كنوز نت - كتب الدكتور سمير محمد ايوب  


لبنان : إنتدابٌ مُتوحِّشٌ أم وِصايةٌ مُهَمِّشَةٌ؟! 


في لحظاتٍ شديدة التوتر والإرباك والإنقسام المُنْهِك ، يحاول جلُّ اللبنانيين منع مخاطر الانهيار التام والفوضى العارمة ، ووضع حد للهزات الإرتدادية المباشرة .

بغضّ النظر عن ضخامة الكارثة ، فإنهم في لبنان على قناعة متفاوتة اليقين ، بانها عنوانٌ لإهتراء المُجْلَسين في مقدمات الصفوف . وكاشفة لعجز المحاصصات الطائفية ، عن أن تكون منهج حياة وطريقة عيش ، وعن الخطو في طريق إصلاح تركيبة الدولة .

أخطر ما في المشهد اللبناني الآن ، ليست الأساطيل التي تصول وتجول قبالته ، بل التجاذبات المُحتدمة بين القوى السياسية المُتناحرة هناك . والتي تعيد فرز اللبنانيين ، لا على قاعدة الكارثة أو الطموح ، بل وفق تضارب المحاصصات التقليدية الوقحة إياها .

أما في الشق الدولي من المشهد ، فهناك زحمةٌ بين موفدي المصالح الخارجية . يمارسون في أزقة السياسة اللبنانية ، أنشطة فظة ذات منحى تعبوي خطير . ظاهرها التعاطف مع لبنان المنكوب ، والتركيز على إجراء إصلاحات مؤسساتية ضرورية ، تُطَوِّق الواقع السياسي الحالي ، تمهيدا لطيِّ صفحته ، وكواليسها مفخخة بملفات تستثمر نتائج الكارثة ، تعمل على إيقظ الذهنية الاستحمارية وتفعيلها وتعميها ، من أجل دفع الناس لقبول مشروع الحماية.

 تمهيدا لفرض وصاية دولية على لبنان ، تنهي عمليا هويته العربية ، وتعمل على تحييده إقليما ، وعلى الاقل في الصراع العربي الصهيوني .

لا يمكن لمتبصر في أبجديات السياسة ، أن يفصل بين حركة الموفدين الدوليين ، وغارات التصعيد التي تشنها خلطة شوارعية ممن امتهنوا تفسيخ الدولة . يبدو أن مصيدة " إنفجار الاهمال الملتبس " ، قد أسعفت ظن هؤلاء ، بأن الظروف قد باتت مواتية لتدويل لبنان ، عبر ممرات مشبوهة ، منها ممر المطالبة بهيئة دولية للتحقيق ، ومنها القول بحاجة لبنان ، لحماية دولية مباشرة ، تعيده الى وصاية مباشرة ، تدير شؤونه .

هل ما نشاهده من فساد مستعص على الاصلاح ، مُخَططٌ لتكفير الشعوب بأوطانها ، واستجداء حمايات ممن سبق ونكَّل بِها ؟! هل وصلت الشعوب حقّا إلى قناعات قطعية ، بان المستعمر المباشر افضل بكثير من وكلائة المحليين ؟!

ما طالب علانية به ، بعض اللبنانيين المُحْتَسِبين أنفسهم على حقٍّ ، أوالمؤمنين بالصمت القوَّالِ ، مُوجع ومُحزنٌ . وللأسف الشديد يكاد أن يكون حالة عامة في الوطن العربي برمته . كلُّ المعايير تُبرِّر لنا توصيف ما نحن فيه من كيانيات سياسية ، بالجحيم المُقرف . وإلاّ مَنْ مِنّا في أسوأ كوابيسه ، كان يتوقع وصول الكثير منَ الناس إلى هذا الوضوحِ في المطالبة بعودة الوصاية والتماهي مع بعض ما تقول به كلاب الصيد المتصهينة ؟!


هذه الانتكاسات الفاضحة في الوعي الفردي والجمعي ، قبل أن تكون كاشفة لأوهام الهياكل والدكاكين والمنظمات الحزبية ، بكل تلاوينها الأسرية والقطرية والقومية والدينية والشيوعية والاشتراكية واللبرالية . هي كاشفة بامتياز فاضح ، لسقوط صريح للنظم التربوية والثقافية والاخلاقية والايمانية الفاشلة عبر السنين .

وإلاّ كيف نفسر طوابير الناس ، أمام الشياطين الزرق في السفارات الأجنبية ، طلبا للإبتعاد عن ضباعِ الجوع ومخالب الاستقواء وأنياب الاضطهاد ، في جحيم أوطان عقيمة مُهَشَّمَةٍ ؟! إنْ لَمْ يكن ظَنُّهم أنَّ المستعمر المباشر، بات أرحم بهم من وكلائه المحليين . أيَتوقعُ عاقلٌ مُتبصر ، من عربيٍّ عاطلٍ عن العمل ، مُهَمَّشٍ مُحبطٍ ، مقهورٍ مغلوبٍ على أمره ، أن يرفض جنسيةً أجنبية قد تُعرضُ عليه ؟!

إفتعال هذا التأزيم في العيش الكريم وأجوائه ، والمُماطلات والسَّقطات والإخفاقات في معارجه ، محطاتٌ مقصودةٌ مُبرمجةٌ ، لإيصال كثرة منَ الناس ، إلى شفير اليأس الحالك والعَوَز المُذلِّ ، ومِنْ ثمَّ الالتفافَ على وعيِهم والضغطِ عليهم ، لتحقيقِ خضّاتٍ في حصاناتهم الوطنية والقومية ، وإرباك أولوياتهم ، وحرفِ سجالاتِهم عن المسارات الجمعية للوطن ، لتصبح تسوُّلا لوصايةٍ دولية وإن توَحَّشَت .

مؤسف أنَّ هناك بيننا ، من بات يرى في المستعمر رحمة وعدالة ، ليست فيه على الإطلاق . قافزا بعشوائية ساذجة، فوق حقائق التاريخ القريب والبعيد . وحقائق الحياة في عالم اليوم . فلو تلفَّت هؤلاء من حولهم ، دون مُغالطةٍ مِنْ كيدٍ طائفي أو حقدٍ مَذهبي أوالتماس أعذارسياسية ، فإنهم سيرتطمون حتما ، بالكثير من المضحك المبكي ، في بلاد ما بعد الغزو الأمريكي ، المباشر أو غير المباشر لها . لن يجدوا بين ورثة العهود السابقة في تلك البلاد حكما رشيدا ، بل مئات الدكاكين والآلهة والأصنام الجدد ، انتفعت من تهشيم أوطانها وهتك أعراض ناسهم .

  في مواجهة أؤلئك المستغربين ، هناك لحسن الحظ ملايينٌ من الناس ، ذات قناعة شعبية وطنية عارمة ، تعلن صبح مساء : يأن الضعف مرحليٌّ عابرٌ ، وليس قضاءً وقدراً . وأن لا بد من الصمود ومواجهة ما تحاول تمريره الضغوط الدولية الكبيرة ، وكلاب صيدها المحلية ، في الكواليس السياسية كحاجة . وأن النهوض للإصلاح والبناء الذي يحصن البلد ، كما فعلت ماليزيا وسنغافورة ضرورة وأولوية . دون التصرف وكأن شيئا لم يحدث . فقد سقطت الاقنعة عن النظام التحاصصي المقيت ، وأن وقت الإطاحة بقتلة الشعب ومحاسبتهم قد حان.

وطنٌ كلبنان لم يعرف إلا العشوائية السياسية بتأسيسه ، والعشوائية الإدارية باستمراره . إذا لم يكن هناك تعريف موحد لماهية الوطن وقضاياه وأعداءه ، فلن يتم بناء دولة مدنية عادلة فيه . ولنْ يتم بناؤها إلا بمواطنة جامعة أولا ، تُنْتجُ بالحوارِ الجدي المُخلص ، إنصهارا مجتمعيا بدل الانقسام السائد . تكون هي المدخل الحتمي لإسقاط علة العِلَل وسبَبَ كلِّ فشل في لبنان ، نِظامَ المحاصصة المقيت ، وتبادل الخدمات والحمايات ، وحجب دور الدولة .

في بلد منكوب ، ووضع سياسي مُتآكلٍ ، واقتصادي حرِجٍ ، كالذي يعيشه لبنان ، يُصبح واجباً الخوف على سيادته . فالدول التي قررت المساعدة ، ليست في وارد تقديم شيكات على بياض لأحد ، بل مساعداتٍ بالقطارة ، مُثقلةٍ بألف شرط وشرط .

لبنان أمام مرحلة وجودية ، الترقُّب فيها سيد الموقف . من الضروري تقليل حدة الانفعالات والتشنجات ، وتوسيع هوامش الهدوء ، وتأمين استقرار أمني ومعيشي ، بين أناس لم يعد أحد منهم بقادرعلى إلغاء أحد . ولا الوقوف وحده في مواجهة الجميع .

الحيطة والحذر واجبين ، أمام طابور ممن امتهنوا تفسيخ الوطن والدولة . لا بد من إبقاء الأولويّة لمنعهم من المزيد من التهديم وإشاعة الفوضى . والتذكر دائما : بأن الطوفان لا يولد إلا من رحمٍ فَشلٍ مُجرمٍ ، ودموعِ أبرياءِ الضحايا .


الأردن – 18/8/2020