كنوز نت - وكالات 

لا يُردُّ على الجريمة بالجريمة



بقلم: ريموندا حوا طويل
*لم يجد رئيس أساقفة كانتربري جاستن ويلبي – حسب ما أوردته هيئة الاذاعة البريطانية – سوى التعبير عن شكوكه في الحقيقة الالهية بعد أن أفزعته مناظر العمليات الارهابية في باريس، واضاف ويلبي، حسب المصدر المشار اليه، أنه تساءل بينه وبين نفسه، عن ضرورة التدخل الالهي أزاء هذا الجنون، ولكن الرجل، وبعد هذه الشكوك الروحية العنيفة، يستدرك بالقول ان الظلم لا يقابل بالظلم، وان اللاعدل يجب ان لا يواجه باللاعدل أيضا، وقد استوقفني كلام الرجل ومشاعره وموقفه أيضا.
لقد بكينا باريس، بكينا على ضحايا باريس، بكينا هذه المأساة، هذه التراجيديا الفرنسية التي ليس لها مثيل، هذه جريمة.. نحن الشعب الفلسطيني مسيحيين ومسلمين عرب بكينا هذه المجزرة.. ذرفنا دموعا على الضحايا لاننا مثلهم.. ضحية الارهاب الذي تمارسه الدولة، ومن هنا نضم صوتنا الى صوت الفرنسيين، الامهات والاباء والعائلات الثكلى.. نقول لهم من ارض السلام، من ارض فلسطين نحن نرفع صوتنا تضامنا معكم.
ودائما كانت السياسة الفرنسية مع القضايا العربية، هذه هي سياسة ديغول. لقد رفضت السياسة الفرنسية الدخول في الحرب في العراق، عندما قال شيراك ستفتح ابواب جهنم ورفض المشاركة في حرب العراق عندما بدأ جورج بوش الابن شن الهجوم على العراق.. وكذلك ميتران رفض ان يشارك في حرب العراق مع بوش الاب وفرنسا ساعدت الرئيس الراحل ياسر عرفات والمقاتلين للخروج من لبنان على بواخرها مرتين من بيروت في العام 1982 ومن ثم من طرابلس في العام 83.
فرنسا هي بلد حقوق الانسان التي استقبلت المهجرين من كل العالم واعطتهم لجوء في بلدها، نأمل من فرنسا ان تستمر وتبقى بلد اللجوء والديمقراطية وحقوق الانسان، نأمل من فرنسا ان تراجع سياستها الخارجية في المنطقة وان تكون بسياسة وحكمة ديغول والسياسة التي عهدناها في المنطقة.
نعم، فالعمليات الارهابية التي هزت باريس وأطفأت انوارها ونشرت الخوف والرعب في شوارعها ليلة كاملة، إلى درجة تحولت معه باريس في لحظة من اللحظات إلى الحرب الشرسة التي شنتها قوات الجيش الاسرائيلي على مواطنين أبرياء في غزة، حرب بيروت، مجزرة جنين، اجتياح رام الله والمقاطعة، حصار كنيسة المهد في بيت لحم، قصف بيت ساحور، تفجيرات البلدة القديمة في نابلس، هدم البيوت على رؤوس المواطنين وقتل واعدام الفلسطينيين وفي القدس، هي عمليات ارهابية بكل المقاييس، نرفضها وندينها ولا نتعاطف معها ولا نؤيدها ولا نشد على أيدي من نفذها وخطط لها وموّلها وسهّل لها وحرّض عليها، هذا موقف مبدئي ونهائي. ولكن.. ألا يحق لنا نحن الفلسطينيين، باعتبارنا الضحية الدائمة لاكثر من قرن من الزمان أن نرى الامور بطريقة أكثر دقة ووضوحا.
ألا يحق لنا نحن كفلسطينيين أن نتروى كثيرا وأن نرى في تفجيرات باريس الارهابية مناسبة لتذكير العالم بنا وبجرحنا وما نعانيه من ارهاب دائم!!
ألا يحق لنا كفلسطينيين أن نعلن للعالم اننا نتعرض لما هو أفظع مما حدث في باريس وغير باريس!!
وبهذه المناسبة، كان يمكن لنا أن نذهب الى هناك، وفودا رسمية وشعبية للتضامن مع الفرنسيين لاننا في خندق واحد، وحتى نذكر العالم بنا، وحتى نقطع الطريق على اسرائيل ان تجعل من نفسها «ضحية الارهاب» كما تدعي صباح مساء، وقد ساعدها وساندها كيري عندما التقى نتنياهو مؤخرا، وجعل من اسرائيل «ضحية الارهاب الفلسطيني». ما أشد نفاق العالم!! وما أشد كذبه!!
ما أردت قوله في هذا الشأن هو أن العمليات الارهابية اسقطت كل أوراق التوت أو التين عن كل العورات المحلية والاقليمية والدولية. ذلك أن الارهاب الذي تشدقت الولايات المتحدة الامريكية بالحرب ضده كما ادعت غيرها من الدول انها تحارب نفس الارهاب منذ أكثر من عشر سنوات,
لم يؤدِ كل ذلك الى انتهاء ظاهرة الارهاب، بل على العكس من ذلك، فقد ازدادت هذه الموجة قوة وصلابة وانتشارا وحجما وعددا وسلاحا ومساحة وتأثيرا وقدرة على العمل والوصول الى كل مكان تريد، إذن، فأين هذه الحرب المعلنة على الارهاب التي لم تؤدي إلا الى ازدياد قوته، وما هي نتيجة السنوات العشر الماضية سوى اسقاط الانظمة وزيادة الفوضى وانتشار الحروب الاهلية والدمار والقتل والفقر والتشريد.
ماذا كان يفعل الغرب خلال عشر سنوات؟ وأين أمواله وخططه وحتى دماء ابنائه؟ وماذا فعلت اسرائيل – حليفة الغرب وصنيعته – من أجل هزيمة الارهاب كما تدعي؟!أم ان الارهاب الذي يحاربه الغرب ما هو الا ذريعة للسيطرة على المنطقة؟!
وأن الارهاب هذا كان مصنوعا ومدعوما ومدجنا من أجل تغيير المنطقة وادخالها في الفوضى؟! وان الحرب على الارهاب كان مجرد شعار ليس الا؟!

والا كيف نفسر ان هذا الارهاب يتمدد بهذا الشكل ويهدد دول المنطقة وشعوبها ويفتح الباب على مصراعيه من أجل تنافس دولي شرس يفتك بكل شيء فيها؟! أليس من حقنا ان نشك بالامر كله؟! وان نسأل كل الاسئلة المحرجة؟!
ثم، أليس من حقنا ان نسأل، لماذا تم السكوت على ظواهر ومظاهر الارهاب التي ما كانت لتكون لولا غزو العراق وتدميره وقتل صدام حسين والقذافي وكل الاخرين؟! ألم يعترف طوني بلير قبل عدة اسابيع انه لولا تدمير العراق لما ظهرت القاعدة ولا داعش ولا حرب الطوائف في العراق؟! ثم ألم يعترف كولن باول وغيره من قادة الولايات المتحدة الامريكية ان كل ما قيل ونشر عن علاقة العراق بالقاعدة كان مجرد أكاذيب وذرائع لتدمير العراق.
إذن، من المسؤول الاول عن تفجير المنطقة وزرعها بالارهاب الذي يتجاوز الحدود ويصل الى عمق الاراضي الاوروبية والامريكية؟! أليست هي سياسات الغرب الاستعلائية والاستشراقية؟! أليست هي أنانية الغرب وغطرسته وصلفه؟!
كان الغرب الاستعماري قاصرا جدا في فهمه وقراءته ومعالجته لمشاكل الاقليم العربي، وكان ساذجا جدا في معالجته لاثار الاحتلال والفقر والديكتاتورية وحقوق الانسان. وهو ما يزال يمارس ذات السياسة في سوريا، فهذا الغرب يتردد ويرتبك في تحديد استراتيجية ناجحة في التعامل مع الازمة السورية، فهل يسقط بشار الاسد من أجل انتصار داعش والقاعدة؟! أم يدعم معارضة معتدلة غير موجودة من أجل قتال المعارضة غير المعتدلة؟! هل يقسم البلاد والعباد أم يبقى على سوريا موحدة حتى لا تسقط بيد اعداء الغرب وخصومه؟!
كل هذه الاسئلة لم يجب عنها الغرب ولن يجيب الى مدة طويلة من الزمن، لان الغرب الاستعماري لم يدرك بعد أن أمنه الاستراتيجي مرتبط بأمن المنطقة العربية والاسلامية، فالعالم صغير وصغير جدا، ولا أقصد هنا الأمن بمعناه الضيق، ولكني أقصد الأمن بمعناه الشامل والكامل. وهذا مما يطرح على المجتمع الدولي كله مسألة الاحتلال الاسرائيلي لبلادنا وكيف تعامل الغرب حتى الان مع هذه المسألة.
اذ يعتقد الغرب ان لا علاقة بما يجري في المنطقة من "تفكيك وحراك وارهاب وحروب طائفية بما يجري في فلسطين من احتلال واعتداء وقتل وتدمير. ويخطىء الغرب كثيرا بهذه المقاربة الظالمة والقاصرة أيضا. فالاحتلال الاسرائيلي سبب أساسي من أسباب عدم الاستقرار في المنطقة كلها، وهو يشكل إهانة كبرى لثقافة الاقليم العربي والاسلامي ووجدانه، كما أنه يحرج التيار المعتدل فيه، ويضغط على الانظمة القريبة والبعيدة من أجل تطويع السياسات لصالحة، كما أنه يهدد الوحدة السياسية والاقتصادية، كما أنه يعترض اية جهود من أجل بلورة استراتيجية عربية موحدة، لامتلاك الاسلحة الرادعة وغير التقليدية، ولهذا فان الاحتلال الاسرائيلي يؤثر عميقا على الشعوب العربية والاسلامية، إذ ينظر اليه باعتباره العصا الغليظة المسلطة على الرقاب، وانه صنيعة الغرب الاستعماري، ولهذا فإن حل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي سيكون بمثابة ازالة صاعق المتفجرة التي تتكتك دائما في المنطقة، وان ازالته ستخفف التوتر والاحتقان الديني والسياسي، وان ازالته ستشكل رفعا لاي غطاء أو ذريعة قد يتخذها مغامر هنا أو هناك.
ان اغماض العين والقلب عن الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي او وضعه بين يدي اسرائيل فقط أو ادارته والتعامل معه على طريقة المرض المزمن, لن يفيد ولن ينفع، وسيدفع الغرب ثمن تجاهله أو تراخيه في حل هذا الصراع، وأمامنا الحالة العراقية والسورية والليبية حيث ان التراخي والتردد والاستعلاء والانانية الغربية، جعلت مدنه تهتز بالتفجيرات المدوية، وعلى قدر ادانتنا لهذه التفجيرات فان عتبنا ولومنا كبير أيضا، وقد يقول قائل ان هذا الكلام لا يفيد الان، فقد حصل ما حصل. وأقول ردا على ذلك، ان هذا الكلام ليس متأخرا وهو نافع جدا أيضا، إذ أن الامر قد يسوء أكثر مما هو سيء الان، وقد كان الرئيس اوباما واضحا عندما قال في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس الفرنسي اولاند في واشنطن: ان العالم الان خطر.
نعم، العالم خطر جدا، وعلى الجميع أن يتدارك الموقف تماما، وبرأيي فإن الغرب يخطيء إذ يقوم بالامور التالية:
أولا: ان يقوم بمعاقبة الجميع بدون استثناء، بمعنى ان يمنع اللاجئين السوريين من التدفق الى اراضي فرنسا وغيرها، فهذا الامر إن حصل إنما هو تراجع عن الديمقراطية والتعددية وحقوق الانسان، تلك المبادىء التي خلقت فرنسا الحديثة والمتنورة. أو أن تقوم فرنسا وغيرها بمعاقبة الفلسطينيين أو العراقيين أو غيرهم، بالاهمال أو ادارة الظهر أو عدم المساعدة.
ثانيا: ان تستخدم القوة فقط، فالجريمة لا تعاقب بالجريمة، كما قال رئيس اساقفة كانتربري، ان القوة لم تحل ولن تحل أي أزمة قط. لا بد من القوة الناعمة المقنعة والتي تغير. ان تفكيك أزمات المنطقة باعادة الحقوق ورسم خرائط الطرق الواضحة والتمثيل السياسي والتعددية والمشاركة هي الكفيلة بوضع نهايات سعيدة لكل الصراعات.
ثالثا: ان لا يتم وضع نهاية للاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية التي احتلت عام 1967، إذ أن استمرار الاحتلال سيشكل دائما دافعا ايديولوجيا ودينيا لكراهية الغرب ومواجهته.
رابعا: ان لا تتم مساعدة العراقيين والسوريين والليبيين على اجراء مصالحات تاريخية يتم من خلالها توزيع الثروة والسلطة على الجميع. اما أن يبقى الغرب مشاركا في تزويد السلاح والتغطية السياسية لطرف على حساب طرف آخر، فان الغرب سيدفع بالتأكيد ثمن هذه السياسة.
خامسا: ان يتهم الاسلام بانه ثقافة ودين تشجع على الارهاب والقتل، ان مثل هذه النظرة الضيقة وغير العلمية تعني ان الغرب يذهب رأسا الى ما يسمى بصدام الحضارات. ان الارهاب لا دين له ولا قومية ولا ثقافة. الارهاب هو نتيجة وليس سببا. فهل ستكون تفجيرات باريس الارهابية اول الطريق الصعب نحو تحقيق التسويات المقبولة؟