كنوز نت - بقلم : عبدالإله عطشان


من كواليس الوعي إلى مسرح الواقع: آليات تحوّل الحدث الداخلي إلى كفٍّ خارجي للمنجزات

  • بقلم : عبدالإله عطشان


​لا يعيش الإنسان في بيئة فيزيائية مجردة بل يمرّ بكل تفاصيل حياته من خلال مصفاة شديدة التعقيد يُطلق عليها في أدبيات علم النفس المعرفي والتحليلي الحدث الداخلي هذا الحدث ليس مجرد صدى عابر لما يدور في الخارج بل هو منظومة ديناميكية مستمرة تشمل الأفكار التلقائية والتصورات الذهنية والحوار الذاتي والمشاعر المصاحبة لها إن هذا الفضاء السيكولوجي يمثل المصنع الأول الذي تُصاغ فيه توجهات السلوك الإنساني وحين يختل التوازن في هذا المصنع يتحول الحدث الداخلي من أداة للتكيف والتخطيط إلى جدار مصمت يعزل الفرد عن واقعه ويمنعه من تحقيق إمكاناته الذاتية والمهنية فيما يُعرف علمياً بآليات التخريب الذاتي الناتجة عن التشوهات المعرفية.

​إن الجسر النفسي الذي يربط بين التصور الداخلي والامتناع الخارجي يتشكل عبر مسارات متكاملة أبرزها ما يُعرف في مدرسة القبول والالتزام بـ الاندماج المعرفي في هذه المرحلة يفقد الفرد القدرة على الفصل بين الفكرة كحدث عقلي مؤقت وبين الحقيقة كواقع موضوعي لتصبح الأفكار الاحتمالية حتميات بيولوجية في وعي الشخص مما يدفعه مباشرة إلى الإحجام الخارجي عن الفعل يتزامن ذلك مع إطلاق النبوءة المحققة لذاتها فحين يمتلئ العقل بالسيناريوهات الكارثية المتوقعة يبدأ الجهاز العصبي بالاستجابة الفسيولوجية لهذه الكوارث الوهمية عبر إفراز هرمونات الإجهاد مما يؤدي إلى تشتت الانتباه وانكماش لغة الجسد وظهور أداء مهني مهزوز فينتهي الأمر بالفرد إلى الفشل في الواقع الخارجي لا لقلة كفاءته بل لأن سلوكه تَلَقَّم وتوجَّه بالكامل تحت وطأة النبوءة الداخلية المرعبة.

​ويتميز العقل القلق بظاهرة الاجترار النفسي وهي إعادة تدوير الأحداث الداخلية السلبية دون الوصول إلى حلول عملية هذا الاجترار يعمل كمستهلك جبار للطاقة الإدراكية مستنزفاً قدرات القشرة الجبهية المخية المسؤولة عن اتخاذ القرارات والتخطيط للمستقبل وعندما تُستهلك هذه الطاقة الحيوية في إطفاء حرائق وهمية داخل العقل لا يتبقى للفرد أي دافعية أو جهد عصبي لمواجهة التحديات الحقيقية في ميدان السعي فيتحول الطموح نحو النجاح إلى عبء ثقيل يتجنبه الشخص عبر ميكانيزمات التسويف الدفاعي ومن الناحية البنيوية فإن العقل قد تطور بيولوجياً لحمايتنا لا لإسعادنا ولذلك تنشط منظومة الخوف بسرعة فائقة وحين يتجاوز الحذر حدوده الموضوعية يتحول إلى قلق شلّي يُفسَّر سلوكياً كنوع من التعزيز السلبي حيث يمنح الهروب من التجربة راحة فورية مؤقتة توهم العقل بأن الإحجام كان خياراً صائباً مما يرسخ دورة الخوف كنمط حياة مزمناً.

​ولكسر هذا السجن الإدراكي ومنع الأحداث الداخلية من تشكيل الواقع الخارجي سلبياً تطرح البحوث النفسية الحديثة استراتيجيات رصينة تبدأ بممارسة إلغاء الاندماج المعرفي وهي تدريب الوعي على النظر إلى الأفكار كعابر سبيل لا من خلالها كعدسات لاصقة مما يجرد الحدث الداخلي من سلطته المطلقة ويتكامل ذلك مع التعريض التدريجي الذي يكسر وهم السيناريوهات الكارثية عبر اختبار الواقع خطوة بخطوة فالعمل والحركة حتى مع وجود التوتر يمدان العقل ببيانات واقعية تصحح التوقعات المتطرفة إلى جانب تبني مرونة التقبل التي تعيد تعريف المشاعر المصاحبة للمحاولة كالارتباك والشك باعتبارها ضريبة طبيعية للنمو وليست مؤشراً على عدم الأهلية إن المعركة الحقيقية للإنسان لا تدور في ساحات الواقع بقدر ما تدور في أروقة وعيه والنجاح الخارجي في جوهره هو انتصار إدراكي يتمثل في قدرة الفرد على قيادة حدثه الداخلي وحرمان الأفكار الانهزامية من حق صياغة سلوكه وعالمه المادي.