كنوز نت - الشاعر هنادي عفانة


مجموعة قصائد للشاعر : هنادي عفانة

يا وَطَـنـي

  •  هَـنــادي عَـفَّــانـة
قرَّرْتُ يا وَطَني اغتِيالَكَ بالسَّفَرْ
فخبَّأتُ في حقائِبي أصواتَ الأهلِ
و ألبوماً منَ الصُّورْ
و أسماءً لِأنهُرٍ تصحَّرَتْ
خذلَتْها شَواطِئُ البَرِّ و المَطَرْ
و خبَّأتُ أوراقاً منَ الزَّعفرانِ
تحمِلُ سِرَّ توعيظِةِ الخَيرِ و الشَّرّ
و لملَمْتُ بقايا شَظايا قلبٍ
لِطِفلٍ اسمُهُ رَيَّانُ انفطَرْ
و قبضْتُ حَفْنةَ تُرابٍ من على قبرِهِ
تُشبِهُ نورَ ذاكَ القَمَرْ
و خبَّأتُ شهادةَ مِيلادٍ هِجريَّةً
و شهادةَ وفاةٍ مِيلاديَّةً لِنَبِيٍّ مُنتظَرْ
و خبَّأتُ ظِلَّاً لِوُجوهِ الأحلامِ المُنهَكَةِ
و رُفاتاً لِلقَدَرْ
و رَغِيفَ خُبزٍ مِلْحُهُ الخوفِ
تلفُّهُ مَلامِحُ الفُقْرْ منذُ الصِّغَرْ
و زُجاجةً منْ دمعِ الزَّيتونِ
و اللَّيمونِ و الزَّعترْ
و رِوايةَ معركةِ الحَمامِ في السَّماءِ
و الصَّقْرُ الشَّاحِبُ لم ينتَصِرْ
خبَّأتُ في حَقائِبي حِكايةَ وَطَنٍ
أبوابُهُ منْ طِينِ البشرْ
و بِلَّورُهُ إحساسُ إنسانٍ انكسَرْ
خبَّأتُ وجعَ باكٍ و عُيونَ ماءٍ فقدَتِ البَصَرْ
وَطَناً لنْ يبقى فيهِ إلَّا قلبٌ منْ حَجَرْ

 الهِجرةُ وطنٌ و الحَقِيبةُ أفضلُ المَساكِنِ

  •  هَـنــادي عَـفَّــانـة

طالَ الانتِظارُ بهِمْ
على مَحَطَّاتِ العَودةِ و لكنْ ...!
ما زالوا يظُنُّونَ
أنَّ الحَقِيبةَ لمْ تَكُنْ يوماً بخائِنْ
في الحَقِيبةِ أكفانٌ بيضاءُ
لِجَثامِينِ الخوفِ و المرضِ و اللَّيلِ الدَّاكِنْ
في الحَقِيبةِ رِضاعةُ أصواتِهِمْ على صُدورِ الأُمَّهاتِ
يُعلِي بُكاءَ المآذِنْ
في الحَقِيبةِ خرائِطُ لِشَرايِينِ قلبٍ
نبضُهُ ما زالَ يُؤمِنُ و يُراهِنْ
إنَّ الحَقِيبةَ لمْ تَكُنْ يوماً بخائِنْ
في الحَقِيبةِ صلاةُ الجَنازةِ
على رُفاتِ جُثمانِ الصَّمْتِ
و قِفطانُ لاجِيءٍ و كاهِنْ
في الحَقِيبةِ ملفُّ وطنٍ
و شاهِدُ عَيانٍ اغتالَتْهُ القَرائِنْ
في الحَقيبةِ مَقْعَدٌ دائِمٌ لِلغائِبينَ
ما زالَ دمعُهُمْ ساخِنْ
في الحَقِيبةِ أسماءٌ هجرَتْ عُنوةً
و لمْ تُسعِفْهُمْ أرصِفةُ المَدائِنْ
و ما زالوا ينتظِرونَ الانتِظارَ
و يظُنُّونَ أنَّ الحَقِيبةَ لمْ تَكُنْ يوماً بخائِنْ
في الحَقِيبةِ لهُمْ مِشكاةٌ غيبٍ
بظُلمةِ عُيونِ الماضي
لا ترى إلَّا بعينِ الحاكِمِ و المَعاوِنْ
في الحَقِيبةِ لهُمْ حِكايةُ عِشْقٍ
تَذوقُ الهَزيمةَ على أرضِ إسماعيلَ نَبِيِّ المَحازِنْ
في الحَقِيبةِ فُتاتُ حُبٍّ
و فَتاتيتُ كرامةِ حُكَّامِ الدَّواجِنْ
في الحَقِيبةِ حديقةٌ وردُها عَوْسَجُ الرَّحيلِ
و ألوانُ بنفسَجِ المَدافِنْ
في الحَقِيبةِ لهُمْ غِيابٌ
و قِصَّةُ وَجَعِ وطنٍ ليلُهُ باتَ مُداناً
و صُبْحُهُ استفاقَ واهِنْ
في الحَقِيبةِ يهتَزُّ جِذْعُ الغَيمِ
فيسقُطُ المطرُ شَهيداً
على وجهِ الموجِ كأيِّ كائِنْ
في الحَقِيبةِ شبابٌ يحترِقُ كُلَّ يومٍ بالفَنادِقِ
و يَحتفي بالذِّكرى السَّنويَّةِ
لِموتِ الوقتِ الرَّاهِنْ
في الحَقِيبةِ تَذْكَرَةُ سفرٍ مَجَّانيَّةٌ
بِلا عودةٍ لِكُلِّ مُواطِنْ
و ما زالوا ينتظِرونَ الانتِظارَ
و يظُنُّونَ أنْ الحَقِيبةَ لمْ تَكُنْ يوماً بخائِنْ

سَـرَقُـوا وَطَـنـي

  •  هَـنــادي عَـفَّــانـة

سَرَقوا النُّعاسَ منْ عُيون أبي و أُمِّي
سَرَقوا شُبَّاكاً يُطِلُّ على أحواضِ الياسَمينِ
و منْ حولِهِ الفَراشاتُ ترقُصُ و تُغَنِّي
سَرَقوا دُموعَ العِنَبِ و فَرَحَ صوتِ العودِ
و تركوا لي جَوْقةَ حُزْنٍ تُدَنْدِنُ في قلبي
سَرَقوا أحرُفَ خارِطةِ العقلِ
فتُهْتُ مع تُرَّهاتِ الأسماءِ
و مَجاذِيفُ العقلِ لمْ تُدْرِكْني
سَرَقوا عُقْدةً في لِساني
و خرقوا بها قارِبَ نَجاةِ اللُّغاتِ
فعامَ على وجهِ الموجِ اسمي
سَرَقوا قَصائِصَ شَعْرِ الأرضِ
و نَثَروا على أعالي الجِبالِ بُذورَ حُزْني

سَرَقوا وطني ...
سَرَقوا محصولَ الحِنْطةِ

و كسروا خاصِرةَ المُنْجَلْ
سَرَقوا المِحْراثَ و المِعْوَلْ
و قالوا : هذهِ الأرضُ إرثُ جَدِّنا الأوَّلْ
سَرَقوا نُجوماً كانَتْ تَبِيتُ على أسطُحِ اللَّيلْ
و أسقَطوا قمراً كانَ هوَ الأجمَلْ
سَرَقوا نَشيدَ الصَّباحِ و حِكايةَ المساءِ
سَرَقوا كُلَّ فِعْلٍ قَلَّ و دَلّ
سَرَقوا رائِحةَ القَهْوةِ و رَحِيقَ التِّينِ
و حُمْرةَ خَدِّ خُبْزِ الصَّباحِ المُدلَّلْ
سَرَقوا زُهورَ الزَّعفرانِ و الأُقْحُوانِ
و الرَّيحانِ و يَنابِيعَ الجِبالْ
سَرَقوا في جَوْفِ اللَّيلِ شجرَ النَّخيلْ
و الرِّمحُ و الخَيلُ و عِزُّ الحَياءِ منهُمْ و الخَجَلْ
سَرَقوا زقزقَةَ العَصافيرِ
و غِناءَ الأُمَّهاتِ على الأسطُحِ
و حِبالُ أصواتِهِمْ تشُدُّ الغيمَ إلى الأسفَلْ
سَرَقوا رِمالَ الشَّاطِئِ
و طرحوا الأمواجَ الحُبْلى بعَروسِ البحرِ
فتستَّرَتْ بثوبِها القصيرِ المُبَلَّلْ

سَرَقوا وَطَني …
سَرَقوا رقصةَ الحَياةِ
و بيادِقُهُمْ مُنغَمِسةٌ بليلٍ هوَ الأثمَلُ و الأطولْ
سَرَقوا انتِصاراتِ القِدَمِ و الحاضِرِ و المُستقبَلْ
سَرَقوا واقِعةَ الكرامةِ و حِطِّينَ
و بيسانَ و اليامونَ و عَيْلَبونَ و القَسْطَلْ
سَرَقوا أسماءَ القَسَّامِ و الكَنَفانيِّ و الحُسَيْنيِّ و الحَنْظَلْ
سَرَقوا خارِطةَ وَجَعِ النَّكبةِ و النَّكسةِ
و بايَعُوا آلَ هُبَلْ
سَرَقوا رصيدَ الدِّياناتِ و الثَّوراتِ
و قالوا : السَّلامُ هوَ الحَلُّ الأمثَلْ

سَرَقوا وطني ...
سَرَقوا الجُدرانَ و صُوَرَ الجِيرانِ
و تركوا على العَتَباتِ بقايا البَطَلْ
سَرَقوا وطني ...
سَرَقوا كُلَّ شيْءٍ
و لكنَّهُمْ نَسَوْا في الأرحامِ طِفلةً اسمُها أمَلْ
تُغَنِّي كُلَّ صباحٍ :
سيرحَلونَ يوماً ما ...
و الوطنُ باقٍ هنا مُنذُ الأزَلْ
لمْ يرحَلْ و لنْ نَرْحَلْ ...


عُـودِيْ وَردةً

  • هَـنــادي عَـفَّــانة.
عُودي إلى حَديقةِ قلبي أيَّتُها الياسَمِينْ
فالفَراشاتُ السَّوداءُ افترشَتْ سَجَّادةَ البساتِينْ
و الزَّنابِقُ السَّوداءُ تناسَلَتْ بالحَوضِ كالماءِ المَهِينْ
و الظِّلُّ على الشُّرفةِ احتَلَّ القمرَ لو تعلَمِينْ
و العُشْبُ المَريَمِيُّ في الفجرِ نَما على جِباهِ الفلَّاحِينْ
يَخبِزونَ الحِجارةَ على نارِ جَهَنَّمَ
فيَلينُ الحَجَرُ معَ رُقاقةِ العَجينْ
عُودي وردةً منْ لحمِ بِلادي تلفُّها رائِحةُ العاشِقِينْ
عُودي وردةً بيضاءَ منْ حَليبِ البَلابلِ
عُودي وردةً صَفراءَ منْ حقلِ الذُّرةِ
عُودي وردةً حَمْراءَ على ثَرى الشُّهداءِ و الجَثامِينْ
عُودي وردةً لَيْلَكِيَّةً على جَناحِ هواءٍ و مِنقارِ صَقْرٍ
عُودي ندى فجرِ التَّيَمُّنِ لِلعابِدِينْ
عُودي وردةَ سَلامٍ و عُيونَ مَنامٍ أحلامُهُ يَقِينْ
عُودي على عُنُقِي فُلَّةَ وردٍ و عِقْدَ جُوريٍّ ثَمِينْ
و البِسي الشَّراشِفَ البيضاءَ
و تزيَّني و ارفَعي الحاجِبَيْنِ الكَفِيفَينْ
ضَعِيْ رُمشَكِ كيْ أمشيَ إليكِ
و لا تغتالَني الأشواكُ
و يسرِقُنا الشَّوقُ مُجدَّداً لِقاءً بطَرفَةٍ و غَمْزةِ عَيْنْ
عُوديْ كيْ أُحَدِّقَ بكِ فيستيقِظُ القمرُ يشهَقُ و تتنهَّدِينْ
عُوديْ رِيحاً على الشِّفاهِ بلُغةِ الأبجديَّةِ تقرأُ بصُحُفِ المُراهِقينْ
عُوديْ كيْ أُهدِيَكِ قلماً بدمِ وَرِيدي فتَكْتُبي على جِلدي الرَّقِيقِ ما تَشائِينْ
كيْ أحبِسَ الأنفاسَ بكُمِّيْ
و أُخَبِّئَ في جَيبي دِفْءَ الحَنينْ
عُوديْ جُرحاً و صَمْغاً و تُراباً
و عُشْباً طَرِيَّاً و طِينْ
و كيْ أشربَ البُنَّ منْ لونِ عينَيْكِ
كُلَّ صباحٍ حتَّى تستيقِظينْ
و كيْ نمشِيَ على ماءِ البحرِ سَوِيَّاً
فتغرقَ منْ حولِنا زَوارِقُ الصَّيَّادِينْ
و كيْ أُهدِيَكِ قَميصَ نومِ غزلْتُهُ لكِ
منْ أزهارِ البُرتُقالِ و فَواكِهِ البساتِينْ
و كيْ تَغسِلي عُودَكِ بتولِيفةِ ماءِ المِسكِ
و العَنْبَرِ و الصَّندلِ و القَرَنفُلِ
و كيْ يَفوحَ منكِ عَبَقُ الشَّذا و العِرفِ و الضَّوعِ و القاغِيةِ
و الخُزامى و كولونيا السِّنينْ
و كيْ أهدِيَكِ منْ ربيعِ عُمري الأربعينَ و الخمسينَ و السِّتِّينْ
و كيْ يَعودَ الرَّمادُ لَهِيباً فيمشي الخَيالُ على قدمَيْنْ
و نشربَ بكأسٍ كَشميريٍّ نَبِيذَ دمعِ النَّحلِ فتُخَدِّرُ الشَّرايِينْ
و يَبِيتُ ليلُنا اللَّيْلَكِيُّ على كَتِفَيْنِ
و كَفَّيْنِ و نَهْدَينِ و يثمُلُ الجَنينْ
ثِقي بلونِ الدَّمِ على السُّطورِ
حينَ يُصَفِّقُ لهُ القلبُ منْ صَميمِ الوَتِينْ
فأنتِ كِتابُ الحُبِّ الوَحيدُ الذي قرأتُهُ
و أنا بهِ منَ المُؤمِنينْ
عُوديْ إلى حديقةِ قلبي
فأنا البُستانيُّ الصَّادِقُ الأمِينْ

  • هَـنــادي عَـفَّــانة.