كنوز نت - علي هيبي*


دراكولا يتغذّى على دماءِ الشّرقِ
                                                                                                    
  • علي هيبي*
دخلَ الأغرابُ إلى المطعمِ
ليسَ بالصّدفةِ شرقيًّا هذي المرّةَ كانْ
آثارُ دماءٍ ناعمةٍ كبشرةِ أطفالٍ بينَ خشونةِ أصابعِهِمْ
جَلسوا بلحًى كثّاتٍ وبنادقَ حولَ الطّاولةِ الحمراءْ
وعيونٍ لا تقطرُ إلّا حقدًا قذرًا مسمومًا بمنقوعِ الشّوكرانْ
طَلبوا بلُكنةِ لغةٍ لا يفهمُها أحدٌ منْ نوعِ الإنسانْ
حتّى النّادلُ الأسمرُ ذو الثّوبِ الأبيضِ
ويعرفُ كلَّ لغاتِ الأرضِ الإنسانيّةِ لمْ يفهمْها
وكأنَّ اللّغةَ أجزاءُ حروفٍ مُبهمةٍ سوداءْ
أوْ دبدبةٌ جاءَتْ منْ قريةِ نملٍ أوْ غمغمةٌ منْ عبهرِ جانْ
"مينيو" قالوا بنبرةِ شرطيٍّ سجّانْ
ثارَ النّادلُ بلا وعيٍ لضآلةِ ثورتِهِ مسكينًا
كانَتْ ثورتُهُ كعاصفةٍ "لابدةٍ" لا تتعدّى قاعَ الفنجانْ
لكنْ أدركَ أنَّ منَ الأفضلِ أنْ يبقى ثلجًا بردانْ
أنْ ينحنيَ حتّى تمرَّ العاصفةُ الدّمويّةُ
نريدُ غداءً دمويًّا شرقيًّا دسِمًا صاحَ أحدُ الغيلانْ
منْ وجباتٍ ذاتِ مذاقٍ ذابَ بالطّعمِ الحارِّ لزيتٍ
منْ دمِ أيِّ مقاومةٍ ذُبحَتْ سريعَ الذّوبانْ
الأولى صحنُ حساءٍ مخلوطٍ بدهنٍ بلديٍّ
قدْ خُمِّرَ بنخاعِ عظامٍ من جمجمةٍ
كانَتْ منْذُ زمانٍ ليسَ طويلًا إنسانْ
والثّانيةُ لحمٌ مطحونٌ لطفلٍ غضٍّ
خرجَ منْ تحتِ آلةِ حربٍ طاحنةٍ
في صحراواتٍ خاليةٍ لكنْ ملأى بكمالاتِ منْ عددِ بني قحطانْ
مطبوخًا بدمِ أمِّهِ ذاكَ اللّحمُ ولبنٍ منْ أجودِ ألبانِ الضّانْ
والقِدْرُ الموءودةُ لمْ تُسألْ بأيِّ ذنوبٍ قُتِلَتْ
أعلى أشواكِ حصًى نامَتْ
أمْ قُتلتْ منْ قَدَرِ سماءٍ أُنزِلَ في سورةِ قرآنْ
سورةِ قرآنٍ كانَتْ كالقصّةِ لكنْ ما بانَ لها عنوانْ
ونامَ على جوعٍ بطنُ القصّةِ
ونامَ الوُلْدانُ على ريقٍ طوتْها مَسغبةُ الحرمانْ
والثّالثةُ إربٌ منْ أجسادٍ إنسانيٍّة لانَتْ لا عظمَ لَها
واللّحمُ انغمسَ بمنقوعِ البارودِ الأسودِ وحَبِّ الفُلفُلْ
وقليلِ توابلَ طُحِنتْ بقرونِ قرنْفُلْ
ما ضاقَ بها ذرعًا مضيقُ الهرمزِ
مرّت بسلامٍ مرَّ سحابٍ سفنٌ
جرَتِ الرّيحُ كما تجري منْ إيرانْ
وحفناتٍ منْ مسحوقِ الفوسفورِ الأبيضِ
جُمِعَتْ منْ ضيعةِ لبنانْ
الكامخِ كنقانقَ عربيّةٍ وقعَتْ بينَ الشّاطرِ والمشطورِ
الضّائعِ بينَ مجيدِ الأنقاضِ وبينَ ذليلِ الأكفانْ
بينَ سفّودِ الختمِ الملكيِّ ومطّاطٍ جمهوريٍّ منْ قربِ السّودانْ
وآهٍ يا لبنانُ جنوبيًّا كهوى قلبي عانيْتَ طويلًا
تحتَ مطرقةِ الخارجِ منْ خلفِكَ ليسوا من أهلِكَ
وطويلًا عانيْتَ منْ أخوتِكَ في الدّاخلِ يا يوسفُ
حيرانَ تقلّبْتَ تحتَ مطرقةٍ أخرى فوقَ حديدِ السّندانْ
وحضرَ الكمّونُ الكمّونيُّ رماديًّا كانْ

ملفوفًا بقماشٍ أحمرَ كلونِ عصيرِ دمِ الرّمانْ
أُحضِرَ خصّيصًا منْ حربٍ في كشميرِ الهندِ
أوْ منْ ذاتِ الحربِ في كشميرِ الباكستانْ
والحلوى مدلوقةٌ منْ بَرِّ الشّامِ
دُلِقَ عليْها مسحوقُ جمالٍ لفتاةٍ سمراءْ
نُقشَ سمارُ الوجهِ لديْها بخطوطِ دماءْ
منْ رامَ اللهُ مهجّرةً رامَتْ مَرمى يحميها في خيمةِ "بَقعةِ" عمّانْ
منْ "شبريّةِ" صنعاءٍ جاءَتْ أزيزَ رعودٍ
أوْ منْ مأربَ ذاتِ السّدِّ الفارَ قديمًا
وظلَّ يفيضُ بومضِ البرقِ الصّامتِ في دمِهِ
لكنْ لمْ يتخثّرْ بذكاءٍ لا أضواءَ ولا لمَعانْ
وغاضَ في لعنتِهِ الشيطانيّةِ طوفانُ الماءْ
منْ شرقِ المتوسّطِ بجانبِ شاطئِ دجلةَ
وكانَتْ دجلةُ في الجوهرِ دجلةَ خيرٍ وأمانْ
حتّى غرقَتْ في المغربِ جزائرَ عندَ الأطلنطيِّ
كلُّ ضفافِ الأنهارِ الهادئةِ وكلُّ سكونِ الشّطآنْ
وحلوى أخرى "لقمةُ قاضٍ" منْ "بحري" مصرَ
أوْ "أمُّ علي" منْ وجهٍ "قبلي" منْ أسوانْ
أوْ حلقومٌ تركيٌّ صُبّتْ جاماتُهُ منْ إستنبولَ
تلوّت وتهادت على أطباقٍ منْ عدّةِ ألوانْ
كألوانِ الحرباءِ أوْ كمواقفِ الطّيّبِ أردوغانْ
أوْ حلوى بقطرانٍ مغليٍّ بدمِ تلاميذٍ أفغانْ
منّ الصّفِّ الأوّلِ في مينابَ وقليلٍ منْ روضةِ أطفالٍ
قصفَتْهمْ إسرائيلُ في بحرِ البقرِ بالنّابالمْ
وأنهَتْ وجبتَها الأمريكيّةَ فخنقَتْهمْ بقنابلَ يعشقُها الأطفالُ
لها ألوانٌ اختلطَتْ فيها قوسُ قزحٍ ودخانْ
وشرابُ عصيرٍ منْ عبَراتٍ صُهِرتْ معْ ورداتٍ
كانَ الطّفلُ الباكي في غزّةَ يحملُها جذلًا لعيدِ الأمِّ
لمْ يجدِ الأمَّ ولا العيدَ ولا البيتَ ولا حتّى الجدرانْ
وجدَ حطامًا وركامًا وبقايا أمٍّ ذهبوا بأصابعِها
وسرقوا منْ فمِ أبيهِ ذهبَ الأسنانْ
قالَ عجوزٌ نسيَهُ الموتُ المتراكمُ تحتَ الأنقاضِ
نسوني أنا ولكنْ سرقوا يا ولدي اسْمَ الشّارعِ والعنوانْ
سنأكلُكمْ قالَ المتوحّشُ ذا منديلٍ أحمرَ كثورٍ أوْ كمصارعِ ثيرانْ
سنأكلُكُمْ في الشّرقِ في كلِّ مكانٍ طابَ لَنا أوْ في أيِّ زمانٍ حانْ
لمْ يفهمْ أحدٌ ماذا طلبَ الأغرابُ الغِربانْ
رَفسوا الطّاولةَ بأرجلِهمْ كبغالٍ في حالةِ تحرينٍ
ضَربوا النّادلَ بكعوبِ بنادقِهمْ كرعاةِ البقرِ في الغربِ "المتنوّرِ"
سيأتونَ غدًا صرخوا وثاروا كلافا حممٍ منْ بركانْ
إنْ لمْ يجدوا ضالّةَ شهوتِهمْ
وتابعَ سيّدُهُمْ بوجهٍ يشبهُ "طرمبة" بنزينٍ أوْ كبريتٍ
وعلى المطعمِ وبمَنْ فيهِ كلُّ العوضِ وعليْهِ صلاةُ الشّيطانْ
سيمحونَهُ منْ خارطةِ الشّرقِ المتوسّطِ كثورٍ أبيضَ مأكولٍ
إنْ ظلَّ "المينيو" لا يتناسبُ معْ سفّاحينَ
يحبّونَ شُربَ الدّمِ ممزوجًا بدبسِ الرّمّانْ
ومشعشعةً كأنَّ الحصَّ الدّمويَّ بماءٍ عالجَها
بخلِّ التّفّاحِ السّوريِّ منْ جبلِ العربِ
أو بمربًّى مهروسٍ بصُمِّ رحًى منْ كرزِ الجولانْ
                                                    
*الشّاعر هو الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين