كنوز نت - بقلم  : النائب امطانس شحادة


هناك لحظات توجب على السياسي الاعتراف أنه قد اخطأ التقدير.

نعم لقد أخطأنا التقدير.


أخطأنا عندما قبلنا فرض الاغلبية في المشتركة من قبل الإسلامية والجبهة والعربية للتغيير في موضوع التوصية على چانتس. وأخطأنا كذلك لأننا لم نعلن مسبقًا عدم نيّتنا المشاركة في التصويت على قانون منع العلاج القسري للمثليين، لا لشيء، ولكن لأننا لم نتوقع أن يتحوّل الموضوع لقضية رأي عام حول مع او ضد المثليين، لأنه ببساطة ليس كذلك. 

أعلم جيدًا أن الغالبية العظمى من مجتمعنا العربي الفلسطيني في الداخل، على مختلف انتماءاته العقائدية والدينية، ترفض المثلية الجنسية لأنها تقع محظور عقائدي وديني عمرة الاف السنين، وهذا لم ولن يمنعني في يوم من الايام، لا كباحث أكاديمي ولا كسياسي أن ارفض التمييز ضد أي شخص، مهما كان دينه أو عرقه أو جنسه أو ميوله. لا يمكن أن أكون ضد المساواة أو ضد الحقوق الفردية والحريات الشخصية والديموقراطية. أرفض العنف والتعنيف ضد أي إنسان أو إنسانة بسبب اختياراته وهويته الشخصيّة، فبوصلتي هي حقوق الإنسان، كل إنسان، وفي المقدمة حقّه في الحياة الآمنة وفي الرأي والمعتقد والعبادة، خاصة أننا أقلية في وطن كانت ومازالت ضحية التحريض والعنصرية والتمييز والعنف وأبشع أنواع الجرائم.  

تحويل موضوع القانون لدعم أو رفض المثلية هو بدعه أرادها البعض لمكسب سياسي داخل المشتركة، فالموضوع مركب وليس قطعي المعنى، نعرف الادعاءات التي تبرر دعم اقتراح القانون وتلك التي تبرر معارضته، ونعي تمامًا حساسية موضوع المثلية الجنسية لدى مجتمعنا ونعرف النقاش الحاد القائم، والموجود أيضا داخل حزبنا. وأنا شخصيًا أحترم كل الآراء والنقاشات ولو أختلفت مع بعضها. وفي ظل هذه التعقيدات قررنا في التجمع الامتناع عن التصويت، ولو كنت شخصيا أرفض استعمال علاجات قسرية من المجال النفسي أو الطبي عليها جدل واسع، وليست ذات حدود معرفة، فلا يمكن فرض علاج على أي شخص كان. 

عدم التصويت لا يعكس أي موقف او قناعات تجاه حقوق المثليين والمثليات. لكل منا قناعته ومعتقده وحريته. القانون الذي امتنعنا عن التصويت عليه هذا الأسبوع ليس قانون المثليين أو قانون "الشواذ" كما وصفه البعض، بل هو قانون يأتي ضمن الصراع بين الحريديم والعلمانيين وبين بقايا اليسار واليمين في إسرائيل لمنع العلاج القسري للمثليين. هذا هو القانون وليس أي شيء آخر، وهو أصلًا غير قائم وغير متبع في مجتمعنا العربي. نحن نرى أن القانون هو محاولة لحسم النقاش داخليًا بين التيارات الحريدية والعلمانية أو الليبرالية، وأن قضايانا وأولوياتنا مختلفة في المجتمع العربي.


لماذا بدأت بالاعتراف بالخطأ في موضوع التوصية على چانتس؟ لأنه بعد هذه الواقعة، وبقدرة قادر، اختفى موضوع قرار الاغلبية داخل المشتركة في المواضيع المبدئية، وحلت مكانها حرية الحملات الاعلامية التشويهية ضد الشركاء. 

ولذلك أرى أيضا أهمية في توضيح تصرف المشتركة تجاه هذا القانون، وقد غاب هذا الجانب عن النقاشات العامة والإعلام، بسبب احتدام النقاش وجره الى مناطق غير صحية وغير دقيقة ومرفوضة في الكثير من الحالات.
المشتركة لم تناقش اقتراح القانون بشكل جدي ومعمق، ولم يُعرض الموضوع وكأن تصويت المركبات هو خط أحمر لدى أي من الأطراف، بل جاء القرار لصالح حرية التصويت. أعتقد جازمًا بأنه لو تم عرض الموضوع بالحدة والخطورة والحساسية التي تبينت بعد التصويت، لكانت المشتركة قد عرفت كيف تجد الترتيبات والاتفاق على كيفية التعامل معه، وكيفية إخراج الأمور الى حيز التنفيذ، كما فعلنا في حالات أخرى. نقول دائمًا بأن هناك خلافات عديدة بين مركبات المشتركة، لكننا نعرف كيف نجد أدوات التعامل الصحيحة مع هذه الاختلافات. الا أن هذه المرة قد حصل خلل واختلف تصرف بعض المركبات. وأنا اعتقد أن ذلك لم يكن محض الصدفة، بل نتج عن رغبة بعض مركبات المشتركة تصدير ازماتها السياسية الداخلية للمشتركة والمجتمع، خاصة بعد تبدد أوهام التأثير والمشاركة في صناعة القرار على أثر الخطأ الكبير في التوصية على غانس والأجواء التي بثتها بعض المركبات حينها. 

أي أن فشل بعض المشاريع السياسية دفع الى اختلاق أزمة في الجانب الاجتماعي، كونه الاسهل لهم. ناهيك أن تغييب النقاش السياسي الجوهري الحقيقي، ومحاولات خفض السقف السياسي للمشتركة والتركيز في القضايا اليومية والمعيشية، يؤدي في نهاية المطاف الي افتعال ازمات في الجوانب الاجتماعية.  

أنا على قناعة تامة أنه كان بالإمكان التعامل مع القانون بشكل مختلف، والتفاهم داخل المشتركة كما نفعل في خلافات اخرى. نختلف على العديد من المواضيع لكن نعرف كيف نتعامل مع هذه الخلافات.


وهذه المرة أخفقنا فعلًا.