.jpeg)
كنوز نت - بقلم: رانية مرجية
عندما تصبح الحافة وطنًا
- بقلم: رانية مرجية
في إحدى أمسيات المنطقة المرهقة، كانت أمٌّ تُخفض صوت الأخبار كي لا يسمع طفلها كلمة “تصعيد”. لم يكن في الغرفة صاروخ، ولا صفارة إنذار، فقط قلقٌ يتسرّب من الشاشة إلى الجدران. هكذا تبدأ الحروب أحيانًا: لا بالانفجار، بل بالخوف الهادئ الذي يتسلل إلى البيوت قبل أن يتسلل إلى الخرائط.
أخطر ما يمكن أن يحدث لمنطقةٍ متوترة ليس أن تقع الحرب… بل أن تعتاد احتمالها.
في المشهد الإيراني–الأميركي–الإسرائيلي، لا تُسمع طبول حربٍ صريحة، لكن يُسمع شيءٌ أكثر هشاشة: توازنٌ مشدود بين ضربةٍ محسوبة وأخرى، بين رسالةٍ بالنار وتصريحٍ سياسي، بين ردعٍ معلن وقلقٍ غير معلن. الجميع يتحدث عن منع الحرب، لكن السياسات اليومية تمشي بمحاذاتها.
إسرائيل تتحرك بعقيدة أمنية لا تسمح بالمفاجآت.
إيران تتحرك بمنطق سيادة لا يقبل الاحتواء.
والولايات المتحدة تمشي بين التزام التحالفات وقلق الانزلاق.
ثلاث قوى لا تريد حربًا شاملة.
لكنها جميعًا تمارس سياسات تجعلها أكثر احتمالًا.
المشكلة ليست في إعلان المواجهة، بل في لعبة الاقتراب منها دون نية الوصول. ضربات محدودة، رسائل محسوبة، خطوط حمراء يُعاد رسمها باستمرار. كل طرف يظن أنه يتحكم بالإيقاع. لكن التاريخ يُخبرنا أن الإيقاع قد ينفلت في لحظة سوء تقدير واحدة.
الحروب الكبرى لا تبدأ بقرار شجاع، بل بخطأ واثق.
الأمن، حين يُطلب بصيغة مطلقة، يتحول إلى قلقٍ مطلق.
لا توجد دولة تستطيع تحصين نفسها من كل الاحتمالات.
ولا توجد معادلة ردع تضمن استقرارًا دائمًا بلا مخاطرة.
ومع ذلك، يستمر الجميع في رفع السقف. لأن التراجع يُقرأ ضعفًا، وضبط النفس يُساء فهمه، والحذر لا يحصد تصفيقًا سياسيًا. وهكذا تتحول “الحافة” من مرحلة مؤقتة إلى حالة دائمة.
والحافة، حين تطول، تصبح وطنًا.
الخطر الحقيقي ليس في قرار الحرب، بل في تطبيع فكرة الحرب. حين تصبح نشرات التصعيد خبرًا عاديًا، وحين يتحول الاستنفار إلى روتين، يفقد المجتمع حساسيته تجاه الخطر. وعندها لا تقع الحرب فجأة… بل نجد أنفسنا داخلها.
إدارة الأزمة ليست حلًا، بل تأجيلًا.
والتاريخ لا يرحم المناطق التي تعيش طويلًا عند الحافة.
البديل ليس مثالية ساذجة، بل شجاعة مختلفة:
شجاعة إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في ذروة التوتر.
شجاعة الاتفاقات الصغيرة بدل انتظار الصفقة الكبرى.
شجاعة الاعتراف بأن القوة التي لا تُضبط بحكمة قد تنقلب على أصحابها.
الاستقرار ليس ضعفًا.
والحوار ليس تنازلًا.
ومن يمنع الحرب لا يقل شأنًا عمّن يخوضها.
المنطقة لا تحتاج إلى انتصارٍ جديد بقدر ما تحتاج إلى امتناعٍ مدروس عن المغامرة. لأن أي مواجهة واسعة لن تعيد رسم موازين القوى فقط، بل ستعيد رسم خرائط الخسارة الإنسانية — تلك التي لا تظهر كاملة في البيانات العسكرية.
في النهاية، المسألة ليست من يملك القدرة على الرد.
المسألة من يملك القدرة على ألا يستخدمها.
والسؤال الذي سيبقى، مهما ارتفعت الأصوات:
هل نريد أن نعيش آمنين… أم أن نعيش دائمًا على الحافة؟
19/02/2026 04:04 pm 160
.jpg)
.jpg)