
كنوز نت - نمر سعدي / فلسطين
صداقاتُ الأدباء غالباً لدودة
- نمر سعدي / فلسطين
تعتبر "الصداقة اللدودة" (Frenemy) من أشهر الظواهر في تاريخ الأدب والثقافة، حيث تجتمع المحبة والتقدير الفني مع الكيد، الغيرة، التنافس، والمواقف المتوترة، والنديَّة. هذه العلاقات غالباً ما تكون محركاً للإبداع بقدر ما هي مصدر للدراما الشخصية.
وأحياناً يكون الصديق قريباً جداً (حدَّ التماهي) ولكن الاختلافات الحادة والغيرة الأدبيَّة تجعله "لدوداً"، بل عدَّواً مبطَّناً.
ولا ترتبط هذه الظاهرة المقلقة بمشهد الأدب العربي فقط بل تتعدَّاها إلى ساحةِ الثقافة العالميَّة. ومن أبرز ملامح وأمثلة صداقات الأدباء اللدودة:
الإعجاب والغيرة: تقارب فكري وفني شديد يصحبه صراع على الصدارة والتميز.
نقد لاذع: تبادل النقد بشكل صريح وقاسٍ أحياناً تحت ستار الصداقة، مما قد يطور العمل الأدبي.
التأرجح بين القرب والبعد: علاقات متوترة تتبدل بين الحوار المستمر والقطيعة.
التنافس على الشهرة: الرغبة في التفوق والمنافسة في مجال الأدب.
أشهر صداقات الأدباء اللدودة (عربياً وعالمياً)
طه حسين وعباس محمود العقاد: بدأت بتقدير فكري متبادل كبير وتحولت مع مرور الزمن إلى معارك نقدية وفكرية حادة وشرسة. تنافسا علناً على زعامة الحياة الأدبية والفكريَّة في مصر.
أحمد شوقي وحافظ إبراهيم: جمعتهما صداقة وطيدة وصحبة يومية مستمرة غلفها تنافس شديد على لقب "شاعر النيل" وتبادلا قفشات ومداعبات شعرية هجائية لاذعة.
محمود درويش وأدونيس: كانت علاقتهما تتسم بالالتباس والتقلب، حيث اجتمعت فيها الندية الفنية بالاحترام المتبادل، ولم تخلُ من تصريحات متوترة.
كانت العلاقة بينهما أشبه بـ"صداقة لدودة" ورغم التقدير المتبادل، اتهم أدونيس درويش بـ"مهادنة الأنظمة" واعتبر الإجماع حوله "ملفقاً"، بينما وصف درويش تجربة أدونيس بـ"الأفكار الثابتة"
فيرلين ورامبو: نموذج آخر وثقه التاريخ للكراهية بين الأدباء (الصديق العدو)، حيث شابت العلاقة بين الشاعرين توترات شديدة، كما يذكر القدس العربي.
مارسيل بروست وجين لورين: مثال على العلاقات المتقلبة التي تندرج تحت مظلة "الصديق العدو" في الوسط الأدبي الفرنسي.
إرنست همنغواي وفرانسيس سكوت فيتزجيرالد: صداقة اشتهرت بالتوتر، حيث كان همنغواي ينظر بفوقية لأسلوب فيتزجيرالد، بينما كان الأخير معجباً بهمهغواي. تميَّزت صداقتهما بأنها صورة نموذجية للصداقة اللدودة الغربية. تروي المراجع كيف تأرجحت صداقتهما بين الإعجاب الشديد والعداء الناتج عن غيرة فيتزجيرالد من نجاح همنغواي، وتوجيه همنغواي ضربات قاسية لصديقه، مما أدى إلى نهاية مؤسفة للعلاقة.
جان بول سارتر وألبير كامو: بدأت كصداقة متينة وتحولت إلى عداوة فكرية وسياسية علنية.
هاربر لي وترومان كابوتي: صمدا كأصدقاء طفولة، لكن الشهرة والغيرة دفعت علاقتهما نحو الفتور والقطيعة في النهاية.
سي. إس. لويس وجي. آر. آر. تولكين: رغم صداقتهما، إلا أن المنافسة والنقد المتبادل كانا حاضرين، خاصة في مناقشة أعمالهما الأدبية.
خلاصة:
هذه الصداقات، رغم "لدوديتها"، تعتبر جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي، فهي تشكل "جسرًا" للإبداع والتطور الفني، وتظهر الجوانب الإنسانية المعقَّدة في حياة المبدعين.
وما زلت أتذكَّر تداعيات الصداقة اللدودة بامتياز التي جمعت بين الشاعرين الكبيرين السوري نزار قباني والعراقي عبد الوهاب البياتي إذ لم تكن علاقة الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي بالشاعر السوري نزار قباني صداقة تقليدية بمعناها الحرفي، بل اتسمت بكونها علاقة "لدودة" أو متوترة للغاية ومعقَّدة بصورة إشكاليَّة، جمعت بين التنافس الفني، والاختلاف في الرؤى الشعرية، والمواقف الشخصيَّة الحادة، حيث سادتها نبرات الاستنكار واللوم، رغم الاعتراف الضمني بمكانة كل منهما. ومن أبرز ملامح هذه العلاقة المعقدة: الطعن في الشاعريَّة: في إحدى الحوارات، ورداً على سؤال عن نزار قباني، أبدى البياتي استغراباً شديداً قائلاً: "أتسمي نزار قباني شاعراً؟!"، وهو ما يوضح عمق الفجوة والاختلاف في مفهوم الشعر بينهما. الوصف باللسع: رد نزار قباني على انتقادات البياتي بحدة مماثلة، حيث وصفه في لقاء عام 1988 بأنه "عانس وعاقر"، وتوقف عن قراءة الشعر وكتابته، متفرغاً لـ "شوي زملاءه الشعراء على نار نفسه المريضة". التشخيص باللؤم: وصفت الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، في حوار نشر عام 1999، أن البياتي كان ينشر "سمومه" في حقه وحق آخرين، مشيرة إلى أن العلاقة كانت قائمة على التنافس والغيرة الأدبية.أسباب التوتر: كان البياتي يعبر عن استيائه من سطوة قباني الشعبيَّة، وكان يقلل من شأن شهرته، خاصة في سياق ارتباط اسم نزار بالمغني كاظم الساهر، مما أثار انزعاجاً كبيراً لدى قباني قبل وفاته. محاولات الصلح الفاشلة: وصف بعض الأدباء محاولات الجمع بينهما بأنها كانت "ضروباً من أوهام الخيال" نظراً لحدة الاختلاف. على الرغم من هذا الجفاء، أشار بعض النقاد إلى أن البياتي كان شاعراً كبيراً، وأن بعض أشعاره تتفوق جمالياً على الكثير من أشعار نزار قباني، لكن شعبية الأخير كانت هي الطاغية على الساحة الشعرية العربية في ذلك الوقت. ومع ذلك، توجد وثيقة نادرة تعود لعام 2003، تحت عنوان بهجة الاكتشاف: رسائل نزار قباني وعبد الوهاب البياتي وهاني الراهب إلى بسام فرنجية، تشير إلى وجود مراسلات متبادلة، مما قد يلمح إلى جانب آخر خفي من التواصل رغم التوتر المعلن.
ويورد الكاتب والصحافي المغربي البارز حاتم البطيوي حادثة طريفة في أحد مقالاته الجميلة عن البياتي قائلاً: ما قاله البياتي عن مجايليه من الشعراء، يكاد يكون ثقافة سائدة بين المثقفين والأدباء والشعراء. فثمة حروب "داحس والغبراء" متعددة ومتنوعة بينهم. وأذكر يوم كنا جالسين في فندق "الخيمة" في أصيلة حول مائدة فيها البياتي والشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي وآخرون من الكتاب والأدباء. وألفيت نفسي متحمساً للحديث عنه وعن ديوانه "مدينة بلا قلب"، معتقداً أنني أبليت بلاءً حسناً في إبراز اطلاعي على قضايا الشعر. وما هي إلا لحظات حتى قام حجازي متوجهاً إلى غرفته. فالتفت البياتي نحوي، وقال بألم: "والله خيبت ظني فيك يا حاتم، بذمتك (حلاق إشبيلية) هذا تعتبره شاعراً؟ إنه ليس حتى شويعراً". آنذاك أصابتني صدمة، وحمدت الله أنني لست شاعراً وإلا كانت نيران البياتي الصديقة قد أردتني".
13/05/2026 09:32 pm 20
.jpg)
.jpg)