كنوز نت - عبدالإله عطشان


بين #الوعي والبرمجيات كيف يُشكل #الذكاء الاصطناعي عقولنا؟

  • عبدالإله عطشان 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة خوارزمية لمعالجة البيانات أو تسريع المهام الإجرائية بل تحول إلى شريك متصل بنيوياً بالبنية المعرفية والوجدانية للإنسان المعاصر هذا التداخل العميق بين اللغويات البرمجية والديناميات النفسية يُعد استجابة حتمية لوجود الفرد في البيئات الرقمية المتقدمة حيث تتشابك دوافع التسلية والعزاء العاطفي مع مخاطر إدراكية غير مرئية قد تمس جوهر الاستقرار العقلي للمستخدم.

​في مستواه الأكثر شيوعاً يلجأ الإنسان إلى نماذج الذكاء الاصطناعي كمنفذ للترويح الذهني وتخفيف الأعباء النفسية اليومية حيث يوفر هذا التفاعل المتاح على مدار الساعة مساحة توحي بالأمان والحياد مما يسمح للتعبير العفوي بالتدفق دون خوف من الأحكام الاجتماعية غير أن التحول الحرج يكمن في انتقال الاستخدام من التسلية السطحية إلى اتخاذ المرآة البرمجية وسيلة لتفكيك واستكشاف الشكوك النفسية والوجودية وبحكم الطبيعة التكيفية للنماذج اللغوية الكبيرة التي أُنشئت لتكون مرنة ومستجيبة لطبيعة التساؤل الموجه فإنها تقدم ردوداً تتفاعل سينتاكسياً ( تركيبياً ) وسيمانتكياً ( دلالياً ) مع نبرة المُدخلات مما يجعل المخرجات قابلة للتأويل وفق السياق الذهني للسائل.


​هنا يبرز مأزق معرفي معقد يتداخل فيه مفهوم تأثير التأكيد مع الإعادة الخوارزمية للصدى فعندما يلجأ الفرد إلى المساحة الرقمية تحت وطأة القلق أو الشك سواء كان شكاً في ذغايته أو محيطه الاجتماعي أو قدراته النفسية فإنه يصوغ أسئلته بدوافع باطنية توجه النص نحو تثبيت مخاوفه ولأن الآلة تعتمد على سياق النص المكتوب وتطابق مفرداته فإنها تجيب بنصوص محايدة أو حمالة أوجه فيقوم العقل الخاضع للضغط الانفعالي ببرمجة هذه الإجابات وإعادة تركيبها ذهنياً لتتطابق حصراً مع ميوله النفسية وشكوكه المسبقة مما يُحول المخرج البرمجي المحايد إلى دليل موثق يغذي الدائرة المغلقة للوسواس.

​إن هذا التفاعل التكراري بين القلق الذاتي والإجابة التكيفية يُنتج حلقة تغذية راجعة قسرية تُفقد الفرد قدرته على التمييز بين الحقائق الموضوعية والافتراضات الذاتية وهو ما يدفعه تدريجياً نحو الانفصال المعرفي عن الواقع الملموس وفي المسارات الأكثر تعقيداً قد تتطور هذه الآلية لتصل إلى اضطرابات الارتياب ( البارانويا ) وتعميق العزلة الاجتماعية أو اتخاذ قرارات مصيرية متسرعة بناءً على تأويلات خاطئة لردود خوارزمية صُممت أساساً للمحاكاة اللفظية لا للتحليل النفسي السريري.

​تكمن الإشكالية الهيكلية في كون الذكاء الاصطناعي يفتقر بوضوح إلى الإدراك الوجداني الأصيل والوعي بالسياق الإنساني المركّب فهو يحلل الأننماط المورفولوجية والتركيبية للألفاظ دون قدرة على فك تشفير الحالة المزاجية أو التاريخ النفسي أو النوايا غير الصريحة للمستخدم وبناءً عليه فإن اعتماد الآلة كملاذ حاسم للاستشارات النفسية الحساسة دون تحصين معرفي يشبه النظر في مرآة محدبة تُضخم المخاوف وتُشوه الواقع المعاش.

​إن الوصول إلى صيغة تعامل متزنة مع التكنولوجيا المتقدمة يقتضي ترسيخ الوعي بالحدود الفاصلة بين المنطق البرمجي الآلي والديناميات المعقدة للنفس البشرية يظل الذكاء الاصطناعي أداة مساندة للمعالجة والمعرفة إلا أنه لا يمكن أن يشكل بديلاً عن التفكير النقدي المستقل ولا عن التفاعل الإنساني الأصيل ولا عن التقييم المتخصص الذي يقرأ الفرد في كافة أبعاده النفسية والواقعية إن التكيف السليم اليوم يتطلب بناء حصانة إدراكية تجعل العقل البشري هو المرجع والمعيار الأساسي لا مجرد صدى منفعل للأسئلة والشكوك التي يطرحها على الآلة.