كنوز نت - بقلم سليم السعدي


دم العربي الفلسطيني ليس مباحًا
من الضفة إلى غزة… ومن الداخل إلى القدس
  • بقلم سليم السعدي
منذ بدايات القرن العشرين، ومع صعود المشروع الصهيوني سياسيًا بعد المؤتمر الصهيوني الأول، وما تلاه من وعد آرثر بلفور، دخلت فلسطين مرحلة إعادة تشكيل قسري للهوية والجغرافيا. لم يكن الأمر نزاعًا عابرًا، بل مشروعًا طويل الأمد أعاد رسم الأرض والوعي معًا.
اليوم، ما يجري في الضفة الغربية ليس حدثًا معزولًا؛ توسّع استيطاني، مصادرة أراضٍ، تقطيع أوصال المدن والقرى بحواجز وجدران. وفي قطاع غزة، حصارٌ ممتد وحروب دورية جعلت الحياة هناك على حافة الانهيار الإنساني. أما في الداخل الفلسطيني، فتتصاعد قوانين وإجراءات تُعمّق التمييز البنيوي وتُضيّق على الهوية والرواية.
هذه الوقائع لا يمكن فصلها عن خطاب أيديولوجي يتنامى داخل بعض التيارات الدينية القومية المتشددة، التي ترى في الجغرافيا نصًا دينيًا يجب تحقيقه سياسيًا. في هذا السياق، يتكرر الحديث عن “الهيكل” وعن تصورات خلاصية مرتبطة بمجيء “المسيح” في بعض التفسيرات اليهودية المتطرفة، ويجري توظيف الدين لتبرير سياسات توسّع وإقصاء.

غير أن من المهم التمييز بين الدين كعقيدة روحية، وبين توظيفه السياسي. فاليهودية، كغيرها من الأديان، تضم تيارات متعددة، وكثير من الحاخامات والمفكرين اليهود يعارضون استغلال النصوص المقدسة لخدمة مشاريع قومية متشددة. كما أن ربط السياسات الإسرائيلية بكل يهود العالم هو تبسيط مخلّ وظالم.
المشكلة ليست في الإيمان، بل في تحويله إلى أداة صراع. ليست في النص، بل في قراءته الانتقائية التي تُقصي الآخر. عندما يصبح الهدف السياسي هو إعادة تشكيل القدس وفق تصور أحادي، أو تغيير الوضع التاريخي للأماكن المقدسة، فإننا نكون أمام مشروع لا يمس الفلسطيني وحده، بل يهدد الاستقرار الديني والإنساني في المنطقة بأسرها.
إن ما يجري في الضفة وغزة والداخل ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل مسارٌ يُفضي — إن لم يُواجَه — إلى تصفية تدريجية للوجود الفلسطيني، سياسيًا وديموغرافيًا ورمزيًا. وهذه ليست لغة عاطفية، بل قراءة لواقع يتّسع فيه الاستيطان، ويتقلّص فيه أفق الدولة والحقوق.
المفارقة أن القوى التي ترفع راية “القيم الغربية” تتجاهل في كثير من الأحيان مبادئها حين يتعلق الأمر بفلسطين. تُرفع شعارات حقوق الإنسان في ساحات كثيرة، لكنها تخفت حين يُذكر الفلسطيني. هذه الازدواجية هي ما يُفقد الخطاب الدولي مصداقيته.
دم العربي الفلسطيني ليس مباحًا، لا باسم الأمن، ولا باسم التاريخ، ولا باسم نبوءة أو تأويل ديني.
فالأرض التي تتسع لأتباع الديانات الثلاث، لا يجوز أن تُختزل في رواية واحدة، ولا أن يُمحى شعبٌ كامل من أجل تحقيق تصور أيديولوجي.
القدس ليست ساحة اختبار لهيمنة دينية، بل مدينة ذات قداسة مشتركة، ومسؤولية إنسانية مشتركة.
ومن يعتقد أن العدالة يمكن أن تُبنى على أنقاض شعب، ينسى أن الظلم — مهما طال — لا يتحول حقًا.