كنوز نت - بقلم: الشَّاعر العَروضيُّ محمود مرعي


إبحار في أحشاء إبحار طارق عون الله- القسم الأوَّل
  • بقلم: الشَّاعر العَروضيُّ محمود مرعي
نبدأ بإثبات النَّصِّ، ثمَّ نحاول سبر أغواره ومراميه.
............................
"إبحار في نار التَّجربة
(1)
هٰذه المقالة لا تناسب الجميع، ولذا فإنْ كنت ممَّن يحبُّون التَّعمُّق في الكلام، فهٰذه لك يا صديقي، وقد أعذر من أنذر.
أودُّ أن أتوسَّع في هٰذا البيت الشِّعريِّ، إنسانيًّا وسياسيًّا وفلسفيًّا، فقد يحسُّ معي صديق ببعض هذا الوجع:
" وكما يصنع الطِّفل
طير الورقْ..
ثمً يحرقه…. أحترقْ".
كما يصنع الطِّفلُ طائرًا من الورق،
يصنع العالمُ أوهامه من هشاشةٍ تشبه القلب.
نفخٌ من خيال،
ثنيةٌ كي يبدو الشيء حيًّا،
ثم نندهش:
ها هو يطير… أو هكذا نصدّق.
لكن الطفل لا يكتفي بالطيران.
ففي داخل البراءة فضولٌ يشبه التجربة الأولى للآلهة:
ماذا لو أحرقته؟
هل يبقى طائرًا أم يصير معنى
هكذا،
نحن لا نُحرق الأشياء لأننا نكرهها،
بل لأننا نريد اختبار قدرتنا على محوها.
الحريق هنا ليس قسوة،
بل هو سؤال بدائي عن السلطة،
عن الفعل الأخير،
عن الحق في أن نُنهي ما بدأناه.
الطفل لا يعرف أنه حين يُشعل النار
يتدرّب على تاريخٍ كامل:
مدنٌ تُبنى،
أوطانٌ تُصاغ من نشيد،
ثم تُحرق باسم التجربة،
أو الخوف،
أو الملل.
وطائر الورق…
ليس ضحية النار،
بل شاهدها.
هو يعرف منذ اللحظة الأولى
أن جناحيه من استعارة،
وأن مصيره معلقٌ
بين يدٍ تحلم
ويدٍ تختبر الخراب.
في هذا المعنى،
لسنا سوى أطفالٍ كبروا،
نصنع الحياة بحب،
ثم نحرقها بذات الحب،
ونقف أمام الرماد متسائلين:
لماذا لم تطِر أبعد؟
ومن عمق هذا القول الذي لا يدين الطفل،
بل يفضح الإنسان…
 سأحاول غدًا الشرح أو التأويل السياسي الوجودي:
سأدفعه خطوة أخرى إلى الحافة،
أشدّ الخيط بين البراءة والكارثة،
وأترك النار تتكلم لا اليد. فإلى الغد لمن يهمه الأمر".
« إبحار في نار التَّجربة»، عنوان صادم يطالعنا منذ البَدْء، فالإبحار مذ عرفناه إنَّما يكون في الماء، فما باله الآن في النَّار، لٰكِنْ مهلًا فللمضاف (نار) مضافٌ إِلَيْهِ (التَّجربة) يهدي كما تهدي النُّجومُ السَّارين في الدَّياجي حَتّٰى لا يخبطوا خبط عشواء، والإبحار ليس في التَّجربة بل في نارها، وَهٰذا يحيلنا إِلى إسقاط معنًى عَلى التَّجربة يكشف أنَّها كلُّها نار، فليست النَّار هنا جزءًا من التَّجربة بل هي كلُّ التَّجربة، والإبحار ليس لهوًا أو رياضة، بل هو مكابدة ومشقَّة، والاحتراق رصَدٌ وأيُّ سهو ستلسعه النَّار، فهي معاناة، لم يستطع صديقنا طارق الإفلات منها ومن ثقلها وإسقاطاتها عَلى فكره وروحه، فهي إذن رحلة ألم لا ترفيه.
إشارة مرور تتصدَّر ما يليها من كلام ذي مستويات وتشعُّبات وأقسام.
لذا يليق بنا دومًا أَنْ نترك وعينا عَلى قارعة لا تشبهنا ونرتقي إِلى اللَّا وعي المدرِك ما دونه في الهيولي المتحرِّك فوق صعيد الهيام الأوَّل بما نسيه المطلُّ علينا فينا.
«هٰذِهِ المقالة لا تناسب الجميع، ولذا فإنْ كنت ممَّن يحبُّون التَّعمُّق في الكلام، فَهٰذِهِ لك يا صديقي، وقد أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ».
إشارة عبور (لا إشارة مرور) تطالعك منَ البداية، تتشكَّل من بسيط الكلام الـمُثقل بأغوار المعاني، الَّتي تنتظر قانصها، ولذا جعل الولوج إِلى تلك الأعماق مشروطًا بـ «إنْ كنت ممَّن يحبُّون التَّعمُّق في الكلام». هٰذِهِ اللَّفتة تمثِّل مفتاح الإذن بالعبور، فليس لأُولي السُّطوح إذنٌ بالعبور، فَأُولٰئِكَ أطفال الوصيد الملاصق لعتبة الكهف، أو عَرَصاتِ بَعَرِ الآرام لم يفارقوها ليتجلَّى لهم ما بَعْدُ وما وراءَ البَعْدِ منزلة ووعيًا وهضمًا، فهم منذ البدء اكتفوا بلهوهم في الحيِّز الضَّيِّق من المكان والكلام، فلا قِبَلَ لهم بما وراء الحروف.
يدرك صديقنا طارق منذ البدء رغم «إشارة العبور» أَنَّ هناك في الحضور المزدحم كالنَّحل عَلى عسَله المصبوب في مهبِّ رياح المكان واتِّجاهاته الكلِّيَّة، من سيعي ألمه ووجعه «أودُّ أن أتوسُّع في هٰذا البيت الشِّعري، إنسانيًّا وسياسيًّا وفلسفيًّا، فقد يحسُّ معي صديق ببعض هٰذا الوجع». وهنا تتجلَّى رسالته، فهي رغم كونها موَجَّهَةٌ موَجِّهَةٌ، فهي أيضًا باحثة عن خيط النُّور، وإن كان لا يراه "الأطفال"، فهو يدرك إِلى أبعد مدًى أَنَّ هناك في الأقاصي من يرى خيط نوره، ويحسُّ ببعض وجعه.
قلنا فيما سبق إنَّها معاناة، لم يستطع صديقنا طارق الإفلات منها ومن ثقلها وإسقاطاتها عَلى فكره وروحه، فهي إذن رحلة ألم لا ترفيه، لذا جاء فِرارهُ إِلى الأطفال ولهوهم العبثيِّ، والفِرار انزياح وليس هربًا، انزياح إِلى بسيط الأبجديَّة لا تعقيدها أو مُعَقَّدِها، لٰكِنْ يبدو هٰذا البسيط أبعد غورًا من التَّعقيد.
«"وكما يصنع الطِّفل
طير الورقْ..
ثمَّ يحرقه…. أحترقْ".
كما يصنع الطِّفلُ طائرًا من الورق،
يصنع العالمُ أوهامه من هشاشةٍ تشبه القلب.
نفخٌ من خيال،
ثنيةٌ كي يبدو الشَّيء حيًّا»
هٰذا الاقتباس في بدء الفقرة، سواء كان للشَّاعر من أحد نصوصه السَّابقة، أو عن غيره، فهو بحاجة للتَّأمُّل في إحالته، فهو انزياح يمثِّل بحثًا عن جديد معنًى ولغة، وَهٰذا يكشف بوضوح، فالبسيط هنا ليس ساذجًا وسطحيًّا، بل طيُّه الأعماق وما تشتمل عليه، فالاقتباس في البدء وإن كان انزياحًا واستحضارًا لكلام سابق للشَّاعر أو غيره، فهو أيضًا انزياح إِلى كشف جديد، لذا فهو انزياح داخل انزياح، وسيرافقنا حَتّٰى ختام هٰذا الدِّراسة.
"وكما يصنع الطِّفل
طير الورقْ..
ثمَّ يحرقه…. أحترقْ".
الطِّفل في لهوه عبثيٌّ، لا يدرك الأفعال قبل تحقُّق نتيجتها، فما بال الشَّاعر ابتدأ نصَّه الطَّويل والزَّاخر بِهٰذا؟ وسؤالنا إنكاريٌّ لا يبحث عن جواب فجوابه في أحشاء المفردات، فالمقتبس هنا يمثِّل حالة وقع الشَّاعر في شَرَكِها ولا يستطيع فكاكًا منها. الصُّورة هنا عبثيَّة إِلى أقصى حدٍّ لٰكِنْ ينبجس من أحشائها وعي إِلى أبعد حدٍّ، تتجلَّى فيه مرارة إحساس الشَّاعر بالواقع، فلم يستطع إلَّا أَنْ ينفث وجعه الَّذي طغى وطمى عَلى روحه، فهو حمل أثقل روح الشَّاعر.
 ولنا أَنْ نقف عَلى صورة أخرى أكثر إبداعًا، فالطِّفل من عادته تكرار تجربته حَتّٰى يدرك أثر فعله، فهو يحرق طائر الورق ثُمَّ يعيد الكرَّة حَتّٰى تلسعه النَّار فيدرك أَنَّ النَّار تحرق، أمَّا قول الشَّاعر (أحترق)، فهو احتراق كاحتراق العنقاء ثُمَّ تولد من جديد، وإن كانت العنقاء حين تبعث من جديد تظلُّ طائرًا، فالشَّاعر يريد من انبعاثه أَنَّ يأتي بالجديد المبتكر غير المسبوق، وإن كانت المادَّة الأولى للكتابة هي الحروف وستظلُّ بعد الانبعاث حروفًا، لٰكِنَّ المختلف ما تنتجه الحروف من إبداع غير ما كان قبل الاحتراق. وللصُّورة شِقٌّ آخر يختلف عن الأوَّل بالنَّتائج:
«كما يصنع الطِّفلُ طائرًا من الورق،
يصنع العالمُ أوهامه من هشاشةٍ تشبه القلب.
نفخٌ من خيال،
ثنيةٌ كي يبدو الشَّيء حيًّا».
هٰذا هو الشِّقُّ الثَّاني للصُّورة ويشترك مع الشِّقِّ الأوَّل بالمطلع " كما يصنع الطِّفلُ طائرًا من الورق"، ويختلف عنه بالنَّتائج، فنتيجة الشِّقِّ الأوَّل إبداع وحياة، ونتيجة الشِّقِّ الثَّاني دمار وهلاك، والمشترك في كليهما، الطِّفل، طائر الورق، العبث، لٰكِنَّ العبث الأوَّل جاء لخلق حاضر أجمل والثَّاني كشف عن عبث مدمِّر
سببه الوهم.

وللوهم في الخلق أفاعيل لا حدَّ ولا نهاية لها، تظلُّ تعصف بالواهم حَتّٰى تجندله وتتركه جيفة عَلى قارعة الزَّمان والتَّاريخ، يمرُّ به الكلام واللُّغات كأنَّه رجس أسقطه الحقُّ عن جحش غروره فأصبح لقًى.
"يصنع العالمُ أوهامه من هشاشةٍ تشبه القلب.
نفخٌ من خيال،
ثنيةٌ كي يبدو الشَّيء حيًّا".
يبدو العالم أكثر عبثيَّة وجهلًا من الطِّفل، فبينما الطِّفل يعبث ليتعلَّم ويدرك، فإن العالَم يعبث لينتحر ويبيد معه كلَّ ما أورثته القرون من الجنون الجميل الواعي الخلَّاق، بوعيه المجنون المتربِّصة به جنِّيات وهمه وغَوْلُ سكرته لحظة انتشاء طارئة في الوجود، أنسته الوعي المتعقِّل الَّذي يصنع فجرًا، وأبدلته به جنَّة ذات أُكُلٍ خمطٍ، بلا سِدرٍ كثير أو قليل، ولنسقط المعنى عَلى ما يجري في محيطنا الأوسطيِّ، برابرة نفخ إبليس في أنوفهم فشمخوا وما عادوا يرون سواهم غير أتباع وعبيد مسخَّرين لهم لحراسة غلالهم في الحقول البعيدة، وَهٰذا معنى الحضارة في عُرفهم، فهم من سلالة «أنا ربُّكم الأعلى» فكرًا ونهجًا وبطشًا، لذا كان عليهم أَن يغزو العشيرة القابعة في الطَّرف المقابل لهم فوق البساط المحيط من بدء الأبجديَّة حَتّٰى نهاية الطُّوفان القريب، حيث سيغمر الماء الثَّقيل كلَّ ماءٍ.
وما زالت القرون تتناطح ثُمَّ تجلس إِلى مائدة التَّزوُّد بطعام النِّطاح الآتي بعد كلِّ وجبة.
"نفخٌ من خيال"، والخيال خيالان سليم ومريض، ولا شكَّ أَنَّ الخيال هنا هو المريض، ونسأل عن النَّفخ، من قام به ومن أدَّى هٰذِهِ الـمَهَمَّةَ المختلَّة؟ أليست تلك الذِّراع الأفعوانيَّة منذ بدء القول على ضفَّتي الوجود المثقل بالمعجزات العنقائيَّة، وسيزيف الخرافة؟
"نفخٌ من خيال،
ثنيةٌ كي يبدو الشَّيء حيًّا".
قلنا إنَّه خيال مريض، نتيجته "سحر أعين النَّاظرين"، ولذا فشرُّه فيما يمارس واقعًا ليبدو الشَّيءُ حيًّا. نستطيع الإسقاط أكثر على هٰذا المشهد العبثيِّ، لٰكنْ لا بأس فلنتابع:
ثمَّ نندهش:
ها هو يطير… أو هٰكذا نصدِّق.
لٰكنَّ الطِّفل لا يكتفي بالطَّيران.
ففي داخل البراءة فضولٌ يشبه التَّجربة الأولى للآلهة:
ماذا لو أحرقته؟
هل يبقى طائرًا أم يصير معنى
هٰكذا".
تبدو الصُّورة هنا متجانسة متَّفقة مع ما سلف، فربَّما نحن واقعون تحت تأثير الوهم والسِّحر الَّذي يصيبنا رذاذ منه:
"ثمَّ نندهش:
ها هو يطير… أو هٰكذا نصدِّق".
نندهش ونصدِّق رغم إدراكنا ووعينا أنَّ الطِّفل في عبثه يبحث عن الوعي والإدراك:
"لٰكنَّ الطِّفل لا يكتفي بالطَّيران.
ففي داخل البراءة فضولٌ يشبه التَّجربة الأولى للآلهة".
إذنْ، الطِّفل وإن بدا عبثه طيشًا بالنِّسبة لنا فهو ليس طيشًا، بل محاولة اكتشاف المجهول بالنِّسبة له.
"ماذا لو أحرقته؟
هل يبقى طائرًا أم يصير معنى
هٰكذا".
السُّؤال هنا إنكاريٌّ لأنَّه حتمًا سيحترق، لٰكن هٰذه البساطة في الكلام تختزن معانيَ بعيدة الغور، وليس الجواب بهٰذه البساطة، لأنَّه سيصير معنًى وأيُّ معنًى، وستنبعث من أحشاء الرَّماد عنقاء جديدة تخلق المعجزات دون سحر ووهم.
"نحن لا نُحرق الأشياء لأنَّنا نكرهها،
بل لأنَّنا نريد اختبار قدرتنا على محوها."
هنا سؤال كبير، تُرى لماذا انتقل من الحديث عن الطِّفل وفعله إلى الحديث عنَّا بصيغة الجمع "نحن"؟ هل نحن وجه آخر لذاك الطِّفل، ولماذا انتقل من سرد فعل الطِّفل إلى شرح مغزى الفعل عندنا نحن، فالحرق عندنا ليس فعل خراب بل تجربة لقدرتنا على المحو. الشَّبه كبير بين فعل الطِّفل وفعلنا، كأنَّنا وجهان للعملة ذاتها، فكلانا يحاول الكشف.
"الحريق هنا ليس قسوة،
بل هو سؤال بدائيٌّ عن السُّلطة،
عن الفعل الأخير،
عن الحقِّ في أن نُنهي ما بدأناه".
الصَّوت هنا ارتفع واشتدَّ، وبعد أن كان ساردًا على الحياد من الطِّفل، أصبح في مواجهة وحالة فعل ثوريٍّ، وصار الحريق سؤالًا يحتاج جوابًا، وجوابه:
"...الفعل الأخير،
...الحقِّ في أن نُنهي ما بدأناه"
والفعل الأخير هو نتيجة الحرق عند الطِّفل، الإدراك، والإدراك متعلِّق بالوعي والعلم بما نُقدمُ عليه من فعل، كالتَّخطيط المدروس، لٰكنْ هل النَّتيجة في حال الطِّفل وحالتنا هي الفوز، أي الإدراك لما بعد التَّجربة؟ أم سنرجع من رحلتنا بخفَّي حُنين؟
"الطِّفل لا يعرف أنَّه حين يُشعل النَّار
يتدرُّب على تاريخٍ كامل:
مدنٌ تُبنى،
أوطانٌ تُصاغ من نشيد،
ثمَّ تُحرق باسم التَّجربة،
أو الخوف،
أو الملل".
معانٍ واضحة لا تحتاج تأويلًا ولا تفسيرًا، فهي تكفَّلت بتفسير حاله لقارئها:
"الطِّفل لا يعرف أنَّه حين يُشعل النَّار
يتدرُّب على تاريخٍ كامل".
الطِّفل لا يعرف، جملة تقريريَّة حقيقيَّة، فالطِّفل لا يدرك الأشياء والأفعال، لٰكنْ إشعال النَّار يمثِّل التَّدريب على تاريخ كامل، وهٰذا يعني أنَّ تكرار الإشعال سيكشف الخبايا والمستور للطِّفل، فلا يعود طفلًا منعدم الوعي والإدراك:
" مدنٌ تُبنى،
أوطانٌ تُصاغ من نشيد،
ثمَّ تُحرق باسم التَّجربة،
أو الخوف،
أو الملل".
الطِّفل بمعناه الحقيقيِّ لا يدرك هٰذه الأمور، لٰكنْ بمعناه المجازي والرَّمزيِّ، فقد يمثِّل شعبًا ناهضًا تزيده كلُّ تجربة وعيًا بذاته وأهدافه.
"وطائر الورق…
ليس ضحيَّة النَّار،
بل شاهدها.
هو يعرف منذ اللَّحظة الأولى
أنَّ جناحيه من استعارة،
وأنَّ مصيره معلَّقٌ
بين يدٍ تحلم
ويدٍ تختبر الخراب".
هٰذا الكشف لحقيقة الطَّائر هنا، يخبرنا أنَّه لا يملك الإرادة، لذا فمصيره معلَّق بين يد تحلم بالخير والبراءة والحضارة، ويد تمارس الخراب والدَّمار، وهٰذا يتماشى مع فقرة سابقة من حديثنا عن "أنا ربُّكم الأعلى"، فلا داعي للشَّرح.
"في هٰذا المعنى،
لسنا سوى أطفالٍ كبروا،
نصنع الحياة بحبٍّ،
ثمَّ نحرقها بذات الحبِّ،
ونقف أمام الرَّماد متسائلين:
لماذا لم تطِر أبعد؟".
وها قد وصل قاربنا إلى الشَّاطئ بعدما مخر عباب النَّصِّ سابرًا أعماقه وقوَّة موجه، لنقف الآن عند هٰذه الفقرة قبل الأخيرة، "لسنا سوى أطفالٍ كبروا"، نصنع الحياة ثمَّ نحرقها ولٰكنْ بحبٍّ، وأمام رماد العنقاء "طائر الورق" نخاطبه سائلين لماذا لم تطر أبعد، لٰكن هل كان بإمكانه أن يطير أبعد؟
وأخيرًا، رأيي بكلِّ ودٍّ لشاعرنا، لو انتهى النَّصُّ هنا فقد كفى ووفَّى، فالفقرة الأخيرة أراها حديثًا من الشَّاعر للقارئ، ولا أرى داعيًا له.
"ومن عمق هٰذا القول الَّذي لا يدين الطِّفل،
بل يفضح الإنسان…
 سأحاول غدًا الشَّرح أو التَّأويل السِّياسيَّ الوجوديَّ:
سأدفعه خطوة أخرى إلى الحافَّة،
أشدُّ الخيط بين البراءة والكارثة،
وأترك النَّار تتكلَّم لا اليد. فإلى الغد لمن يهمُّه الأمر".
بهٰذا نختم قراءتنا لهٰذا النَّصِّ الرَّائع للزَّميل الشَّاعر طارق عون الله، على أمل أنْ أتابع سبر أغوار بقية الأقسام.