كنوز نت - بقلم رانية مرجية


الأذان ليس تهمة

  • بقلم رانية مرجية
في هذه البلاد، لا يبدو الصراع على الأرض وحدها. أحيانًا يمتدّ إلى الصوت أيضًا. إلى ذلك النداء الذي يعبر الفجر كل يوم، خفيفًا ومألوفًا، كجزء من ذاكرة المكان. الأذان الذي اعتاده الناس لعقود طويلة، يعود اليوم ليُقدَّم بوصفه “مشكلة” تحتاج إلى قانون، وشرطة، وغرامات، ومصادرة مكبرات صوت.
مشروع القانون الذي يدفع به إيتمار بن غفير لا يتحدث فقط عن تنظيم استخدام السماعات، بل يفتح بابًا جديدًا للسؤال القديم: من يملك الحق في أن يكون حاضرًا بصوته وهويته في هذا المكان؟
الفلسطيني الذي يسمع عن صلاحيات تُمنح للشرطة لإيقاف الأذان فورًا، لا يقرأ في الأمر مجرد نقاش حول “الضجيج”. هو يسمع شيئًا أعمق من ذلك بكثير؛ يسمع محاولة متكررة لدفع حضوره إلى الخلف، ليصبح أقل وضوحًا، أقل سمعًا، وأقل قدرة على التعبير عن نفسه في مدنه وقراه.
الأذان بالنسبة للمسلمين ليس مكبر صوت فقط. إنه طقس يومي يشبه نبض المكان. جزء من إيقاع الحياة الذي تربّت عليه أجيال كاملة. وحين يُعامل كأنه مخالفة محتملة، يشعر الناس أن المستهدف ليس ارتفاع الصوت، بل الرمزية التي يحملها هذا الصوت.

المؤلم في هذه القوانين أنها تحاول دائمًا تقديم نفسها بلغة “النظام” و”راحة السكان”، بينما يعرف الجميع أن القضية أعمق من ذلك. فالقوانين التي تُصاغ بانتقائية، وتظهر غالبًا في مواسم التحريض السياسي، لا تبدو حيادية مهما حاولت أن ترتدي ثوب التنظيم المدني.
لا أحد يعترض على حق الناس في الهدوء، ولا على وجود أنظمة تحكم الفضاء العام للجميع. لكن العدالة تبدأ عندما تُطبَّق المعايير بالتساوي، بعيدًا عن استهداف جماعة بعينها أو تحويل شعائرها الدينية إلى ملف أمني.
الديمقراطيات الحقيقية لا تخاف من الأصوات المختلفة عنها. ولا تحتاج إلى شرطي كي يقرر متى يصبح النداء إلى الصلاة “مزعجًا”. قوة أي مجتمع لا تُقاس بقدرته على إسكات المختلف، بل بقدرته على التعايش معه دون خوف.
ربما يمكن خفض صوت المآذن بالقانون. وربما يمكن مصادرة السماعات وفرض الغرامات. لكن ما لا يمكن مصادرته هو المعنى. لأن الأذان، بالنسبة لكثيرين هنا، ليس مجرد صوت عابر في الهواء؛ إنه جزء من الذاكرة، ومن الإحساس بالبيت، ومن العلاقة القديمة بين الإنسان ومكانه.

ولهذا، يبدو أن ما يخيفهم ليس الضجيج فعلًا… بل بقاء هذا الصوت حاضرًا، رغم كل شيء