
كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد
لبنان هو الفينيق!
لبنان هو الفينيق، فلا خوف عليه...
فلنقلق عليه ونحمل همومه معه، ولنهبّ لنجدته وتضميد جراحه، لكن لا خوف عليه...، لأنه سرعان ما سينفض عنه غبار الدمار وينتفض منتصباً ملء قامته واقفاً على رجليه الاثنتين، مستقبلاً نهاراً جديداً وشمساً ساطعة...!
فلبنان "أشرقت" على ثراه الطهور يوماً "شمس الربيع الخريفيّ العربي" الدامي بكل موبقاتها، رغم أنه كان "نائياً بنفسه" عمّا يدور حوله، ملتزماً الحياد وعدم التدخّل في شؤون الغير، أملاً في عدم تدخّل الغير في شؤونه!
و"أشرقت" تلك "الشمس" الدموية وبدأ الزحف غير المقدّس الذي اقترفته شراذم أوباش وقتلة انقضّت عليه انقضاض ذئاب جائعة على "وطن النجوم" ومهد أرز الرّبّ حاملة معها الظلام والخراب والحرق والتفجير والتدمير والتشريد والقتل والأسر، فكأنه قد حان دور لبنان وآن الأوان ليذوق أهله – لأول وهلة – ما ذاقه أهل بلدان عربية أخرى، مثل سوريا، الجارة الكبرى التي ما زالت الحرائق متأججة في ربوعها، وليبيا والسودان والعراق واليمن والتي يزداد تمزيقها يوماً بعد يوماً، وترتكب فيها شراذم موبوءة أسوأ أصناف الجرائم الوحشية، ولا من يرفّ له جفن ولا من يحرّك ساكناً!
و"المآسي" ليست غريبة على لبنان الأشمّ، فمنذ أن خلقه الله وهو ساحة حرب وقتال، فهو يعاني منذ أيام أدونيس ويوروبا وقدموس وعشتار وعنات والبعل وغيرهم من الآلهة الذين ضرّجت دماؤهم أو أساطيرهم ثرى لبنان وأنبتت أرزه وصاغت مجده وبلورت خلوده!
هذا هو قدر لبنان، لبنان حيرام ملك صور، لبنان الأرجوان، لبنان الشعر والأدب والزجل والغناء، لبنان جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبي ماضي وسعيد عقل وغيرهم من آلهة الفكر.
لبنان شحرور الوادي وزغلول الدامور وموسى زغيب، لبنان وديع الصافي وفيروز الملائكة وماجدة الرومي وغيرهم الكثيرون من أرباب الفن الراقي الرفيع...
لبنان هذا، هو نفسه، لبنان الذي ذاق الأمرّين، فأيّ غازٍ من الغزاة الذين مرّوا بين قارّات العالم القديم الثلاث، أو قارّات العالم الجديد أيضاً، لم تطأ سنابك خيول جيوشه ثرى لبنان وتعيث فيه فساداً؟ ألفرس؟ اليونان؟ الرومان؟ العثمانيون؟ العرب؟ الفرنسيون؟ الأمريكيون؟ السوريون؟ من؟
ولبنان، ألم يقاتل أبناؤه بعضهم بعضاً وعلى مدار السنين والعقود والقرون؟ وكأنهم عندما لا يرزءهم الله بمحتلّ أجنبي غريب يُعمل سيوفه فيهم فتكاً وتقتيلاً فإنهم يشتغلون ببعضهم بعضاً، قتلاً وتشريداً وتدميراً؟
ولبنان إلى ما قبل وقت قليل، بل إلى يومنا هذا، ما هو حاله وما هي أحواله؟
برلمان شبه مشلول؟ جمهورية رئيسها يقف عاجزاً؟ أصحاب مناصب أزلية خالدة يتوارثونها أباً عن جدّ؟
لبنان الطوائف والشيع والديانات والأحزاب والميليشيات و"البسطات والدكاكين" السياسية بالإضافة إلى "المخاتير والمخترات" التي تجعل منه عشرين لبنان وأكثر...؟
ورغم كل ذلك ... بلد ليس لها مثيل في هذا الشرق كلّه: مهد للفنون والحضارات، ومنشأ للأبجديات، هكذا كان وهكذا سيظلّ سبّاقاً في كل مجالات العلم والمعرفة والفنون والجمال!
يخشى المرء للحظة أن لبنان سريعاً ما سيسقط ويندثر...
لكن لبنان لن يسقط أبداً، وحتى ولو سقط فسرعان ما سيقف منتصباً، لأنّه سرمدي، أزلي، أبدي، خالد... يندثر العالم ويختفي الكون وهو باق إلى أبد الآبدين، فهكذا كما يبدو شاء له الله أن يكون: حرب هنا وسلام هناك، نُواح هناك وغناء هناك، موت هنا وولادة هناك، قتل هنا وصلح هناك، فالطالح يتعايش مع الصالح في لبنان ليعيش الجميع في وطن واحد منقسم على ذاته ومنقسم إلى أوطان وأوطان.
ولبنان لن يقع ولن يتمزّق... وحتى لو حدث أسوأ ما يمكن أن يحدث فلسوف ينهض لبنان من سقوطه ويستعيد حياته وعافيته، أليس هو موطن الفينيق وبلد الفينيقيين أرباب التجارة والرحلات البحرية ومكتشفي العالم الجديد قبل سواهم ومورثي البشرية أسس العلوم والحضارة؟
ولبنان كالشمس، كشمس الوجود، إذا غربت في المساء فسرعان ما ستشرق في الصباح، لأن العالم الذي لا يعيش بدون الشمس لن يعيش بدون لبنان!
ألم تنشأ منه وفيه وعليه وعنه أسطورة الفينيق؟ أليس الفينيق هو ذلك الطائر الذي يحترق ويتحول إلى رماد، ثمّ سرعان ما ينبعث حياً من وسط الرماد؟ أليس لبنان هو الفينيق، والفينيق هو لبنان؟
ويحكى أنه "عاش طائر الفينيق في الجنة... وبعد أن نيَّف على الألف ربيع ... أراد أن ينزل إلى الأرض ليرى كيف يعيش الناس... واستوقفتْه رائحة اللبان والبخور الصنوبري المنبعثة من جبال لبنان، فبنى عشَّه على أعلى شجرة أرز من اللبان والمرّ والعنبر، وعندما لاحت خيوط الشمس، شاهد شروقًا لم يبصر له نظيرًا في جميع أسفاره، فبدأ ينشد الأغاني السماوية بصوته العذب الملائكي، وعندما سمعه إله الشمس، خرج إليه وهو على عربته التي تجرُّها أربعة أحصنة نارية ليشكره، وأراد أن يريه آلام الناس، نقل إله الشمس لطائر الفينيق صورة حية وحسية عن الحياة الأرضية، بدأ الطائر الألفي في الصراخ من الغضب والألم لما أحس به من عذاب وظلم بين الشعوب، وبدأ يضرب بجناحيه داخل العش، فبدأ العنبر يطلق ومضات ولمعات، أجفلت الأحصنة، وضربت بحوافرها بقوّة، فطارت شرارات نارية إلى العش كانت كافية لإحراق الفينيق في داخله،... فاحترق ...مشاركًا الشعب في آلامهم وعذاباتهم، وتحوَّل إلى رماد..."
و"خرجت بيضة من تحت الرماد، وكبرت، ثمّ خرج منها جناحان، بعدها عاد الفينيق حيًّا، فحمل عشَّه البخوري، وطار به إلى مدينة الشمس، وقدَّمه على مذبح الإله، ثم طار إلى الجنة، لكنه فضَّل أن يعود ويموت في أرز لبنان على أن يبقى في الجنة السماوية إلى الأبد... يموت الفينيق ويُبعَث حيًّا من رماده، ويُحيي من رماده ويشفي من دمعه،... إذا بكى على أيِّ جرح يبرأ، وإذا مرَّ، ترك وراءه رائحة المر واللبان، وعند موته ينتظرونه ليُبعَث حيًّا، وتطغى البهجة والفرحة على الشعب الذي يعلم أن طائر الفينيق يجول في أرضه ويحميه... وسيكون ملكًا على الأرض كلِّها..."
هذا هو لبنان!
فلبنان هو الفينيق!
والفينيق هو لبنان!
07/08/2020 11:51 am 4,553
.jpg)
.jpg)