كنوز نت - بواسطة ركاز  فاعور 


انهم يستهدفون الثقافة والهوية والرواية والوجود الفلسطيني


بقلم :- راسم عبيدات


الهجمة على المؤسسات الثقافية في مدينة القدس،مركز يبوس الثقافي ومعهد الفنون للموسيقى - ادوارد سعيد وشبكة شفق،التي قامت بها اجهزة وأذرع الإحتلال المختلفة امنية وشرطية وضرائبية،واعتقال مديري المؤسستين السيدة رانيا الياس وزوجها سهيل خوري والتحقيق معهما لعدة ساعات وتمديد اعتقال منسق شبكة شفق الناشط داود الغول،يؤكد بأن المحتل لا يريد ان يرى في المدينة أي شكل من أشكال الوجود الفلسطيني ولا تعبيراته السياسية ولا الثقافية ولا الفنية ولا الإقتصادية ولا الفكرية ولا الدينية،وقد استبق الإحتلال عملية الدهم والتفتيش ومداهمة المؤسستين واشاعة الخراب فيهما ومصادرة العديد من الوثائق والملفات والأجهزة،بعملية اعتقال محافظ القدس الأخ عدنان غيث ونقله لمركز التحقيق الخاص في " الشاباك"،وبما يوحي هذه المرة بأن الإعتقال لا يتعلق بما يسمى خرق اتفاقية قانون الوسط الذي يمنع السلطة الفلسطينية من العمل في مدينة القدس،وبالعودة الى مداهمة مؤسستي يبوس ومعهد الموسيقى،والأجهزة المستخدمة في عملية الإقتحام،تؤشر الى أن المحتل يبحث عن أي ثغرة تمكنه من اغلاق المؤسسستين،فهو في أكثر من مرة داهم مؤسسة يبوس واستدعى مديرتها للتحقيق وصادر اجهزة وملفات،وحاول ايجاد ثغرة تمكنه من سحب ترخيصها بحجة وجود خلل في عملية التسجيل وفرض عليها ضرائب خيالية ،ضريبة المسقفات " الأرنونا"،بعدما فشل في اغلاق تلك المؤسسة تحت حجج وذرائع العلاقة مع السلطة وقوى وأحزاب فلسطينية،ولذلك جاء هذا الإستهداف وبهذا العدد من اجهزة وأذرع الإحتلال،فلربما يجد له منفذاً في تبرير اغلاقها،منفذاً يحميه من الإنتقادات الدولية التي قد توجه له على خلفية قيامه بإغلاق هاتين المؤسستين،واذا لم ينجح فهو يريد خلق حالة بلبة في المجتمع المقدسي،بأن عملية الدهم والتفتيش والتحقيق تتعلق بجرائم اقتصادية وتهرب ضريبي وغسيل أموال...


الإستهداف لتلك المؤسستين في مدينة القدس مرتبط بعقلية الإحتلال التي ترفض أي وجود وطني سياسي فلسطيني في مدينة القدس،والمحتل يدرك الخطر الكامن في وجود مؤسسات ثقافية فلسطينية في قلب مدينة القدس،تتعامل بشكل اساس مع الفئة الحية من أبناء شعبنا من شبان/ات وفتيان/ات واطفال،فؤلاء هم عماد المستقبل،ومن يتوقف عليهم حماية الثقافة والموروث الثقافي والرواية والهوية الفلسطينية،محتل كان يعتقد قادته التاريخيون الكبار أمثال بن غوريون،بأن كبار شعبنا سيموتون وصغاره سينسون،وسيتم "أسرلة" و"كي" و"صهر" و"تطويع" أبناء شعبنا والسيطرة على ذاكرته الجمعية وبرمجتها وبما يتفق والرواية الصهيونية للتاريخ، ولذلك هو ينظر بخطورة عالية لوجود مثل هذه المؤسسات الثقافية التي تلعب دوراً تعبوياً وتوعوياً وتثقيفيا عند الجيل الشاب من أبناء شعبنا الفلسطيني،في اثبات زيف الرواية الصهيونية،رواية تقوم على نفي وجود الأخر ومحاولة شطب هويته القومية وتاريخه الممتد في جذور هذه المدينة كجذور زيتونها المتجذر في أقصاها وقيامتها..إحتلال يرى بأن مشروعه للتطبيع وتطويع المجتمع المقدسي ودمجه في المجتمع والإقتصاد الإسرائيلي يفشله وجود مثل هذه المؤسسات الممسكة بهويتها ودورها الوطني والثقافي والفني الملتزم،إحتلال يزعجه مؤسسات مقدسية،تشكل عائقاً امام ما يهدف اليه من تطبيع ثقافي وفني مع العالم العربي،فالأفلام التي تعرضها مؤسسة يبوس أو الندوات والمحاضرات التي تعقدها تؤكد على رفض التطبيع،وكيف لمحتل ان يقبل بوجود مثل هذه المؤسسات المقدسية التي تحمل موقف وتتمسك بمبدأ وثوابت،وتعتبر ان وجود هذا المحتل في مدينتنا غريب،وليس له علاقة بواقعها ولا تاريخها ولا تراثها ولا هويتها وحضارتها.


الإحتلال في دهمه وتفتيشه والعبث بممتلكات المؤسستين واعتقال إداراتها والتحقيق اكثر من مرة معهم يريد أن يوصل رسائل الى المجتمع والمؤسسات المقدسية،بأن كل المؤسسات المقدسية في دائرة الإستهداف ثقافية،فنية اجتماعية،نسوية ،شبابية،وغيرها،لأنها تشكل النقيض لوجوده وسيطرته على المدينة،فهو لا يرد رؤية مثل هذه المؤسسات،يريد رؤية مؤسسات من امثال المراكز الجماهيرية والشرطة الجماهيرية ولجان العشائر المرتبطة به ولجان تجار او مؤسسات نسوية مرتبطة ببلديته وشرطته وأذرعهما المختلفة.



رسائل المحتل الأخرى أيضاً واضحة،فهو عبر أجهزة مخابراته ووزارة خارجيته يحرض ليل نهار على المؤسسات الفلسطينية،ويدعو الدول الأوروبية والإتحاد الأوروبي الى عدم تمويل تلك المؤسسات الفلسطينية الموجودة في الضفة والقطاع والداخل الفلسطيني- 48 – والقدس،تحت حجج وذرائع بأن لعدد من العاملين فيها ما يسميه علاقة بالإرهاب،أي المقاومة الفلسطينية،شعب منذ إحتلال عام 1967 دخل سجون الإحتلال ما يقارب المليون منه،يرى بأن عمل اسرى سابقين في تلك المؤسسات إرهاباً،ولذلك وجدنا حملة قوية تقودها وزارة الخارجية الإسرائيلية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية تحرض على تلك المؤسسات،وتطلب من الإتحاد الأوروبي عدم تمويلها،هذا الإتحاد الأوروبي،الذي خضع للشروط والإملاءات الإسرائيلية بدأ يوائم تمويله مع الشروط والمتطلبات الإسرائيلية،حيث اضاف ملحقاً في اتفاقية التمويل للمؤسسات الفلسطينية،ليس فقط بان عليها التحقق من المستفيدين،بل هناك تجريم واضح لنضال ومقاومة شعبنا الفلسطيني والعديد من تعبيراته السياسية من قوى وأحزاب فلسطينية،شكلت طليعة نضال شعبنا الفلسطيني وشاركت في قيادة مقاومته ومشروعه الوطني،ولعل تلك المؤسستين كانتا من المؤسسات الفلسطينية المبادرة في رفض قبول المال المشروط والتوقيع على شروطه الأوروبية،ولذا الإحتلال لا يرحب ولا يرتاح لوجود مثل هذه المؤسسات في قلب مدينة القدس،ولذلك يضع استمرار وجودها وعملها في المدينة على قمة جدول اعمال حكومته وأجهزته الأمنية.


نعم نحن في مدينة القدس نتعرض مع إقرار ما يسمى بصفقة القرن الأمريكية،وإقرار مبدأ الضم فيها الى حرب اسرائيلية شاملة يستعجلها الإحتلال لفرض سيادته على القدس وإنهاء قضية القدس،ولذلك نشهد تجليات هذه الحرب الصهيونية الشاملة على شعبنا يومياً من خلال هدم المنازل وتوزيع الإخطارات بالهدم والإبعادات عن الأقصى والبلدة القديمة والقدس لمدد طويلة،والإعتقالات الواسعة والحبس المنزلي الليلي وتكثيف وتصاعد وتائر الإستيطان والمشاريع والمخططات الإستيطانية وغيرها،ولذلك لا مناص امامنا نحن المقدسيون سوى وحدتنا وتعزيز لحمتنا وتمتين وتصليب جبهتنا الداخلية،فهي التي تحمي وجودنا وثباتنا في قدسنا وبقاءنا على أرضنا.


فلسطين – القدس المحتلة
23/7/2020