
كنوز نت - مقال رأي بقلم: سليم السعدي
غاب القط… العب يا فار
بقلم: سليم السعدي
في السياسة، كما في عالم الحيوان، يظل حضور القائد القوي هو الضمانة الأولى لعدم انفلات الأمور. فحين يغيب “القط” الذي يحمل الحكمة والحنكة والخبرة، تنطلق “الفئران” لتتصرف وكأنها ورثة عرش لم يعرفوه يومًا، ولم يتعلّموا أبجدياته. هذه الصورة ليست مجرد استعارة لغوية، بل توصيف دقيق لحالة عربية معاصرة تبدو فيها الساحة خالية من القيادات التاريخية، فتتحول إلى ملعب صغير تتحرك فيه قوى ضعيفة، تتظاهر بالقوة بينما لا تمتلك من أدواتها إلا المظهر والصوت العالي.
لقد عرفت منطقتنا زعماء اختلفنا معهم، ناقشنا سياساتهم وربما عارضناها، لكننا لم نشكك يومًا في ثقلهم وجرأتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار. أسماء مثل صدام حسين، معمر القذافي، أنور السادات، وبقي منهم من لا يزال صوته حاضرًا كالسيد حسن نصر الله، شكّلوا مدرسة سياسية كاملة. لم يكونوا مجرد سياسيين، بل كانوا شخصيات ذات حضور طاغٍ؛ يمتلكون القدرة على ملء الشاشات، وقراءة التاريخ، وتحريك الشارع، ورسم ملامح مستقبل يراه البعض صحيحًا ويراه الآخرون مثيرًا للجدل، لكن لا أحد كان يجرؤ على وصفه بالخواء.
اليوم، نشهد فراغًا سياسيًا عربيًا يدعو للقلق.
فراغٌ لا يُملأ بخطابات، ولا تُعالجه اجتماعات شكلية، ولا تستره الشعارات.
الساحة فارغة من الخطاب، من الصوت، من الحضور الثقيل.
وكأن المنطقة تقف عند بوابة مقبرة كبيرة، امتلأت بمن رحلوا من أصحاب الكلمة والقرار، بينما بقيت الرياح تدور في الفراغ بلا ضجيج، وكأنها فقدت قيمتها بعد رحيل أصحابها.
في هذا الفراغ، يظهر “الفأر السياسي”؛ شخصية هامشية تظن أن غياب الكبار فرصة لتحقيق نفوذ لم يكن يومًا في متناولها. يتصرف بثقة زائفة، ويندفع نحو قرارات طائشة، ويحاول أن يصنع لنفسه مجدًا أكبر من حجمه بكثير. يتحرك في ساحة لا ينافسه فيها أحد، فيظن نفسه رائدًا وصانعًا للسياسة، بينما هو في الحقيقة مجرّد عامل فوضى، ينتج مشهدًا مرتبكًا لا يحمل من السياسة إلا اسمها.
هذا الواقع ليس قدرًا، وليس حتمًا. لكنه نتيجة لسنوات من الانقسام، وفشل النخب، وتراجع الوزن العربي في القضايا الكبرى. نتيجة لغياب الشخصية التي تجمع ولا تفرّق، القادرة على قراءة المشهد الإقليمي بعمق، ورؤية التهديدات قبل وقوعها، وإدراك اللحظة التاريخية لا باعتبارها عبئًا، بل فرصة.
إن المنطقة بحاجة إلى مشروع قيادي حقيقي، لا إلى فئران تعبث في الظلام.
بحاجة إلى خطاب واضح، لا إلى ضجيج فارغ.
بحاجة إلى حضور سياسي ثقيل يملأ الفراغ، ويعيد التوازن، ويمنع المغامرين من العبث بمصير شعوب كاملة.
حتى ذلك الحين، سيبقى المشهد ملتبسًا: فأر صغير يلعب في ميدان أكبر من قدرته، وشعوب تنتظر عودة “القط السياسي” الذي يصنع توازن القوى ويعيد الأمور إلى مسارها الطبيعي.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم:
هل تنتج الأمة قيادات جديدة قادرة على ملء هذا الفراغ؟
أم سنبقى نشاهد الفأر يلهو، فيما الريح نفسها تتوقف عند بوابة المقبرة، تنتظر من يعيد الحياة إلى الساحة السياسية العربية؟
01/12/2025 08:28 am 186
.jpg)
.jpg)