كنوز نت - بقلم: سليم السعدي


 اعترافات بريطانية مبطّنة… حين تبوح الإمبراطوريات بما فعلته في الظل

بقلم: سليم السعدي

لا تحتاج السياسات الاستعمارية القديمة إلى الكثير من البحث لتنكشف، فغالبًا ما تسقط الحقيقة من أفواه صانعيها، لا من وثائق مراكز الأبحاث. وفي السنوات الأخيرة خرجت إلى العلن سلسلة من المقابلات التلفزيونية لمسؤولين بريطانيين سابقين — وزراء دفاع وخارجية وشخصيات برلمانية بارزة — كشفوا دون مواربة أن جزءًا من نفوذ بريطانيا في الشرق الأوسط وإيران لم يكن قائمًا على التحالفات أو الأخلاق الدبلوماسية، بل على صناعة الفوضى، بيع السلاح، وإبقاء الأنظمة في حالة اعتماد دائم على لندن.

هذه التصريحات، وإن أتت بصورة متقطعة وفي سياقات مختلفة، ترسم صورة أكثر صراحة مما كانت تعترف به الحكومات البريطانية في الماضي.

1. اعترافات على الهواء: حين يقول السياسي ما يخفيه أرشيف الدولة

في إحدى المقابلات الشهيرة، تحدث وزير بريطاني سابق — من أبرزهم توني بن أو دينيس هيلي — عن واقع السياسة البريطانية كما عايشها من الداخل. قال بوضوح إن الحكومات البريطانية لم تكن تتردد في دعم النزاعات، أو غضّ الطرف عنها، ما دامت تفتح أبواب صفقات السلاح وتضمن تدفق الأموال إلى الخزينة البريطانية.

لم يكن الرجل يبرر، بل يصف.
ولعل أخطر ما قاله أن بريطانيا كانت تعلم أحيانًا أن السلاح المصدّر سيُستخدم في صراع قادم، أو لفرض نظام سياسي مرغوب فيه. ومع ذلك، كانت الصفقة تُمرّر تحت عناوين “الاستقرار” و“مواجهة التهديد”.

هذا النوع من الاعترافات، ولو جاء بصيغة تحليل سياسي، يكشف ما لم يكن يجرؤ الكثيرون على قوله قبل عقود.

2. إيران زمن الشاه: المال المعلّق بين لندن وطهران

لا يمكن فصل تلك التصريحات عن المرحلة التي سبقت سقوط الشاه عام 1979، فقد كانت إيران واحدة من أكبر زبائن السلاح البريطاني.
عقود دبابات “تشيفتن” ومعدات عسكرية أخرى بلغت قيمتها مئات الملايين من الدولارات، بل إنّ بعض المسؤولين تحدثوا عن صفقات قاربت الـ 400 مليون دولار لم تتم بسبب الثورة، وبقيت الأموال والالتزامات معلّقة لسنوات طويلة.

في تلك الفترة، كانت لندن تعتبر إيران عمودًا إستراتيجيًا في الخليج، واستقرار الشاه يعني استمرار خط الإمداد المالي والسياسي.
لكن حين انهار النظام، انهارت معه تلك العقود، وباتت أرباح السلاح “سرابًا محجوزًا في أرشيف وزارة الدفاع البريطانية”.

هذه الوقائع ليست سرًا، بل جزء من تاريخ العلاقات بين البلدين، وأعاد بعض السياسيين البريطانيين التذكير بها في ظهورهم الإعلامي، معتبرين أن لندن “خسرت نفوذًا ومالًا” بسبب سقوط حليفها.


3. الفوضى كأداة نفوذ… من يعترف، ومن يصمت؟

ما كان لافتًا في تلك المقابلات أن السياسيين لم ينفوا مسؤولية بريطانيا عن تغذية أجواء التوتر في المنطقة.
لم يقولوا إن بريطانيا هي من أشعلت النيران، بل قالوا — وهذا أخطر — إنها لم تطفئها عمدًا، لأن استمرار الصراع يعني استمرار الحاجة للسلاح البريطاني، واستمرار حاجة الأنظمة نفسها إلى الدعم السياسي والاستخباراتي من لندن.

هذه التصريحات تكشف العقلية الإمبراطورية القديمة التي بقيت حاضرة حتى بعد زوال الإمبراطورية رسميًا.
فالقوة — من منظور هؤلاء الساسة — لا تقوم فقط على الجغرافيا، بل على تحريك التوازنات، وإبقاء الأطراف في حالة عدم استقرار مدروس.


4. بين الحقيقة السياسية والاعتراف الأخلاقي


قد لا تجد في الوثائق الرسمية عبارة صريحة تقول: “لقد استخدمنا السلاح لإبقاء نفوذنا”.
لكن الاعتراف الأخلاقي يأتي أحيانًا على شكل جملة عابرة في مقابلة، أو تحليل سياسي يقدّمه رجل خَبِر دهاليز الحكومة.

وبين السطور، تتضح حقيقة واحدة:
أن الشرق الأوسط لم يكن ساحة صراع داخلي فقط، بل ملعبًا تتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى، وبريطانيا لم تكن لاعبًا بريئًا في أي مرحلة من مراحله.

خاتمة

لن نجد سياسيًا بريطانيًا يقف أمام الكاميرا ويقول بوضوح: “سرقنا أموال الدول عبر السلاح”.
لكننا نجد تصريحات تكشف أن المال، النفوذ، واستدامة الفوضى كانت أعمدة أساسية في السياسة البريطانية لعقود طويلة.

والحقيقة، كما هو الحال في كل التاريخ، لا تحتاج للاعتراف الرسمي كي تكون واقعية؛ يكفي أن تتسرب من أفواه من عاشوها… ليكتمل المشهد.

أيّةُ أمّةٍ عربيّة هذه؟

  • بقلم: سليم السعدي

إنّ ما يمرّ به العالم العربي اليوم لم يعد مجرّد تعثّر سياسي أو إخفاقٍ إداري، بل أزمة هويةٍ عميقةٍ تضرب الجذور قبل الفروع، وتكشف التناقض بين الاسم الذي نحمله والمضمون الذي نمارسه.

لقد أنزل الله قوله:
«وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا»،
فصارت هذه الآية في واقعنا المعاصر حجةً للفرقة بدل أن تكون أساسًا للوحدة. بدل أن تكون التعارف جسراً يتقاطع عليه البشر، تحوّلت إلى ستارٍ تتوارى خلفه الانقسامات والمصالح والمتاريس القبلية والحزبية.

يُقتل الإنسان في ديار العرب—والإنسان روح الله في الأرض—فلا تهتزُّ نخوة، ولا ينتفض ضمير، وكأن دمَه ليس من دمهم. يجتمعون إذا حضرت المنافع، ويتفرّقون حين يأتي دور المبادئ. يرفعون راية العروبة شعارًا، بينما يُتركون معناها يتآكل شيئًا فشيئًا في صفحات التاريخ.

خيّبت الأمة نبيّها حين تركت الحكمة واتّبعت التهور، وأغضبت ربّها حين تخلّت عن الحق والعدل، فصار كل طاغيةٍ قادرًا على أن يجد له منفذًا بينهم:
مستبدٌّ من الشرق،
متجبّرٌ من الشمال،
ومتغطرسٌ من الجنوب.

وتحوّل الوطن العربي الواسع إلى ساحاتٍ تتفرّق عند كل امتحان، وتتّحد فقط عند الشعارات، لا عند الفعل.

إننا اليوم أمام أمّةٍ تحمل اسم العروبة، ولكنها فقدت جزءًا كبيرًا من معناها. تركت مجدها يتسلّل من بين أيديها، حتى صارت تسأل نفسها سؤالًا موجعًا:

أيّةُ أمّةٍ عربيّة هذه؟
أهي التي أرادها الله قوّةً متعارفة متكاملة؟
أم شتاتٌ يتنازع على ما تبقّى من ذاكرة التاريخ؟

إن هذا البيان ليس جلدًا للذات، بل دعوة لإعادة تعريف الهوية، وإحياء المبدأ، واستعادة الوعي، قبل أن نجد أنفسنا نعيش على أطلال اسمٍ لا يشبه حامليه.