“يرتدي دشداشة وله لحية”، وتكفير الذات الإلهية 

عبد الحكيم مفيد 

ليس أسهل في أيامنا من تحميل الجريمة مفرداتها التي تكفي لوحدها للخروج بأية نتيجة تريد، خلال دقائق.

 ولأن المسألة لا تخضع لأي تحقيق أو غوص في العمق، ولأن شبكات التواصل جاهزة لنقل أي كلمة، فلا تحتاج أكثر من “دشداشة” و”لحية طويلة” لشخص قادم من “دولة قريبة”، ليصبح الموت على قد الحال، ليس ملطخا بالدماء فحسب، بل بكل أنواع الكلام الذي أصبح مؤخراً لا يحتاج إلى أكثر من بعض مصطلحات جاهزة من قاموس بُنِيَ بعناية فائقة لا يحتاج إلى طول تفكير وعناية بحث، ما زال المعني يرتدي “دشداشة” وله “لحية طويلة” وقدم من بلد مجاور.

اعترف أولا ورغم متابعتي المضنية للعالم العربي في السنوات الأخيرة، أنني سمعت لأول مرة باسم ناهض حتر قبل أيام، في يوم اغتياله، ولا أدري إن كانت المسألة نابعة من قلة دراية وقراءة أو من فقر ثقافي، لكن سأعترف أيضا أنني لم أندم، رغم توصيف البعض بأنه “مفكر عميق” و”مميز”، أما توصيفه بـ “شهيد الكلمة والموقف”، فهذه مسألة سأتركها لأصحابها ولله في خلقه شؤون.

سأختار العودة مرة أخرى لذات “الدشداشة ” و”اللحية” التي اختار الإعلام أن يخرجها من قاموسه عندما تحدث واصفا الرجل الذي اغتال حتر، وبكونه قادم من “دولة مجاورة”، ولأن حتر من أنصار النظام السوري، فإن المسألة تتخذ سياقا مختلفا، مع الهمز والرمز واللمز في ذكر هويته الدينية وبأنه نصراني، فإن حالة القتل تصبح على خلفية مختلفة للغاية، وليس على رسم كاريكاتير يمس بالذات الإلهية، وتدخل مسألة المس بالذات الإلهية مقابل الممانعة والمحور الأمريكي، فتضيع المسألة في سياق مقايضة كاذبة، وتختفي من التفاصيل مثلاً فاشية حتر وموقفه من الفلسطينيين في الأردن، بالضبط كما اختفى حصار غزة من حسابات نظام السيسي في مصر، ومثله جرائم وإبادة النظام السوري لمخيم اليرموك.

السهولة في استعمال مصطلحات

فما زالت “داعش” حاضرة، وصارت جحافلها “في كل مكان”، فالمسألة لا تحتاج الى أكثر من “دشداشة” و”لحية” و”دولة مجاورة” لتصبح كل الأشياء الأخرى هامشية، تحقير الذات الإلهية التي صارت جزءا من “حق التعبير” وحرق حلب بقنابل روسية الصنع والفعل، وتشريد ثلث دولة، والتجويع والحصار، كل هذه تسقط عندما تحضر “لحية” و”دشداشة”، هي بالضبط مثل الأشرطة الدموية التي يتخللها حفل من الذبح والإبادة التي يتداولها الناس عبر شبكات التواصل.

لن أدخل في أفلام الدعدعشة التي لها وظيفة واحدة، وهي تبرير حجم الجريمة التي يرتكبها نظام الموت بالشراكة مع روسيا وأمريكا وإيران وحزب الله، ولكن مرة واحدة بودي أن أعرف، هل موت الشعب السوري وإبادته وتشريده هي مسألة غير مهمة إلى هذا الحد، عندما يكون بفعل النظام ومن حوله ومعه؟، وهل لا يستحق الشعب السوري الذي يموت بقنابل إبادة روسية بيان شجب واستنكار وتنديد وتحذير كما حتر؟


هذا سؤال أخلاقي بالدرجة الاولى، لا يمكن الهروب منه حتى لو تم استعمال كل مصطلحات التدعيش والمقاومة والممانعة، وهو بالضبط مثل إهانة الذات الإلهية وهو أمر لا يخص “الإخوانجية الداعشية”، كما يصف البعض الحالة بخبث وتضليل وكذب.

ثم نريد أن نعرف وبوضوح وبدون تحايل على الحالة، هل إهانة الذات الإلهية تقع ضمن “حرية التعبير عن الرأي”؟

وهل يعتقد من يختبئ خلف المصطلحات أنه بالإمكان فعل ذلك دون أن يكون ملزما بتفسير ذلك، لأن الناس لم “يفهموا” مقصود حتر ؟

لماذا عندنا لا يفهم الناس المقصود، مع أنه كان واضحا لملايين ولم يفهموه ويفسروه إلا في سياق “إهانة الذات الالهية”؟

نؤكد أن القتل مرفوض، ولكن أيضا لن نسمح بإهانة والمس بأي رمز مقدس، فكيف إذا كان الأمر يخص المولى عز وجل؟

من يريد أن يحبس الحالة ب”دشداشة” و”لحية” بإمكانه أن يفعل ذلك، من يعتقد أنه قادر على استحضار مصطلحات من قاموس، تمت صياغته خصيصا وبعناية فائقة، يرميها في وجوهنا في كل مرة أيضا بإمكانه أن يفعل، من يرغب بالاستمرار بالاختباء خلف “مقاطع “مؤثرة إجرامية لداعش فلن نمنعه، حتى وإن صفق للطيارين الروس وهم يدمرون بلاده بعد شرب كأس من الفوتكا، بالشراكة مع داعش، فليصفق .

لكن في ذات الوقت، حتى وإن بدت الأمور بالنسبة له هامشية وبسيطة، مثل تحقير الذات الإلهية، لأنها لا تعتبر بالنسبة له هامة، بالنسبة لنا من لا يهمه تحقير الذات الإلهية، فلن يهمه حرق حلب، ولا ذبح الأبرياء بالسكين، ولا طيار روسي يحرق بلاده ويصفق له.

بالنسبة لنا الأمر واضح للغاية، المقاوم والمناضل الحقيقي لا يقف إلى جانب من يحقر الذات الإلهية، بالنسبة لنا الله أولا وقبل كل شيء، هذه مسألة قد لا تكون واضحة ومفهومه بالنسبة لهؤلاء.

فهل يترك الإنسان مولاه؟، الله مولانا ولا مولى غيره لنا، وهذه الأخيرة عقيدة وسياسة.