كنوز نت - بقلم رانية مرجية



على أبواب الذكرى: سميح القاسم… حين يصبح البقاء قصيدة
  • بقلم رانية مرجية

ليس أصعب ما في رحيل شاعر كبير أن نفتقد صوته، بل أن نكتشف، بعد رحيله، كم أصبحنا بحاجة إليه.

وهكذا يبدو لي سميح القاسم اليوم.

اثنا عشر عامًا مرّت على غيابه، منذ التاسع عشر من آب/أغسطس 2014، لكن بعض الأصوات لا تدخل الماضي مهما ابتعد الزمن. تظل معلقة في الوعي، تستدعى كلما ضاقت اللغة، وكلما احتجنا إلى كلمة تقول ما نعجز عن قوله.

وسميح القاسم واحد من هذه الأصوات.

لذلك، وأنا أكتب عنه في ذكرى رحيله، لا أريد أن أستعيده بالطريقة التي تستعيد بها المناسبات شعراءها: ألقابًا محفوظة، وسيرةً مختصرة، وعبارات رثائية سرعان ما يطويها النشر.

أريد أن أقترب منه من السؤال الذي أراه أكثر التصاقًا بتجربته:

ماذا يعني أن تبقى؟

كان القاسم شاعرًا، لكنه كان أيضًا شاهدًا.

ولد في الزرقاء عام 1939 لعائلة فلسطينية من الرامة في الجليل، وعاش في فلسطين، وانخرط مبكرًا في الصحافة والعمل السياسي والشعر، ورفض التجنيد الإلزامي، وتعرض للاعتقال والإقامة الجبرية بسبب مواقفه. هذه التفاصيل ليست هامشًا في سيرته؛ لأنها تفسر شيئًا من جوهر تجربته: لقد عاش القضية في تفاصيل الحياة، لا من مسافة تسمح بتحويلها إلى موضوع أدبي فقط.

كان الوطن بالنسبة إليه أكثر من جغرافيا.

كان امتحانًا للهوية.

وكانت الهوية أكثر من اسم.

كانت حقًا في أن تقول: أنا أنا، وهذه حكايتي، وهذا مكاني.

لهذا لم يكن القاسم يكتب فلسطين من خارجها. كان يكتبها من داخل امتحانها اليومي؛ من المكان الذي بقي فيه، ومن اللغة التي تمسك بها، ومن الذاكرة التي أدرك مبكرًا أنها ليست مجرد سجل للماضي، بل إحدى وسائل البقاء في الحاضر.

ومن هنا تبدأ خصوصية تجربته.

في سياق الشعر الفلسطيني، يجيء اسم سميح القاسم إلى جانب محمود درويش وتوفيق زياد، لكن وضعهم في صف واحد لا يعني أنهم كانوا صوتًا واحدًا.

كان لكل منهم طريقه.

وإذا كان درويش قد جعل المنفى والهوية والوجود الإنساني تتسع في قصيدته إلى أسئلة كونية، وإذا كان توفيق زياد قد منح الكلمة نبرة جماعية صلبة، فإن سميح القاسم ظل شديد الالتصاق بسؤال الفلسطيني الذي بقي في المكان.

وهذه الـ”بقاء” ليست تفصيلًا عابرًا.

إنها إحدى مفاتيح قراءة القاسم.

أن تبقى في أرضك بعد النكبة.

أن تكبر في مكان تتغير ملامحه من حولك.

أن ترى اللغة والهوية والذاكرة موضع اختبار يومي.

ثم تكتب.

ثم تقول، لا بوصفها عبارة سياسية فقط، بل بوصفها فعل وجود:

أنا هنا.

والذي يقول “أنا هنا” في مثل ذلك السياق لا يعلن وجوده فحسب؛ بل يشهد.

ومن هنا تصبح القصيدة شهادة.

وتصبح الشهادة ذاكرة.

وتصبح الذاكرة مقاومة للمحو.

أظن أن اختزال سميح القاسم في لقب “شاعر المقاومة” وحده يظلمه.

ليس لأن اللقب خاطئ، بل لأنه لا يكشف العمق الذي جعل مقاومته شعرًا.

المقاومة عنده لم تكن بندقيةً داخل القصيدة، ولا شعارًا يُرفع فوقها.

كانت القصيدة نفسها إحدى أدوات المقاومة.

كان يعرف أن الأرض لا تُنتزع فقط حين يُستولى عليها، وإنما أيضًا حين تُمحى أسماء أماكنها من الذاكرة، وحين يُعاد تعريف أهلها باعتبارهم غرباء في حكايتهم، وحين يصبح النسيان أكثر راحة من التذكر.

لذلك كتب.

كتب كي تبقى الأسماء.

كي تبقى الحكايات.

كي يبقى الإنسان الفلسطيني قادرًا على أن يرى نفسه في لغته.

وفي هذا المعنى، كانت الكلمة عند القاسم أكثر من تعبير؛ كانت حراسة للمعنى.

لكن ما يمنح تجربته قوة حقيقية أنه لم يسمح للقضية بأن تبتلع الإنسان.

خلف المقاومة كان هناك إنسان.

خلف الصلابة خوف.

خلف الغضب حب.

وخلف التمسك بالأرض حياة كاملة تريد أن تُعاش، لا أن تبقى أسيرة دور الضحية.

وهذه، بالنسبة إليّ، واحدة من أجمل نقاط الالتقاء بين الشعر والإنسان في تجربته.

فالشاعر الكبير لا يحول الناس إلى رموز جامدة.

يعيد إليهم هشاشتهم.

يعطي للخوف مكانه، وللحب مكانه، وللسخرية مكانها، وللحلم مكانه.

ولذلك فإن سميح القاسم لم يكن شاعرًا سياسيًا فحسب، حتى عندما كان سياسيًا في موقفه.

كان شاعرًا يعرف أن الوطن، في النهاية، هو المكان الذي يريد الإنسان أن يحب فيه ويكبر ويشيخ ويدفن أحبته ويترك لأبنائه ذاكرةً يقولون عنها: هذه لنا.

وأحيانًا أفكر أن أعظم ما يمكن أن يتركه شاعر لشعبه ليس قصيدة بعينها، وإنما لغة يستطيع الشعب أن يرى نفسه فيها.

وهذا ما فعله القاسم.

منح الفلسطيني لغة يقول بها: أنا.

ومنح الذاكرة صوتًا حين كان الصمت أسهل.

ومنح الأرض حضورًا يتجاوز حدود الخريطة.

ومنح الأجيال القادمة شيئًا لا توفره كتب التاريخ وحدها: إحساسًا بأن وراء الأسماء جذورًا، ووراء الأماكن حكايات، ووراء كل ذاكرة إنسانًا لا يجوز اختزاله في رقم.

لذلك لا أرى شعره مجرد وثيقة من زمن مضى.

أراه مرآة.


نقرأه فنكتشف أن بعض أسئلته لم تتغير.

وربما لهذا بقي قريبًا.

اثنا عشر عامًا على الرحيل.

زمن كافٍ لأن يتغير الكثير، لكنه ليس كافيًا لكي تتغير الأسئلة الكبرى التي عاش القاسم من أجلها.

ما زالت فلسطين في مواجهة النسيان.

وما زالت الذاكرة في مواجهة المحو.

وما زال الإنسان الفلسطيني مطالبًا بأن يثبت، مرة بعد أخرى، حقه في أن يروي حكايته بصوته.

وهنا تحديدًا تصبح استعادة سميح القاسم أكثر من وفاء لشاعر.

تصبح مراجعة لعلاقتنا نحن بالكلمة.

هل ما زلنا نعرف قيمة اللغة؟

هل ما زلنا نحفظ الذاكرة لا باعتبارها ماضيًا، بل باعتبارها مسؤولية؟

هل ما زلنا قادرين على أن نرى الوطن بوصفه فعلًا يوميًا من الانتماء، لا مجرد شعار في المناسبات؟

وهل فهمنا أن المقاومة ليست فقط أن نقول “لا” لما يُفرض علينا، وإنما أن نحافظ أيضًا على قدرتنا على أن نقول “نعم” للحياة؟

لهذا لا أحب أن أضع سميح القاسم في إطار تمثال أدبي.

أفضل أن أراه إنسانًا أولًا.

شاعرًا يغضب.

ويحب.

ويسخر.

ويتألم.

ويكتب.

ويعرف أن الشعر لا يوقف دبابة، لكنه يستطيع أن يمنع الدبابة من الوصول إلى الذاكرة.

وهذا ليس قليلًا.

بل ربما كان من أكثر ما يستطيع الشعر فعله في زمن الصراع:

أن يحمي صورة الإنسان من أن تُسحق تحت ثقل الخبر.

أن يقول إن وراء الرقم وجهًا.

ووراء الوجه حياة.

ووراء الحياة حكاية.

وأن الحكايات، حين تُكتب بصدق، لا تموت بسهولة.

حين أفكر في سميح القاسم الآن، بعد اثني عشر عامًا من رحيله، لا أفكر في شاعر غاب فقط.

أفكر في شاعر ترك لنا مهمة.

أن نقرأه لا لنقول إنه كان عظيمًا، بل لنفهم لماذا احتاجه زمنه، ولماذا ما زال شيء من ذلك الاحتياج قائمًا.

فالشاعر الكبير لا يقاس فقط بما قاله في حياته.

بل بما يبقى من كلامه حين تتغير الظروف.

وسميح القاسم ما زال يقول.

وهذا هو انتصاره الحقيقي على الغياب.

يا سميح…

اثنا عشر عامًا، وما زالت القصيدة تعرف طريقها.

ما زال اسمك يمر في الذاكرة كصوت لا يحتاج إلى تعريف طويل.

وما زالت فلسطين في شعرك أكثر من حدود.

وما زالت الكلمة عندك أكثر من حبر.

وما زال البقاء الذي عشته وكتبته سؤالًا يخصنا جميعًا:

كيف نحافظ على ما نحب حين يصبح الحفاظ عليه شكلًا من أشكال المقاومة؟

ربما كانت إجابتك في حياتك قبل قصيدتك:

أن نبقى.

أن نتذكر.

أن نكتب.

أن نحب.

وأن نرفض أن نكون عابرين في أرض تسكننا كما نسكنها.

لهذا، في الذكرى الثانية عشرة لرحيلك، لا أريد أن أرثيك.

أريد أن أستعيدك.

فالاستعادة أعمق من الرثاء.

الرثاء ينظر إلى ما فقدناه.

أما الاستعادة فتنظر إلى ما بقي.

وأنت تركت ما يكفي كي يبقى.

تركت قصيدة.

وتركت موقفًا.

وتركت سؤالًا.

وتركت، قبل كل ذلك، درسًا بسيطًا وصعبًا في آن:

أن البقاء ليس أن تظل في المكان فقط؛
بل أن تظل وفيًّا لما يجعلك أنت.

سلامٌ على روحك يا سميح.

سلامٌ على قصيدتك.

وسلامٌ على فلسطين التي حملتها في صوتك، حتى صار صوتك جزءًا من ذاكرتها.

وفي كل مرة نقرأك فيها،
سنكتشف أنك لم تكن تكتب عن البقاء فقط؛
كنت تكتب كي لا ننسى كيف نبقى