الطيبة : بقلم الاعلامي ناضل حسنين


عالماشي:

حين ترقبه وهو صغير تبتهج لذكائه وحين تستمع لوالديه وهما يتفاخران بفطنة ابنهما وانه "اشطر واحد في الصف" وانه نجح في امتحان الموهوبين وقد انتقل الى المرحلة التالية وانه يزور دورات للموهوبين في الجامعة... وان الأستاذ الفلاني ابدى اعجابه به وان اباه اشترى له هدية ثمينة هاتف "آخر موديل"...وان ...وان...


حين تلاحظ كل هذه العلامات على تلميذ لا يزال في الصف الرابع او الخامس، فإنك ومهما كنت متحفظا، لا بد ان تتفاءل لهذا الموهوب الصغير بمستقبل لامع...


اليوم، وبعد ان مر على تلك الصورة المفعمة بالتفاؤل، نحو عشر سنوات، تجد ان ذاك التلميذ الموهوب بالكاد أنهى الثانوية ... وانه لم يتمكن من اجتياز كل امتحانات البجروت...وانه يدخن السجائر منذ عدة سنوات... وانه لا يتوانى في تدخين المرحوانا مع بعض الأصدقاء... وانه أصبح من ذوي السوابق لدى الشرطة لأنها ضبطته يقود سيارة بدون رخصة... وانه يعود الى بيته في ساعات الفجر الأولى كل ليلة تقريبا... وان امه واباه صارا يتجنبان سيرته امام الناس... وان أهالي أصدقائه صاروا ينصحون أولادهم بالابتعاد عنه... بعبارة أخرى، تحول التلميذ المفخرة الى عار على اسرته وان دخوله السجن بات مسألة وقت لا اكثر...



هذه حالات تتكرر في كثير من البيوت، ويبدو لي انها منتشرة في الطيبة أكثر من بلدات أخرى. أين وقع الانزلاق الأول عن طريق النجاح؟ وهل حقا كان التلميذ يجمع كل هذه المزايا التي تبشر بالنجاح ام ان الاهل رسموا له صورة ليتباهوا بها امام الاخرين بينما الحقيقة كانت مخزية في جوهرها؟


ترى هل للمدرسة قسط في هذه الفقاعة التي تسمى "الولد شاطر شهادته كلها 100"؟ متى رأينا شهادة تلميذ في المرحلة الابتدائية ليست ممتازة وإن لم تكن كل التقديرات 100، فهي قريبة من ذلك؟ هل المعلم يضع العلامات للتلميذ ارضاءً لغرور والديه ام خشية الظهور بتحصيل ضعيف لطلابه مما يعتبر فشلا للمعلم نفسه؟


صناعة الفاشلين، رغم تراجعها عن الماضي، فهي لا تزال قائمة في مجتمعنا ولن ينفعنا تقاذف الاتهامات بالمسؤولية عنها بين البيت والمدرسة والشارع، انما ما قد ينفعنا هو تخلينا عن الفكرة الشيطانية في التباهي بصغارنا كما نتباهى بالسيارة الفارهة وكما نتباهى بالبيت الفاخر وبالملابس الثمينة. كفانا تسترا على اخفاقنا في تربية أولادنا والسعي الى تقديمهم للمجتمع على انهم مفخرة نناكف بهم الاخرين ثم سرعان ما تقشرهم السنين ليتجلى زيف صورتنا وزيف الصورة التي رسمناها لأبنائنا.