كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني


إسألوا وجاوِبُوا! كَيْفَ نُقَيِّم أنْفُسَنا بين السُّطُور؟

السَّلام والرَّحْمَةُ والشِّفاءُ والعافِيَةُ لَكُمْ مِنَ اللهِ أحْبابِي!


لَمَّا كانَتْ مَخْلُوقً صَغِيرً، صَغِيرً جِدَاً، يَكِدُّ وََيَتْعَبُ وَيُثابِرُ بإنْتِظامٍ بِلا تَراجُعٍ، وَتُتَمِّمُ دَوَرَاتِها دُونَ كَلَلًٍّ وَيأْسٍ، فَالعارُ كُلُّ العارِ لِِقسْمٍ كَبيرٍ مِنَّا.....! لِماذا ..... نَحْنُ لا نَغارُ؟ ..... وَنَبْقَى نَتَقَلَّبُ بِالْمِيزاجِ فَنَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ عَنْ التَنْسيقِ والإنْضِباطِ.....! وَلْيَكُنْ مَعْلُومٌ لَكُمْ أَيُّها الساَّدَةُ! أنَّ الأُمُورَ لا تُقاسُ بالحَجْمِ والكِبَرِ! إِنَّمَّا بِِجَوْهَرِها وَخُلاصَتِها!


أمَّا الفِكْرُ والمَنْزِلَةُ الَّتي لَنا إخْوَتِي! مِنَ العَقْلِ والقُدُراتِ يَفُوقُ مَا لَها بكَثيرٍ، لَكِنَّها هِيَ تَتَطَوَّرُ وتُراقِبُ وَتُلائِمُ نَفْسَها يَومَاً بَعْدَ يَوْمٍ، وَفِي كُلِّ فَصْلٍ مِنَ الفُصُولِ لا تَنْسى أَنْ تَرْعَىَ حاجاتِ جَماعَتِها وحاجاتِها دُونَ تَكَبُّرٍ وأنانِيَّةٍ، وإذا سَاءَ الحَالُ أَيُّها الأَعزاءُ! وآخْتلَطَ الحَابِلُ بالنَّابِلِ لا تَنْأَى بِنَفْسِها وتَرْبُِطُ مَصِيرَها دائِماً بالأخَرينِ حَتَّى فِي ساعاتِ الخَطَرِ، أَمَّا نَحْنُ أَصْحابَ الشَّأْنِ والعُقُولِ، أَنْفُسِنا نَأَيْنا، طُلِبْنا لِنَسْعى فَتَكاسَلْتا وسُئِلْنا الزَّواجُ فَتَثَقَلْنا وَتَرَدَّدْنا وَخِفْنا، وأُمِرْنا العِبادَةُ فَنَسِينا مَنْ لَهُ حَقٌ عَلَيْنا، وَلَمَّا تكَاثَرْنا وعَقِلْنا وكَبِرْنا، غابَ عَنَّا مِنْ أَجْلِ ماذا نَحْنُ تَناسَلْنا! مِنْ أَجْلِ مَاذا وُلِدْنا! ولِمَا بُعِثَ فِينا الرُّسُلُ والمُرْشِدُون....! أَليْسَ! لِنَكونَ أخْوَةً مُتَحابِّين، مُتَّحِدِين، نَتَعاوَنُ وَنُنْتِجُ وَنَبْنِي وَنُقيمُ الحَضاراتِ ونَكُونَ السَّائِدين! لَكِنَّنا يا مَنْ حَماكُم اللهُ! مِلْنا أزيدَ لِلْخِلافِ والتَّناقُدِ والتَّبايُنِ وَالعَداءِ فأصْبَحْنا هَكَذا مَوْجُودِينَ!


وَالأمُورُ أَيُّها القَوْمُ العَزِيزُ صاحِبُ العُقُولِ النَيِّرَةِ تَبْدَأُ مِنْ نواةِ البِذْرةِ! أَلاَ وهِيَ البَيْتُ، والحَالُ نَفْسُهُ عِنْدَها، فَهِيَ تَعِيشُ داخِلَ مَمْلَكَةٍ(بَيْتُها، قَرْيَتُها) تَحْوي علىَ مَجْمُوعاتٍ تُقِيمُ بَيْنَها التَّعاوُنَ والتَّنْسيقَ والتَّفاهُمَ والرُّأيَةَ المُشْتَرَكَةِ.


ولِلْتَذْكِيرِ إخْوتِي! فِي يَوْمٍ مِنْ الأَيامِ هَذِهِ النَّمْلةُ ذاتُها! عَلَّمَتْ تَيْمُور لِينْج الثَّباتَ والكِفاحَ والصَّبْرَ حَتَّى النَّجاحَ، وبِفَضْلِها ضَحِكَ سُلَيمانُ الحَكِيمُ وأَمَرَ سارِيَتَهُ بالوُقُوفِ، لَمَّا سَمِعَها تُنادِي أخَواتَها لِلْهُروبِ مِنْ جَيْشِهِ الجَرَّارِ، فَقَالَ اللهُ: "حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ"!


وَلِلْنَمْلَةِ بِمَشِيئَةِ اللهِ إخْوتِي! سُلُوكُ إجْتَماعِيُّ، يَدِلُّ علىَ أَنَّها خارقَةٌ تَعْمَلُ وَتَتَصَرَّفُ لمَصْلَحَةِ مُسْتَعْمَرَتِها بِفَضْلِ قُدْرَتِها حَلِّ مَشاكِلَ مُعَقَدَةً، فَتَميزُ بَيْنَ الصَّديقِ وَالعَدُوِّ، مِمَّا يَجْعَلُها مِنْ أكْبَرِ قِصَصِ النَّجاحِ فِي عَالَمِ الأحْياءِ، حَتَّى أَنَّها تَعْرِفُ مِنْ يَسْكُنَ مَعَها ومَنْ قَدِمَ دَخِيلاً مِنْ مَكانٍ أَخَرٍ، ناهِيكَ عَنْ خِبْرَتِها بِتَحْليلِ شِيفْراتِ السُّلُوكِياتِ الإجْتِماعِيَّةِ بَيْنَها لتَنْجَحَ وتَتَطَوَّرَ، وهَذا النَّشاطُ نابِعٌ عَنْ الواقِعِيَّةِ وَالتَّنْظِيمِ والتَّرتِيبِ عِنْدَها، والدِّقَةِ مَعَ الصَّبْرِ والإِسْتِمْرار ِ والإصْرارِ، وَلا سِيَّما التَّفْكِيرِ بِطُرُقِ التَّواصُلِ المُفيدِ فِي حَياتِها.



وَكَغَيْرِها مِنَ المَخْلُوقاتِ دَرَسَها العُلَماءُ وَأصْبَحُوا يُرْشِدُونَ النَّاسَ التَّعَلُّمَ من حَياتِها، فَهِيَ تَعِيشُ في قُرَى، وَلِكُلِّ مَجْمُوعَةٍ وَظيفَةٌ مُعَيَّنَةٌ، كالنَّحْلِ مِنْها الشَّغالاتُ، وَمِنْها الذُّكُورُ، والمَلِكَةُ، والمُهِمُّ أنَّهُ لا يَحْدُثُ خُرُوجٌ أوْإنْسِلاخُ أحَدُ النَّمْلاتِ عَنْ بَقِيَّةِ المُجْتَمَعِ، فَهِيَ تَعِيشُ مَعَاً وِفْقَاً لأمْرٍ مِنَ اللهِ تَعالى الَّذي خَلَقَها مُسَيَّرَةً، لتَعْبُدَهُ وتُسَبِّحَ لَهُ وَتَقُومَ بالتَّنْفِيذِ مَا يأْمُرَها بِهِ، ولهذا العِقابُ، أو الثوابُ، أو المُحاسَبَةُ على الأعْمالِ زائِدٌ، لأَنَّ اللهَ أسْقَطَ عَنْها ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ جَعَلَها مَسْلُوبَةَ القَرارِ والأختِيارِ فَتَعْمَلُ مَا تُؤْمَرُ! وَهَذا مَا يُعَدُّ الفارِقُ الوَحِيدُ بين الإِنْسانِ وَبَيْنَها، فَالسُّؤَالُ! هَلْ الحُرِيَّةُ عِنْدَ الإِنْسانِ المُخَيَّرِ ِأوْجَدَتْ الشُّذُوذَ وَالأخطاءَ، الَّتي تُفْقِدُهُ مِيزاتً مُهِمَّةً هِيَ تَلْتَزِمُ بِها، لَكِنَّهُ هُوَ مَنْ يَتَخَطَّى كُلَّ القَوانِينِ وَيَعْصِي أَمْرَ اللهِ!


ما أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ وأفْصِحَ عَنْهُ لِنَصِلَ لِلْحِكْمَةِ، بَسِيطً جِدَاً! فَلَوْ أجْرَيْنا مُقارَنَةً بَيْنَّ الأِنْسانِ صاحِبُ العَقْلِ وَحُرِّيَةِ الأخْتِيارِ والقرارِ، وبَيْنَ هَذِهِ الكائِناتِ الصَّغيرةِ، لَوَجَدْنا بَعْدَما ذَكَرْنا مَا أَخَذَ كُلُّ على نَفْسِهِ مِنْ الأَمانَةِ أَمامَ اللهِ ، أَنَّ التَّشابُهَ كَبيرٌ مَعَ إخْتِلافاتٍ بَسِيطَةٍ غَيْرِ مَبْدَئِيَّةٍ، وأَنَّ زَمَنَ التَّعالِي قَدْ وَلَّى وَغَيْرُ قائِمٌ، فَالْكُلُ مِنَ الخَلْقِ للعِبادَةِ وُجِدَ بِطَريقَةٍ حَدَّدَها خالِقُ الكَوْنِ اللهُ جَلَّ جَلالَهُ، وهَذا دَلِيلٌ على قَولِهِ تَعالَى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ"، وقولِهِ سُبْحانُهُ: "طَهَ، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى".


وفَّقَنا سُبْحانُهُ لِنْدرِكَ سُهُولَةَ الأَمْرِ، فَنَعْبُدُهُ ونُؤَدِّي واجِباتِنا بصِدْقٍ وقَناعَةٍ، وَعَدَمِ الشَّكْوَى والتَذَمُّرِ، إنما بِقُبُولِ الحَالِ عَنْ رضاءٍ، فيَكُونُ مُتاحٌ لَنا الشُّعُورَ بِلَذَّةِ الحَياةِ، ونُطَبِّقُ فِعْلاً مَا أَخَذَنا علىَ أنْفُسَنا عَهْدَاً، لِقَولِهِ تَعالَى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً".


فَإلى مَتَى نَبْقَى بِهذا الإِنْحِطاطِ فِي السُّلُوكِيَّاتِ؟عَرَبً ويَهُودً وأجانِبً، وَلا نَتَّعِظُ مِنْ مَخْلُوقاتٍ وحَيَواناتٍ كَثيرَةٍ، النَّاسُ أنْفُسُهُم يُصَرِّحوُن إِنَّ التَعامُلَ مَعَها هُوَ أهْوَنُ وأفْضَلُ بِكَثيرٍ، وَلِهذا أصْبَحَتْ الكِلابُ والقِططُ والطُّيورُ والأسْماكُ والحَيَواناتُ فِي حَدائِقِ الحيوانِ والبِرَكِ، مُحَبَّذَةً أَكْثرَ للإِنْسانِ مِمَّا مَعَ الإِنْسانِ الَّذي يَهِمُهُ وَيَعْنِيَهِ التَّسَلُّطَ وَالعَداءَ.


سَلامٌ عَليكُم إخْوتِي! فَكُلُّ واحِدٌ مِنْكُم يُمْكِنُهُ أَنْ يَقْرَأَ ويَسْتَفيدَ بأعْمالِهِ مِمَّا ذُكِرَ، وَلعَلِّي أنَْصَحُ لِوَجْهِ اللهِ حَضَراتَكُمْ لِتَكُونُوا مِمَّنْ يَسْمَعُون القَوْلَ وَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ!


بِرِعايَةِ اللهِ أتْرُكُكُم وَالسَّلامُ عَليكُمْ ورَحْمَتُهُ تَعالَى!