارُ عليهِمْ
اشتدَّ عُودُهُمْ صَلابةَ الحَجَرِ
كانَتِ الأرضُ بِكراً
وما زالَتِ الأرضُ بِكراً
وستبقى الأرضُ بِكراً

هَـنــادي عَـفَّــانـة
17/04/2023 08:02 pm 532
.jpg)
.jpg)