كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


وهل يمشي الشجر؟ (من زرقاء اليمامة إلى مكبث!)

  • د. منعم حدّاد

وزرقاء اليمامة، شغلت خرافتها أو أسطورتها المثقفين الغربيين منذ أكثر من قرن، فكتب عنها كروجر في العام 1904 مشيراً إلى أن موتيف "الشجر المتحرك" شرقيّ الأصول([1]).

وقد جاء في "مجمع الأمثال للميداني" أن زرقاء اليمامة "هي امرأة من جديس... كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام، فلما قتلت جديس طسماً، خرج رجل من طسم إلى حسان بن تبع فاستجاشه ورغّبه في الغنائم، فجهز إليهم جيشاً، فلما صاروا ... على مسيرة ثلاث ليال صعدت الزرقاء فنظرت إلى الجيش وقد أمروا أن يحمل كل رجل منهم شجرة يستتر بها ليلبسوا عليها. فقالت يا قوم قد أتتكم الشجر أو أتتكم حمير، فلم يصدقوها....فقالت: أحلف بالله...فلم يصدقوها ولم يستعدوا حتى صبحهم حسان فاجتاحهم فأخذ الزرقاء فشق عينيها فإذا فيهما عروق سود من الإثمد، وكانت أول من أكتحل بالإثمد من العرب".

وجاء في كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني أن "الزرقاء كانت ترى الجيش من مسيرة ثلاثين ميلاً؛ فغزا قوم من العرب اليمامة، فلما قربوا من مسافة نظرها قالوا: كيف لكم بالوصول، مع الزرقاء!

فاجتمع رأيهم على أن يقتلعوا شجراً تستر كل شجرة منها الفارس إذا حملها؛ فقطع كل واحد منهم بمقدار طاقته وساروا بها؛ فأشرفت، كما كانت تفعل، فقال لها قومها: ما ترين يا زرقاء? وذلك في آخر النهار؛ قالت: أرى شجراً يسير؛ فقالوا: كذبت أو كذبتك عينك، واستهانوا بقولها؛ فلما أصبحوا صبحهم القوم، فاكتسحوا أموالهم وقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً وأخذوا الزرقاء فقلعوا عينها فوجدوا فيها عروقاً سوداء، فسئلت عنها فقالت: إني كنت أديم الاكتحال بالإثمد فلعل هذا منه، وماتت بعد ذلك بأيام".

  * * *

وتعتبر مسـرحية «مَكبث» Macbeth من أفضل وأعظم ما كتبه وليم شكسبير، وفي المشهد الأول من الفصل الرابع منها (ترجمة خليل مطران، صفحة 86) يخاطب "خيال" مكبث قائلاً: "كن كالأسد بطشاً وكبرياء، لا تحسب حساباً لمتظلم، أو ثائر، أو متآمر، لن يُغْلَبَ مكبث حتى تزحف غابة "برنم" على الجبل الرفيع، وتهاجم قصر "دنسينان" المنيع"!

و"يطمئن" مكبث نفسه قائلاً: "لن يكون ذلك أبداً، من الذي يستطيع أن يأمر الغابة فتمشي؟ ويشير إلى الشجرة فتقتلع جذعها من الأرض؟ يا للنبوءة السارة! يا للسعادة! أيها العِصيان ترقّب غابة "برنم" حتى تسير، وانتظر مكبث حتى يستوفي وهو في أوج العلى ما بينه وبين الطبيعة من العقد المبرم..." (الصفحة 87). ويكرّر ذلك في المشهد التالي، ليؤكّد لنفسه ما سمعه كما يبدو، فيخاطب أتباعه قائلاً:"...فما أنا بخائف ضَيراً، ما دامت غابة "برنم" لا تدنو من دنسينان، "(صفحة 104).

فهل ثمّ ما أو من يخيف من توجّه له هذه "النبوءة"؟

وسرعان ما يدخل عليه الخادم، مصفّر اللون ممتقع الوجه، "أبله كالإوزة"، ويقول له: "الجيش الإنجليزي يا مولاي!" فيحاول طرده من أمامه (ليطرد الشرّ؟) وعلى عكس امرئ القيس الذي قال عندما أنبأه الخادم بقتل بني أسد أباه : "أليوم خمر وغداً أمر" فإن مكبث يحاول أن يطرد الخادم من أمامه: 

"إليك عني، توارَ من أمامي... اليوم سرور أم ثبور"؟

ويؤجلون الخبر الهائل حول تحرّك غابة "برنم"، وينشغل الجميع بخبر موت صاحبة الجلالة الملكة، لكن الوقت يمرّ بسرعة، فإذا برسول يلج القاعة ويخبر الملك وهو في قمة الذعر والهلع:" بينما كنت في نوبتي في الحراسة على قمة الهضبة موجّهاً نظري إلى جهة "برنم" لاح لي فجأة أن الغابة تمشي" (صفحة 107)

ويرفض مكبث أن يصدقه، وينعته بـ"الكذوب البغيض"(ص.107) فهو ابن الخلود والذي لن يطاله سوء، لأن الغابة يستحيل أن تمشي، ويردّ عليه الحارس قائلاً:

"صرف غضبك فيّ كما تشاء إن لم يكن صدقاً ما أذكر، وهو أن الذي يستشرف من هنا إلى امتداد ثلاثة أميال، يرى بعينيه غابة تمشي"(ص.107)
ويعود مكبث إلى صوابه ورشده سريعاً ويستدرك قائلاً:"أخذ يدور في خلدي أن الشيطان خدعني بالألفاظ الملتبسة، وكذب عليّ بما قاله، على كونه إنما قال صدقاً "لا تخش شيئاً حتى تزحف غابة برنم على دنسينان"، وها هي ذي الغابة تدنو من "دنسينان"، بل هذه الطلائع قد دنت من سور القصر"(ص. 107)

وفسّر أحدهم "مشي" الغابة :"لقد أفلحت حيلة أعدائه إفلاحاً عجيباً، فإنهم تقلّدوا الأغصان من غابة برنم ليخفى عددهم ويشتغل الرقباء بمواجهتهم عن الطلائع التي تقدمت"(ص. 108)

زرقاء اليمامة تنذر قومها لأن الشجر يمشي، وهذا الخيال يطمئن مكبث بأنه لن يغلب حتى تزحف غابة برنم على قصر دنسينان، وهذا مستحيل، كما قد يخيل للمرء، لأول وهلة!

لكن الشجر "مشى" وقضي على قوم زرقاء اليمامة، وهذا مكبث سيقتل لأن غابة برنم تزحف على جبل دنسينان المنيع!