
كنوز نت - بقلم المهندس باسل قس نصر الله
"المسيحية المشرقية بين الإسلام والمسلمين"
- بقلم المهندس باسل قس نصر الله
بداية يجب التفريق بين الإسلام والمسلمين، كما بين أي دين وبين أتباعه أو بين أية عقيدة وبين مناصريها.
تُعدّ العلاقة بين المسيحية والإسلام من أعمق الروابط الفكرية والحضارية في تاريخ المشرق، حيث تداخلت العقيدة بالثقافة، والدين بالهوية. فالمسيحيون المشرقيون، منذ القرون الأولى، كانوا جزءاً أصيلاً من نسيج هذه الأرض، وأسهموا في صنع الحضارة العربية الإسلامية علماً وفناً وأدباً. ومع ذلك، ظلّ التوتر قائماً أحياناً بين الانتماء الديني والانتماء القومي، خصوصاً عندما اختلطت العروبة بالإسلام في الوعي.
يتخوف بعض المسيحيين من المزج الحاصل بين العروبة والإسلام، فالتسليم بالعروبة يعني برأيهم القبول بسيطرة المسلمين السياسية، وبالتالي العودة إلى التمييز بين مسلم وذمّي. وهذه المخاوف ليست وليدة اليوم، بل لها جذور في التجارب التاريخية، خصوصاً في العهد العثماني، حين كانت السياسة العامة تقوم بإخضاع المسيحيين لتدابير مذلّة وللمشاكسات لابتزاز أموالهم وللتنقيص من حقوقهم، ولم يكن هذا من روح الإسلام الأصيل.
لكن هذا الوجه القاسي من التاريخ لا يُلغي الوجه الآخر، حيث عاش المسيحيون والمسلمون قروناً طويلة في تفاعل حضاري مشترك. فالخلفاء العباسيون – مثل المأمون "813-833 م" – استعانوا بالأطباء والعلماء المسيحيين من أمثال حنين بن إسحاق وثابت بن قرة لترجمة الفلسفة والعلوم اليونانية إلى العربية. كما ساهم المسيحيون الملكيون والنساطرة في تأسيس مدارس الطب في جنديسابور وبغداد، وكان لهم دور بارز في النهضة العلمية التي ازدهرت في ظل الدولة الإسلامية.
وفي المقابل، عندما ضعفت الدولة الإسلامية وتعرضت لهجمات خارجية، انعكس ذلك سلباً على أوضاع المسيحيين. فإن انكسار الجيوش العربية في حروبها مع الدول المسيحية "الروم والفرنجة" كان ينعكس سلباً على أوضاع المسيحيين في المشرق، إذ كان يُنظر إليهم بريبة باعتبارهم من أبناء الدين نفسه الذي يحارب المسلمين، رغم أنهم عرب في الأصل والانتماء. إضافة إلى عمليات هدفها تحويل الأنظار عن الخسارة وإرواء عطش الجموع كما حدث في حلب مع بداية الحصار الصليبي لحلب عام ١١٢٤، حيث تم الاستيلاء على أربعة كنائس ومنها كاتدرائية حلب العظمى وتحويلها إلى مسجد "السرّاجين" ثم المدرسة الحلوين، وكانت التهمة جاهزة دائماً وهي التخوين.
ومع بدايات القرن التاسع عشر، ظهرت اليقظة المسيحية، خلاف الإسلامية، نتيجة اتصال فكري مباشر مع أوروبا، فبرز مفكرون مثل بطرس البستاني وناصيف اليازجي وأديب إسحق، الذين ساهموا في تأسيس النهضة العربية الحديثة، وأطلقوا فكرة “العروبة الثقافية” الجامعة بين المسيحيين والمسلمين على أساس اللغة والحضارة لا الدين.
أما في العصر الحديث، فإن الخوف المسيحي من إقامة نظام سياسي إسلامي يقابله لدى المسلمين ارتباك إزاء تحديات الحداثة الغربية التي تبدو وكأنها مصممة على تدمير الأمة الإسلامية كلها، مع تعميم أن الغرب هو مسيحي. وبين الطرفين تقف العروبة كهوية مشتركة، تحمل وعداً بوحدة المشرق بعيداً عن التقسيم الطائفي.
لقد تركت الحروب الصليبية في القرون 11 –13 الميلادية جروحاً عميقة بين الجانبين، لكنها لم تستطع أن تمحو قروناً من التعايش والإبداع المشترك. واليوم، في زمن تتصاعد فيه الأصوليات الدينية وتضعف فيه الروابط الوطنية، تبقى المواطنة والإنسانية هي الإطار القادر على جمع الصليب والهلال وغيرها من الفئات الدينية الأخرى، في فضاء واحد، ولكن أصواتاً وتصرفات متشنجة كانت تعيق ذلك.
إنّ مستقبل المشرق لن يُكتب بالتمييز، بل بالشراكة في الانتماء، حيث يكون الدين طريقاً إلى القيم لا إلى الإقصاء، والإنسانية ثم العروبة مظلات تحمي الجميع، لا راية فريق دون آخر.
إن استخدام بعض المسيحيين - وجزء مهم منهم هم ديكور - لا يكفي لإضفاء صورة صحيحة عن المواطنة، أو عن تمثيل الجميع في هياكل الوطن
اللهم اشهد بأني بلّغت
28/02/2026 09:45 pm 20
.jpg)
.jpg)