كنوز نت - كتب الدكتور سمير محمد ايوب  


أياصوفيا ، ملهاة جديدة : إضاءة على المشهد في فلسطين   



بالتزامن من ملهاة ضم الاغوار الاوسلوية ، وملهاة طرد الفلسطينيين من لبنان ، هناك ملهاة ثالثة ينفذها قرصانٌ سلجوقيٌّ ، بكل ما تحمل الكلمتان من معان سلبية . قرصان ما برح يقدم نفسه للعرب وللمسلمين ، عبر منظومة من المريدين ، ، على انه خليفة أو سلطان بديل عن بعض متصدري الصفوف في مَواطِن العرب .

بعيدا عن كل ما قيل حول قفزة خفية ما ، مكنته من تجاوز معلمه نجم الدين اربكان ، الذي ما تزال الشكوك ، تحوم بقوة حول موته ، وبعيدا عن كل ما يقال عن تراخيص بيوت الدعارة وشطآنها في تركيا ، وبعيدا عن عضويته في حلف الناتو وقواعده في تركيا ، وبعيدا عن زيارا ته العلنية للعدو الصهيوني ، ووضع اكاليل الورد على النصب التذكارية للمحرقة والجندي المجهول ، وبعيدا عن التنسيق الشمولي مع العدو الصهيوني ، وعن مسرحية الباخرة التركية " مرمرة " التي قتل الصهاينة فوقها مواطنيه الاتراك ، والمصالحات والمقايضات التي تمت على دمهم ،

وبعيدا عن غزوه واحتلاله بقوة الحديد والنار والدمار والسلب والنهب ، لاراض عربية في كل من العراق وسورية وقطر وليبيا ، وبعيدا عن متاجرته الكيدية المكشوفة بدم الخاشقجي ، وتوظيفه وثائق تلك الجريمة ، في تصفية حساباته التركية مع السعودية ،( علما بأنهما اسوأ من بعضهما البعص ، ومرجعيتهم الكبرى والمتوسطة وحتى الصغرى واحدة وكذلك واغراضهم التدميرية في المنطقة برمتها ) فوق الاراضي الليبية والقطرية . وبعيدا عن مشانق هبة الكرك ومشانق دمشق ورصاص مكة ،

بعيدا عن كل هذا وغيره الكثير ، انتظرت طويلا وترددت اكثر ، قبل أن اسهم في الكتابة عن قرصنة أيا صوفيا ، الى ان تأملت كثيرا في ما كتبه صديقي نارام سرجون ، فقررت تبني الكثير مما يقول : فأنا مثله قد فشلت في اقناع نفسي ، بصحة وسلامة ما تروجه عنه منظوماته الاعلانية والاعلامية ، من انه يعمل مخلصا وبعيدا عن الاستعراضية الشكلانية ، لقضايا العرب وفي المقدمة منها فلسطين ، او حتى لأي من قضايا المسلمين على العموم .
ليس لانني أكرهه ، بل لحزم من الشبهات تلف كل علاقاته بقضايا العرب . انطلاقا من كل ما سبق ، أقارب اليوم ، حزما من الشبهات الفاقعة تحوم حول ملهاة كنيسة اياصوفيا .

كل العالم يعلم أن أيا صوفيا ، صرح تركي مسيحي أرثذوكسي . لم يبنه سلاطين آل عثمان ، بل بالترهيب وبالترغيب ، استولوا عليه بكل ما فيه ، تماما كما يفعل الصهاينة الآن ، مع مسجد خليل الرحمن والمسجد الاقصى وغيرها من مساجد وكنائس وبيوت عبادة .


أذكر من يصفقون لهذا السَّبْيِ المُهين ، ببكاء المسلمين عندما حوَّلَ الفِرَنْجة الغُزاةُ ، المسجد الأقصى إلى إسطبل لخيلهم . وأذكِّرُهم بألَمِ المسلمين وحزنهم ، عندما سَبا الإسبان مساجدهم وقصورهم التي بنوها في الاندلس ، وحوّلوها بالقوة المادية ، إلى كنائس دون أن يكترثوا بمشاعر المسلمين ، الذين غادروا اسبانيا ، تاركين فيها صلواتهم وأدعيتهم .

لاأدري إن أجازالحَوَل السياسي أو الطائفي أو المذهبي في عيون البعض ، جريمةَ أيا صوفيا ، بأيِّ وجهٍ سيُدافعون ( إن دافعوا ) عن ملكية العرب للمسجد الأقصى وكنيسة القيامة ومسجد خليل الرحمن ، بل وعن أوقاف اليهود في خيبر وبني قريظه والقنيقناع ؟! فقد تم سبيُ القدس وخليل الرحمن بقرار إداري سياسي . فليس قرار ترامب وحده ، هو من منح القدس وكل فلسطين للعدو الصهيوني . بل هو قرار صارخ لمتصهينين من العرَبِ والغربِ ، يعترفون فيه بملكية المحتل .

لا أستبعد أن تكون ملهاة أياصوفيا ، منسقة مع المحتل الصهيوني . ففي هذا التوقيت غير البريء ، بعد مرسوم ترامب باهداء القدس للصهاينة ، يستميت العدو لتهويد كل فلسطين والقدس درتها . من مصلحته ان تتحول كل المنطقة ، الى نموذج سياسي طائفي يحتذى ويقتدى به . فالعدو الصهيوامريكي ، يؤجج الصراعات الدينية والإثنية في المنطقة ، ليقول بأن الشرق كلّه ، يعيش حالة دينية ومذهبية وإثنية متورمة . تساعدهم في قرارات التهويد ، وتبرر لهم الاستيلاء القادم على المسجد الاقصى وهدمه وغيره من بيوت الله . سيفعلها العدو بقرارات قضائية او ادارية كما فعل السلطان اردوغان ،وهو يظن انه لن يلاقي الكثير من الدهشة والشجب والغضب في العالم ، لأن " مسلما " في تركيا ، قد فعلها قبلهم ، وقهرملايين المسيحيين في العالم .تذكروا فيما ستتذكرون ان كثيرا من العنتريات يُدفَع الباهظ من أثمانها لاحقا .

أيا صوفيا الحزينة ، أنا العربي المسلم إبن وادي النسناس في حيفا ، أعتز بأنني ممن لا يحترمون قرار العثمانيين الجدد ، بل وأخجل منه . ولايهمني لو حَصَلْنا على كل مساجد العالم ، أو حوَّلْنا كلَّ العالم إلى مساجد او تكايا ، طالما أننا نخسر القدس ودرتها الأقصى والقيامة ، أو أي حبة تراب في فلسطين ، او خارجها من أرض العرب .

أياصوفيا يا صامتة الأجراس ، يريد سلاجقة العصر عبر ملهاتهم الجديدة هذه ، رشوة بعض السّذّجِ من مسلمين بِكِ ، كبديلٍ لتضييع قريبٍ للأقصى . ولكن مهما فعلوا وهللوا ، ومهما كبّروا وسحّجوا ، فلن أصلِّيَ بكِ ، إلا كما أصلي في كنيسة القيامة في القدس ، وفي كنائس الناصرة ، وغزة العزة . سأتضرع إلى إلهِ كلّ الناس ، لو ارتفع فيك آذانٌ أوتكبير . فلايليق بك إلاّ أنْ أقول من هناك : المجدُ للهِ في عُلاه ، وفي الناس المسرّة ، وعلى الأرض السلام .
أنا العربي المسلم ، أمُرُّ الآن بلحظاتِ حزنٍ غاضبٍ من هذا التصرف الأرعن . وأعبّرُ عنْ اعتذاري لكل مسيحيٍّ مُؤمنٍ مثلي بربّ كل الناس ، وتأثر بهذا التصرف .

وسيبقى في البال مرة ثانية وثالثة وألف ، أنَّ عُمْرَ الحيَّةِ ما بِتْصيرْ خَيَّه ، حتى لو بدلت جلدها تسعونُ مرَةً أو مِيَّة .