العالم الإفتراضي "سلسلة حلقات في البحث عن الذات"

 جهاد بلعوم

أصبحت صفحات الفيسبوك تعكس الحياة المثالية التي يطمح إليها بعض منا ، ولهؤلاء صفات مشتركة ؛ كونهم في الحقيقة يهربون إلى مدينتهم الفاضلة التي رسموها في مخيلتهم ، يظهرون فيها عبر صفحاتهم بأبهى صورهم ، تلك التي افتقدوها في حياتهم العملية ، والأمر لا يقتصر على هذا فقط ،

 بل إنهم يتقمصون تلك الصفات ، يحملونها معهم ويتجولون بها بين صفحات الأصدقاء ، تتملكهم النشوة ، يسرقون سويعات من الخيال وكأنها الحقيقة ، يبنون بها صروحا من المستحيل ، وكأنهم ملائكة للمحبة والجمال والأخلاق والكمال، 

مما يدفعم إلى الإدمان ، كونهم بمجرد أن يعودوا للحياة العملية ينتابهم شعور من الاكتئاب يدفعهم للتعلق أكثر بصفحات التواصل تلك ، وما يميز هذه الشريحة من الناس ، 

أولا ؛ أنهم وفي حياتهم الواقعية مكبوتون ، لا يعيشون ذاتهم ، محبطون ، يكاد الملل ينهش من عظامهم،


 ثانيا ؛ كونهم يعيشون في مجتمع ضاعط، غير عادل ، فإما أن سقف توقعاته منهم لا يتناسب وقدراتهم الذاتية أو أنه وبسبب حالة الفوضى التي تتملكه فهو يفرض على أفراده أن يزيفوا ويكذبوا وينافقوا وأن يعيشوا أدوارا غير أدوارهم الحقيقة ،

 كل هذا نتاج لتخلف ذلك المجتمع ولافتقاده لبوصلته الأمر الذي يدفع أفراده للتفكك والبحث عن ذاتهم في عوالم خيالية أخرى. 

ومع مرور الوقت ينتج عن ذلك إما حالات من الانتحار الفكري والعقائدي أو الهروب إلى العنف السلوكي ، أو حالات من الهستيريا العاطفية والذهنية التي تؤدي بالنهاية لولوج المجتمع بأفراده لنفق مظلم من الضياع .