من عجائب السادسة صباحا...
الطيبة "بقلم : الاعلامي ناضل حسنين" 

  تأخرت بالأمس في مغادرتي للمدينة متوجها الى عملي، فكانت الساعة السادسة حين بلغت "العنق الضيق للزجاجة" وهو عند محطة وقود "حسن القاسم وأولاده"، حيث تجتمع اربع روافد من السيارات في نقطة واحدة وعليها الانسياب في طابور مشترك بطيء تسير فيه السيارة تلو الأخرى.  

  في هذه النقطة تكون الغلبة عادة للوقح ولصاحب السيارة الاقدم التي لا تعز على صاحبها او السيارة الاضخم او حتى التراكتور الذي لا يهمه شيء فيغوص بكل جرأة وسط السيارات شاقا دربه نحو المقدمة. في هذه النقطة عند الصباح تجتمع كل الاعتبارات باستثناء آداب السياقة.

  وصلت كغيري هذه النقطة الحرجة عند الفجر، وكان عليّ التنبه لكل الجهات. في الجهة اليسرى تتدحرج ملتصقة بي سيارة تتحين الفرصة لتدس بمقدمتها امامي، وامامي سيارة أخرى تتقدم بين الحين والآخر لعدة سنتمترات ثم تتوقف، وخلفي سيارة ثالثة تحتضن سيارة خشية ألاّ يدس آخر سيارته بيننا، وفي الجهة اليمنى سيارتان تحاولان الخروج من محطة الوقود والانسياب في الطابور.

  تمر عادة السيارات عبر محطة الوقود، في الصباح، ليس للتزود بالوقود وانما لاختصار الطابور الممتد من مفرق الـ 24 وحتى مخرج المحطة وذلك في محاولة يكرهها بقية السائقين، لتخطي الجميع والخروج في مقدمة الطابور. هؤلاء الذين يمرون عبر المحطة لا يحظون بتسامح من يصارعون الطابور الطويل بكل صبر وضبط اعصاب، ولهذا نجد ان من يسير في الطابور "الشرعي" عادة لا يسمح لمن يحاولون الخروج من محطة الوقود بالانخراط بسهولة في طابور السيارات.

  في هذه البقعة من الدنيا، عليك ان تكون ساحرا وبهلوانيا ووقحا وعلى استعداد لسماع الشتائم والتلويح باليدين بإشارات مفهومة ونظرات ازدراء... هنا عليك ان تكون متحفزا للقتال والسجال وسماع ما فاتك سماعه في حارتكم في صغرك... المهم ان تمر الى الامام، ان تخرج عبر هذا العنق الضيق لحوصلة مدينة تعدادها 40 الف نسمة، يغادرها نصفهم في الصباح لجلب قوت صغارهم وينضم اليهم عدد مماثل من قلنسوة وزيمر وبئر السكة وجت ويمة وحتى باقة الغربية.


  بلغت نقطة الغليان حيث تجتمع الروافد الاربعة، فلاحظت من جهة اليمين شابة محجبة تقود سيارة بيضاء نظيفة، تقف عند مخرج محطة الوقود ولا تجرؤ على التقدم ملمترا واحدا خشية ان يخدش البهلوانيون المتمرسون في التدافع سيارتها. تسمرت مكانها طويلا مترددة تحجب طريق الاخرين خلفها. فشلت السائقة الشابة في محاولاتها المتكررة للانخراط فتنطلق من خلفها صافرات السائقين يعاتبونها على بطئها وجبنها وخوفها على سيارتها.

  نظرت السائقة الشابة نحوي باستجداء، فتمهلت واشرت لها بالانخراط أمامي في الطابور. لم تشكرني وانهمكت على الفور بمهمة التقدم الى ان اصطفت ببطء امامي بسيارتها ثم انطلقنا وانطلقت الشابة وكانت نعم السائقة.... فكانت تقود سيارتها بكل رشاقة ومهارة وفن. تسرع عند توفر هذه الامكانية وتبطئ عند الضرورة دون حركات مفاجئة عصبية ... كل حركات سيارتها كانت بانسياب حتى عندما بلغت سرعة 120 كيلومترا في الساعة في مقطع مفتوح من الطريق. 

  شعرت انني منحت حق المرور لمن تستحقه فزاد رضاي عن نفسي وقلت لعله يوم ناجح إذا كانت بدايته موفقة بهذه "الشهامة".

  شرقي مدينة كفار سابا وتحديدا، عند مفرق "ميجا" حيث الانعطاف نحو اليسار يقود الى هود هشارون، توقفت بسيارتي في احد المسارين المتجهين نحو اليسار، فكانت على يساري سيارة الشابة المحجبة. ولكن ويا لدهشتي حين ادرت وجهى نحوها فإذا بالمحجبة فتاة مكشوفة الكتفين منثورة الشعر الأشقر وتمسك فنجانا من القهوة بيمناها وبمقود السيارة بيسراها.

  تظاهرت بالغباء وبأنني لم اتعرف عليها بأنها ذات الشابة المحجبة التقيّة التي تغادر منزلها ثم تتحول في الطريق الى غير حالها الذي غادرت به بيتها. اسعفتها من الحرج واشحت بوجهي عنها نحو الامام وكانت الشارة المرورية خضراء فانطلقنا فاختفت!