كنوز نت - بقلم : بسام جرار



الحج وقوانين الحياة



كنوز نت - بقلم : بسام جرار : الحج من الملحوظ أنّ الإنسان خصوصاً الرجل يترك ملابسه وأزياءه المختلفة، فنرى جميع الرجال يلبسون لباساً واحداً إذن فالإنسان فيرجع إلى فطرته الأصلية

حسناً، ما الذي تفعله البنوك؟ نحن سبق وأن قُلنا إنّ لدينا هنا في الضفة منها سبعة وخمسون فرعاً، فلماذا كلّ هذه الفروع؟، ففي السنة الماضية أي عام 1996م هَرَّبَت هذه البنوك ثلاثة أرباع مُدخرات الناس لكي يزيد فقرهم، وقُلنا كم كان الفرق في سنة 1989م بين الداخل -وهي التي ما يُسمى بالمناطق المُحتلة- والخارج، أي الصادر والوارد، إذاً فكان لصالح الوارد مليار دولار، مليار دولار دخلتْ إلى الضفة الغربية وغزة، فالآن إذا أرادوا أن يقوموا بحساب الصادر والوارد فحينها سيتفوق ما يخرج من البلد على ما يدخل، وهنا الأمور تزداد سوءاً، والبنوك وراء كلّ ذلك، فهل البنوك تبني الاقتصاد؟ هل ترون في البلد أنَّ البنوك تبني، تبني ماذا؟، هل تعرفون ما معنى بنوك؟ معناه أيها الناس أنّكم لا تستطيعوا استخدام المال، فهم يحددون بأن: أعطونا ونحن سنقوم بتشغيلهم، نحن من؟ نحن بنوك الغرب، نحن الصهيونية العالمية، ونحن أهل الربا، كما أنّ مَرْكَزة رأس المال بأيدي قلةٍ من الناس، النظام الرِّبَوي من ضمن معانيه: مركَزَة مُستَمِرة لرأس المال في أيدي قليلة، إذن أعطونا لأنّكم لا تعرفون العمل، أعطونا أموالكم ونحن نُشغِلُهَا، أين تُشَغِّلُنَها؟ في بريطانيا، في لندن، في سويسرا، كما أنّ معظم أموال ما يُسمى بالعالم الثالث تُبنى بها دُول الغرب، ويُعطونهم الربا التافه، هُنا يُعطون خمسة بالمئة، وستة بالمئة، فماذا يعني؟ أنّه سيؤدي إلى انخفاض العُملة؛ فالربا من أخطر الأمور على الاقتصاد وخصوصاً هنا في بلدنا، أما نظام البنك الإسلامي باختصار فلا يستطيع تهريب الأموال إطلاقاً، وهو مُجبر على أن يستثمر في الداخل، فإذا أردتم أن تعرفوا الفرق فهو لا يُمكنه أن يُهرِّب، وهو مُجبر على أن يستثمر، هذا الفرق لوحده يكفي، وإذا وُجِدَ هُنا في الضفة وغزة بنك إسلامي فلا يجوز شرعاً أن تضع أموالك في البنوك الربوية ولا في حساب جارٍ، فالآن نحن نغضّ الطرف عن الحساب الجاري، ونقول إنّ هناك حاجة للناس وحاجة للتُّجار وحاجة للاستيراد والتصدير، فبمُجَرد ما أصبح هناك بديل إسلامي فيحرم شرعاً حتى أن تضع حساباً جارٍ، فالبنوك مُهِمَّتَها التدمير ومَركَزة رأس المال في أيدٍ قِلَّة، وأيضًا مهمتها في زيادة الفُقراء فقراً، ومنع الناس من استغلال أموالها، فعندما تكون الأموال بين أيدي الناس سيكونون مُضطرين لاستثمارها، فهذه البنوك التي ترونها ما أجملها في البلد!، ليس هذا موضوعنا، لو كان هذا موضوعنا لاستفضنا، لقد كان مجرد سؤال سريع.



قل لي عن الجزائر؟ هل تجد النساء فيها مع الرجال في الحفلات؟ أحدهم يسأل، حسناً، لقد تحدثنا سابقاً عن الرُّتري والماسونية وأنَّ لهم اجتماعات في رام الله وفي غير رام الله، وكان لهم قبل أسبوع كما يقول هنا أخونا اجتماع في رام الله، وسنفتح ملف الرُّتري والماسونية فيما بعد إن شاء الله.


الآن عندما رَجع الحُجَّاج تحدثوا عن بعض الحُجَّاج المُسلمين، فقالوا مثلاً إنّ شعب ماليزيا مُنَظَّم، وشعب تُركيا مُنَظَّم، وشعب إيران مُنَظَّم، وهو شيء لا يأتي من فراغ، فعندما تقول لي إنّ الحجاج الماليزيين مُنظمون، أي أنّني إذا ذهبتُ إلى ماليزيا سأجد هناك بلداً متطوراً ومُنَظَّماً، أي أنّه ليس الحُجاج الماليزيين هم المُنظمون، لا!؛ بل لأنّهم قد أتوا من بلد اسلامي ارتقى، ومن يزُر ماليزيا سيندهش من هذا البلد الاسلامي المُتَطَوِّر المُنَظَّم، وعندما يكون الأتراك مُنَظمين فليس ببعيدٍ أن يصل أَرْبكان، ليس صُدفة أنَّه قد وصل، قد كُنا من زمنٍ سابق نسمع، وأَذْكُر أنّ الحجاج الأتراك في سنة 1985م قد كانوا يلفتون الانتباه، وكذلك الأمر في عام 1975م، لذا فأنْ يصل أربكان هو شيء طبيعي، كما أنّي سمعتُ بعض الناس يتحدثون أيضاً عن إندونيسيا، إذًا فيوجد خير في هذا الطريق، فهذا انعكاس عن واقعك أنت، وانعكاس لكيف تبدو المدارس في البلد، وكيف تبدو التربية والتعليم، وكيف تبدو الحكومات؟، فتستطيع أن تعرف ذلك كله من خلال الحُجاج، ومن أراد أن يعرف كيفية تطور العالم الإسلامي فقط عليه أن يُراقب الحجاج هناك، ويرى شعب البلد الفُلاني كيف يتصرف، فسيعرف بالضبط حال المُسلمين، وإلى أين وصلوا، وإذا تذكرتم في السابق فقد أخذنا بعض شعائر الحج وحَلَّلناها، فشعائر الحج على ما يبدو أنّها تُعبِّر عن قوانين في الحياة، فعندما يكون الإنسان جاهلاً يأخذها كشكليّات، وكُلما ارتقى وعي الإنسان حينها يبدأ يُفكِّر في حقيقة هذه الشعائر.


حسناً سأبدأ بشعيرة الإحرام، ليبدو إلى الآن أنّه لا توجد دراسات، أو أنَّ المسلمين لم يُعطوا العبادات حقها من الدراسة، فلم يخطر على بالنا أنّه لماذا توجد الصلوات؟، ولماذا تكون الصلوات مُرتبطة بطلوع الشمس؟، أي عندما تكون الشمس في كبد السماء، وعندما تغيب، فما هو ارتباط حركة الكون هذه بعبادة الإنسان؟ ما القصة؟، ما معنى الرُكوع؟ وما معنى السُجود؟ وهل من علاقة بين ظاهرة الكون تلك وهذه الحركات؟ الآن ليس موضوعنا الصلاة، لكن يبدو أنّه لا بد من أن نُعيد النظر في شعائرنا.


 اليوم سنأخذ الحج كمِثَال، سبق وأن أعطينا فكرةً بسيطة حول الطَّواف، فسأبدأ الآن من الإحرام، وإذا استطعنا اليوم سأبدأ بالإحرام وأنتهي بالرَّجم، من الملحوظ أنّ الإنسان خصوصاً الرجل يترك ملابسه وأزياءه المختلفة، فنرى جميع الرجال يلبسون لباساً واحداً، وعندما يُحرم أحدهم فمن الممنوع له أن يقُص أظافره، وممنوع له أن يقُصَّ شعره، أليس هكذا؟، وكذلك فالطّيبُ ممنوع، إذن فالإنسان يُصبح على الفطرة، فيرجع إلى فطرته الأصلية، ويرجع إلى كيف خُلِق، فالإحرام يتضمن معانٍ كثيرة، وأنا أريد هنا معنى واحداً وهو الرجوع إلى الفطرة؛ لأنَّ هذه الفطرة هي: العادات، والتقاليد، وطرق التربية، واختلاف الحضارات يؤدي إلى تشويه الفطرة، والإحرام هو عملية دخول الإنسان فكأنّه يرجع إلى الفطرة، ودعونا نقف عند هذا القانون، إنّ الإسلام دين الله الذي جاء لينسجم مع الفطرة البشرية، فيقولون اليوم إنّ الصناعات متطورة فعندما يأتون بالسيارة يجعلون معها كتالوجاً (كتيّب تعريفيّ)، فالكتالوج يصف الشيء نفسه ويصف طريقة عمله، فالله تعالى خلق هذه الرسالات، لذا فالأصل أنّه يوجد انسجام بين ما خلق الله تعالى وما أنزل، ومن الجدير بالذكر أنّه عندما جاءت الشيوعية فقد ناقضت الفطرة، والعلمانية ناقضت الفطرة، والرأسمالية ناقضت الفطرة، كيف؟، في البداية، فإنّ الإسلام هو دين الفطرة، ومعظم مشاكل البشر الآن هي تكمن في التناقض مع الفطرة، سنأخذ مثلاً الماركسية التي انهارت، فإنّ حب الذات هذا هو شيء فطري في النفس البشرية، لكن عندما جاءت الماركسية وتنكرت لحب الذات أدى هذا في النهاية إلى انهيارها، فلم تستطع الاستمرار لأنّها تناقضت مع الفطرة، والرأسمالية بهذا الباب أعطت الفطرة، وأطلقت الفطرة، أي فطرة حب الذات، فأطلقتها دون قيود مما أدى إلى ما يُسمى بمشاكل المجتمعات الرأسمالية، وفي المُقابل تنكّرت الرأسمالية للفطرة في مجالات أخرى، منها علاقة الرجل بالمرأة، فما هو الرجل وما هي المرأة؟ إذن هذه هي الحقيقة في أنّهم تنكّروا للفطرة، لذلك هم يدفعون الآن ثمناً باهظاً في هذا الباب، إذاً فالإسلام هو دين الفطرة، إذ جاء هذا الدين مُلائماً لفطرة الإنسان.


فإذا أردت أن تبدأ أنت بالإحرام، فنظرت كيف يكون الدخول في الصلاة؟، فهذه يُسَمونها تكبيرة الإحرام، وكيف يكون الخروج من الصلاة؟ بالسلام عليكم، فالآن المدخل هو التكبير، ومدخل الحج في أنّ الإنسان يتجرّد لله سبحانه وتعالى ويرجع في الفطرة، فالآن دخلت في الحج، كما أنّك تقول الله أكبر، فماذا يُسمونها قًلنا؟ اسمها تكبيرة الإحرام، إذًا هي المدخل، فأنت تدخل وأنت تُمثل الإنسان بفطرته دون أي رُتوش، دون أي تزيينات، فهذا هو الإنسان بفطرته.
لاحظوا الآن أنّه يُقال للإنسان هنا في الإحرام: ممنوع أن تصيد، ومحرَّم عليك حتى الإشارة للصيد، فالبلد التي ستدخلها بلد حرام، فلا تقطع شجرة فيها ولا تكسر الشوك، أي أنَّ الإحرام أيضاً لا يعني فقط الفطرة، بل يعني السلامة مع المحيط كله، فلن يخاف منك عصفور، ولن تخاف منك دابّة، وبالتالي لن يخاف منك إنسان، إذ توجد سلامة مع الكون المحيط، فلاحظوا الآن "سلامة"، أنت ترجع إلى الفطرة، ويوجد سلام مع الكون المحيط حولك بما يُسمى محظورات الإحرام.


على ماذا قامتْ الماركسية من أول يوم؟ لقد قامتْ على الصراع بين الناس، على الطبقات التي يجب أن تتصارع، هذه هي أساسيات الماركسية، بأنّ المجتمع عبارة عن طبقات يجب أن تتصارع؛ تناقضات!، وعند الرأسمالية يعتبر القوي أولاً، فعلاقة الإنسان مع الكون علاقة غزو، وعلاقة سيطرة على مستوى الكون وعلى مستوى الإنسان، فالرأسمالية إذاً تؤمن بالقوة وتُقدسها؛ قوتك وقوة سيطرتك على الكون المحيط وسيطرتك على أخيك الإنسان، والماركسية من أجل العدالة جعلتْ الصراع بين طبقات، لكن في الإسلام لنأخذ الحج الآن، فمنذ أول ما تدخل به إنّك ترجع إلى الفطرة وتُسالم الواقع، أي أنّ علاقتك مع الكون في الأصل علاقة سِلمِية، وعلاقتك مع الحيوان بالأصل علاقة سلمية، ومع الإنسان بالأصل علاقة سلمية، إذاً فجوهر النظام الاجتماعي والاقتصادي الحق ليس كما قالت الماركسية أنّه صراع طبقات، ولا كما قالت الرأسمالية بأنّه السيطرة والهيمنة والغزو.


حسناً‘ فهنا قلنا ما أول ما يفعله الحاج؟ يطوف، انتبهوا الآن؛ فسبق أن تكلمنا هذا الكلام، لكن سأقوله مرة أخرى من أجل الذي لم يكن موجوداً لكي نربطه مع بعضه، هنا أحرمنا، ورجعنا للفطرة، وسالمنا الواقع كله الذي يدور حولنا، وهنا العلاقة ليست علاقة صراع وتَضَاد، لا مع الكون ولا مع الناس، إذن ففي الحج أدخُل هذا المدخل، فأنا آتي كما خلقني الله، بفطرة مسالمة للواقع، في أرض كلها سلام، وهي الأرض الحرام، فأدخل لاحظوا وأطوف -يمثل الشيخ حركة الطواف بيده هنا-، بهذه الحركة، فدائماً المسلم يَتَيَامَن إلا في هذه الحركة بالذات حيث يجعل الكعبة على يساره، فماذا يفعل؟ يبدأ بالطواف، وكم يطوف؟ سبعة أشواط، ويتفاجأ أنّ هذه الحركة هي حركة الكون كُله، من الذرّة، من أصغر ذرّة، إلى المجموعات، والمجرات، والكون، فكلّه يدور عكس عقارب الساعة بانسجام كما يقول العلماء، إذاً فأنا شِعَاري الآن، أنّه وفي البداية فإنّ الإسلام دين الفطرة المسالمة للكون والإنسان، وبعدها سأنسجم إذن مع حركة الكَون، فهذا هو القانون الثاني: قانون الانسجام مع حركة الكون كله من أصغر ذرة وإلى أكبر مجرّة للكون، وكم سأطوف؟ سبع مارت، فهي ليست عشوائية بل هي قانون، وهذا القانون سنُلاحظ فيما بعد أنّه يتكرر، فالمسألة ليست مسألة عشوائية إذن، فهي محسوبة، حتى أنّ البعض قال: من المُلفت للانتباه أنّ الذرة أيضاً -والحديث أيضًا إلى الناس الذين يعرفون كيمياء- فيها سبعة مدارات مملوءة، والمدار الثامن فقط يكون لكي يقفز الإلكترون منه إلى خارج الذرة، أما كقانون في الذرة فالمدار المملوء هو المدار السابع، وبعدها فالمُلفت للانتباه أنّه في أحد الأيام السابقة كانت توجد إثباتات على ما يُسمى بالثقوب السوداء التي يدور حولها الكون كله.


بدأنا قبل قليل إذ كُنا نتحدث عن الذرة، وبعدها عن المجموعة، والآن عن المجرة والكون، كما يُلاحظ أنّ الكعبة كلها مكسوّة بالأسود، بحيث إذا أخذنا صورة من الأعلى للناس وهم يطوفون، ستستغرب أنّها تُشبه تماماً صورة الكون، فإذاً جاء الإسلام ليجعل الإنسان المسلم منسجماً مع حركة الكون، فلا يوجد تناقض في حركة الكون، والانسجام الآن هو مع حركة الكون، وهو أساس الصلاح، أما التَضَاضَ مع حركة الكون فهو أساس الفساد، لذلك إذا لاحظتم أنّ الرأسمالية الآن تُفسد على مستوى المجتمعات وعلى مستوى الكون، فليس فيها انسجام، إذاً فالحركة الثانية حركة انسجام، فأنا إذاً كمخلوق منسجم مع قوانين الكون، والرقم سبعة، مقصود.


والآن؛ السعي بين الصفا والمروة، فعندما نرجع إلى أصل القصة مع هاجر وبحثها عن الماء وخوفها على طفلها، فهذا التردد والذي سُمي سعياً، يُعبر عن قانون آخر في الحياة، وهو أنَّ الإنسان لا يمكنه أن يسعى السعي الحقيقي ويتحرك الحركة الجادَّة إلا إذا جعلناه بين قُطبين، القطب الأول قطب الخوف، والقطب الثاني قُطب الرجاء، فالإنسان بينهما، فإذا انتفى واحد منهما فستتوقف حركة الإنسان، فهذا يشبه مثل فكرة السالب والموجب، وتردد الدينمو بين السالب والموجب، أليس هكذا كأنّه هو؟، فنفس الشيء ترددك بين الخوف والرجاء، ومن هنا تُلاحظون قضية الجنة والنار، فما هي؟ إذ لا يذكر الله الجنة إلا ويذكر النار، ولا يذكر النار إلا ويذكر الجنة، قال تعالى: "رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ" (سورة: الأنبياء: آية 90)، وقال تعالى: "إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" (سورة يوسف: آية 87)، كما قال أيضاً سبحانه: "فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ" (سورة: الأعراف: آية 99)، فأنت لست بالآمن ولست باليائس، فالأصل أنّ الإنسان في الحياة يبقى بين القُطبين، الخوف والرجاء، فبدون هذا لا توجد حركة، ولا بأس في أن أكرر أمثلة سبق وأن ذكرتها، وهي: لماذا أنت تعمل وتكد وتتعب؟، فنقول: رجاءً الغنى وخوفاً من الفقر، فلماذا تذهب إلى الطبيب؟ فنقول: رجاءَ الراحة وخوفاً من الألم، رجاءَ الحياة وخوفاً من الموت، وأيضاً عندما تتفاجأ بأسد وتهرب منه فلماذا تفعل ذلك؟ إنّه خوف من الموت ورجاءَ الحياة، ممتاز!، ثمّ على فرض أن الأسد قد لحق بك، وقد دخلتَ أنت في نفق ودخل الأسد خلفك وإذا بالنفق مغلق، فلا يوجد باب أمل ولا سجّان هنا!، فأقول لك ماذا ستفعل: ستقول له: كُلني تفضل، وانتهى موضوع؛ وذلك لأنّ باب الأمل أُغلق فلا تستطيع أن تتحرك، وفقط تنتظر بأن يأكلك، أما إذا كُنت صاحب عضلات ومصارع قوي فسيكون هنا أمل في أن تُباطحه، واضح؟


نفس الشيء كما قُلنا سابقاً في التربية والدراسة، فإذا كانت الأسئلة دائماً صعبة بحيث تسبب دوماً السقوط للطلاب فلن يدرسوا، وإذا كانت سهلة جداً فدائماً سينجحون ولن يدرسوا، إذن فكيف يجب أن تكون الأسئلة؟ متوازنة، بحيث يخاف الطالب أن يسقط ويرجو أن ينجح، وإلا تكون تلك تربية فاشلة، نعم، إنّه قانون الخوف والرجاء.


قانون آخر، وهو القانون الثالث إذاً، هل تُلاحِظون إذن؟ بأنّه يجب أن يكون الإنسان دائماً بين الخوف والرجاء؟، ومن هنا جاءت قضية اليوم الآخر، فبدون اليوم الآخر يبدأ الفساد في الأرض، تصبح حركة الإنسان فقط حركة دُنيَوية، إذن فهذان القطبان الدنيوي والأخروي باقون بالعمل على الخوف والرجاء على مُستوى الدُنيا والآخرة، فتأتي إذاً قضية الجنة والنار، والثواب والعقاب.


انتهينا الآن من مسألة السعي، لذا سننطلق إلى عرفات، لاحظوا فهي ساحة واسعة تُحيط حولها سلسلة جبال، فيقف كلّ الناس فيها لأول مرة، ففي كل شعائر الحج ليس من الضرورة أن يجتمع كل الحجاج، لكن متى يجتمع الحُجاج كلهم؟ في عرفات، فتقريباً كل الحجاج يجتمعون، لاحظوا الآن، طبعاً وعلى مُستوى اللباس فكُله واحد، والمكان ما اسمه؟ عرفات، انظروا الآن إذاً يَصحّ تعبير فلسفة الإسلام، لاحظوا: "وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ" (سورة الحجرات: آية 13)، فكل التمييز والحواجز التي يضعها الناس هي حواجز مُفتعلة، فالتربية الإسلامية تكون نحو توحيد البشر وإشعارهم أنّهم يرجعون إلى مصدر واحد وأساس واحد، وكل الفوارق الآن في الناس كلها تجتمع أمام الله، وتكون أمام الله متساوية، فانظروا في الأول رجعنا إلى الفطرة، وانسجمنا مع الكون، مترددين بين الخوف والرجاء، واقفين أمام الله جميعاً دون فوارق، لمدة نهار كامل لأنّه يبدأ من الظهر إلى قبل المغرب، فقبل المغرب ممنوع أن تتحرك باتجاه المزدلفة، إذ تسمع قول: الله أكبر تبدأ الحركة، إذاً يوجد تجميع إجباري يستوقف الجميع، وهناك أيضاً خِطبة في عرفات يتم فيها الحديث مع الناس؛ إذاً الآن فهذا هو نهج الإسلام: أنَّ كُل البشر يجب أن يقفوا أمام الله متساويين بحيث يشعرون أنّهم أخوة، وأنّ كلّ الحواجز والفواصل تزول، والأصل أن يوجد حديث مع الحجاج في كل مرحلة من المراحل لكي يفهمون هذه المعاني، فيقف حينها الناس كُلَّهم أمام الله سواسية، وإذا لاحظتم فحتى لباسهم يُعطي هذا الانطباع، إذ تنظر لهذه الساحات المملوءة بالبياض، والتي لا يوجد فوارق فيها، فلا تستطيع أن تُميز إذ إنّ كلّ الناس مثل بعضهم.


 إذاً فليست الفكرة في الماركسية وصراع الطبقات، وليست هي في الرأسمالية والشمال والجنوب والأبيض والأسود، إذن فبعد أن يؤذن المغرب يندفع الجميع نحو مزدلفة، والأصل ستسألونني وتقولون لي: نِمنَا في المزدلفة أم لم نَنَم؟ هذا موضوع آخر، الأصل أن يندفع الحُجاج ويناموا، أي أن يندفع كلهم مع بعضهم تلك الليلة نحو مزدلفة.


إذن فمجرد ما صلّى الحجاج صلاة الفجر وطلع الصباح يندفعون جميعًا إلى رجم جمرة العقبة، لاحظوا فحتى اسمها يوحي، وأيضًا كما أنّ اسم عرفات يوحي، وكما أنّ السعي يوحي، أليس كذلك؟، والغريب أنّ الجميع حينها يندفعون نحو الرجم، رجم ماذا؟ يعني بدأ الحجاج بالسلمية، ثمّ صلوا وناموا تلك الليلة لكن أول ما طلع الصباح هجم الجميع ليرجموا، يهجمون ويرجمون، عجيب! مع أنّ كلّ الحركات التي سبقت كانت سلميّة، إذن فما الذي حصل الآن؟

 فماذا تعني جمرة العقبة؟ هي تعني أمران، أولاً: الجمرة هي رمز للشر، إذ يبدأ المسلم في أول يوم برجم العقبة فقط، فما معنى أن يرجم؟ لاحظوا الآن، إذاً هذا يمثل رفضه للشر، ولاحظوا قبل قليل عندما رأيتم أنّ الإحرام فيه عدم كسر شيء حتى لو كان شوكاً، وفيه عدم القطع، وكله سلام في سلام، ولاحظوا أيضاً أنّه في الدين المسيحي نجد: "من ضربك على وجهك الأيمن فاعدل له الأيسر"، لا!، هذا فهم خاطئ للحياة، المهم فبمجرد ما انتهوا من عرفات فالأصل أن يرفضوا الشر بعدها، بمعنى "أنّي أنا لست فقط أنكر الشر في قلبي"، فهذه الممارسة هنا وهذا الفعل يجب أن تفهموه، إذن الكل يُهاجم، فما المقصود؟ المكان نفسه؟ كما أنّ الغريب أنّه وعندما تُرجم العقبة يقال لك إنّك تتحلل تحللاً أصغر، لكن يتبقى شيء لكي تتحلل تحللاً أكبر، فما هو؟ فتذهب إلى مكة وتطوف طواف الإفاضة، فماذا يعني؟ وماذا يعني وجود علاقة بين هذه وهذه؟، أي أنّ هذه تُحللك، مثل: السلام عليكم ورحمة الله -التسليمة الأولى في الصلاة-، ماذا قال العلماء عنها؟ قالوا هذه الفرض، والسلام عليكم -الثانية-؟، هكذا نكون قد خرجنا من الصلاة أليس كذلك؟، فهذه سُنَّة، والأمر ذاته في الحج، فهماك أمران؛ إذ يوجد الرجم التحلليْن، فأول شيء تَرجُم وتُعبِّر عن رفض الشر، لكي لا تتصور أنّه كُله سلام بسلام، فممكن للحياة أن تسير بسلام دون وجود ممارسة في رفض الشر؟، وذلك لكي لا تتوهم، والآن نرى، فأنت تتحلل تحللاً أصغر وفوراً تذهب إلى مكة لتُعلن الانسجام؛ لأنّ رفض الشر له شِقَّان؛ أن أمارس رفض الشر، وأن أمارس مع وجوب أن أكون مُنسجماً مع قانون الكون كُلَّه، إذاً فرفضي للشر ليس مجرد عواطف، ورفضي ليس مجرد غطرسة، ورفضي للشر ليس استبداداً، ورفضي للشر ليس إفساداً، بل إنّ رفضي للشر انسجام، لذلك فأنتَ كحاجّ ترمي جمرة العقبة وفوراً تذهب إلى مكة لتطوف طواف الإفاضة، وبعد أن تطوف طواف الإفاضة في اليوم الأول يتم التحلل الأكبر الآن، لاحظوا هنا فهل قالوا عن الرجم رجم أنّه تحلُّل؟ حسناً وهنا قد تبقّى لك شيء آخر لكي تربط بين الاثنين، فأنت ترفض الشر.


حسناً سأذكر هنا قصة كررتها عدة مرات: عندما حَججنا، ويوم كنا واقفين أنا والشيخ عماد ونُريد أن نرجم، وإذ بطائرة هليوكوبتر، من الممكن أن يكون بعضكم قد سمع بالقصة، المهم جاءت طائرة هليوكوبتر ونحن نمزح مع بعض ونقول: (كأنّ الجماعة يرجموا؟) لأنّهم فوق الرجم، طبعاً أول يوم كان قولنا مزحة، لكن عندما عُدنا في اليوم الثاني لنرجم نظرنا وإذ بالطائرة موجودة، وكأنهم فِعلاً ماذا يفعلون؟ تأتي الهيليكوبتر وكأنّه كان هناك ملك ووزراء أتوا ليحجون، فيضبطون طائرة الهليكوبتر على أعلى المُحْقَان، أليس شكله كالمُحْقَان لكي ينزل؟ فهناك كانت جماعة من الناس يرجمون وهم جالسون داخل شيء ما، ويبدو أنّ الطائرة قد كانت تُفتح آلياً وتَبُخ كلّ الحصوات التي رموها، وكأنّ الذين رموها هناك كانوا سبعة، وكان كل منهم يرمي عشرة، فعشرة في سبعة، أي سبعين، ركَّزنا؟ وإذا كان يوجد بَخَّة فعلاً!، هؤلاء يرجمون، أنا في الحقيقة ما الذي خطر ببالي؟ أنّه قد نظرتُ على المسلمين وهم يرجمون، وقلت: عجيب!، هم ليسوا مُدركين أنّ إبليس هو نفسه -الذي بالطائرة-؟)، وهنا علمتُ إلى أين قد وصلنا، الآن حسناً، فالحجاج يُعسكرون أين؟ في مِنى، ولا تقولوا لي هنا أنّنا نِمنا أم لم نَنَم، فالآن هذا ليس موضوعي، إنّهم يُعسكِرون في مِنى ثلاث ليالي، هل تعرفون لماذا؟ لكي يرجمون في اليوم الثاني، (واحد اثنين ثلاثة)، يعني ثلاث مرات، فما هذا؟ وكأنّه لكي لا تنسى، بأنّ الله تعالى لا يُعدُّ فيك من يوم الإحرام إلى أن أخرجك من عرفات لكي تنسى واجبك كمُسلم، فلا تعود!، فلا تعود إلى موطنك بحيث يكون آخر شيء عالق في ذهنك هو ممنوع أن تكسروا الشوك، أو ممنوع أن تقطعوا كذا أو ممنوع صيد الأرانب، إنّ هذا هو آخر شيء؟ لا!، فآخر شيء سيرسخ في ذهنك هو ممارستك في رفض الشر، وكأنّه عهد، فالحاج يُعسكر ويرمي، بحيث أنّه إذا سألت أي حاج ما الذي أخَّرَكَ؟ سيقول لك الرجم، وما معنى أن ترجم؟ وذلك لكي تفهم عندما تعود إلى بلادك أنّك أنت المسلم، بمعنى أنّه من أهم مبادئ دينك أنّك ليس فقط ترفض الشر قلبياً، بل إنّك تُمارس في رفض الشر وقتله أيضاً، الشر، أي شر؟ هو الشر الذي يتناقض مع قوانين الفطرة ويتناقض مع قوانين الكون، ويمنع من أن يكون هُناك انسجام مع الفطرة وانسجام مع قوانين الله في الكون، حيث يتكرر الرجم ثلاث مرات، أول يوم ثلاث، والثلاث هو أقل الجمع كما يقولون، وثلاث أيام، وثلاثة بثلاثة تسعة، وفي أول يوم من جمرة العقبة تكون عشراً، وعشرة في سبعة سبعيناً، ومن المعروف عند العرب أنّ السبعين هي للتكثير.


قال الله تعالى: "سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ" (سورة التوبة: آية 80)، أي سبعين حصوة رَجم، كثير!، كَثَّر حتى أنّه في كل مرة سبعة، وعلى فكرة فألفاظ سبعة، وسبعين، وسبعمئة تُستخدم للتكثير، إذن رجمتَ ماذا؟ وكانت ثلاثة أيام للرجم، ليس ثلاثة بل أربعة، لأنّه في أول يوم رجم العقبة هذه مثل: "السلام عليكم"، وما زلنا لم نخرج من الصلاة، وما زلنا لم نخرج من الحج، والثانية فما هي؟ الطواف، فهاتان القضيتان مهمتان، بعد ذلك رجعنا ثلاثة أيام لنرجم، وبالمناسبة فكم يستمر الحج من الوقت؟ إنّ الحج يبدأ من تسعة وعشرة، بعشرة نرجم وأحد عشر واثني عشر وثلاثة عشر رجماً، رجم ماذا؟ رجم للشر، إذاً فهذا هو الإسلام، هو انسجام مع قوانين الخلق، ووقوف الناس سواسية أمام الله، ورفض للشر بصورة جماعية؛ لأنّ الأفراد الذين يرفضون الشر لوحدهم لا يستطيعوا القضاء على الشر، فكيف ينفرد أهل الغطرسة والدكتاتوريات والفاسدين بالشُعوب؟ واحداً واحداً، إذ يقف فلان ليرفض الشر فيسجنوه، أليس هكذا؟، لكن عندما تقوم الناس جميعاً فيختلف الأمر، لذلك جمعهم الله في عرفات ثمّ أفاضوا دفعة واحدة، إلى أين ذاهبين؟


وإذاً فإنّ من أساسيات ديننا ومن أساسيات السلام البشري رفض الشر عملي، وإلا فلا يوجد سلام عملي، فعندما ترفضه يُصبح هناك سلام، فهذا هو الصحيح، أما مُهادنة الشر ورفض الشر للأفراد فسهل جداً، فكما قُلت: أهلُ الشر دائماً ما ينفردون بالناس، واحد واحداً، فيُسيطرون ويخاف الجميع، فهل تعرفون لماذا تخاف الناس؟ لأنّ كلّ شخص يظنّ أنّه لوحده، فهل تُلاحظون بأنّه حين يَهَبُّ الناس مع بعضهم البعض فلا أحد منهم سيخاف؟، أنتم تستغربون من أنّ كلّ شخص يخاف عندما يكون وحده، وعندما ترونهم خارجين معاً لا أحد منهم يكون خائفاً، مع أنّ المحصلة أنّهم واحد وواحد، أليس كذلك؟، فإذا تعاملت مع واحد فسيخاف، أما مع الكل فلا، وفي الأصل فتسمعون الناس يقولون: "الموت مع الجماعة رحمة"، أليس هكذا؟، وكيف لو كان من أجل الرحمة؟

إذن دعونا نرجع، قُلنا: يقوم الحاج بالرجمْ وبعدها يذهب إلى الطواف ويتحلل، وبعد أن يتحلل من الإحرام، فما الذي يمنعه من أن يعود إلى بلده؟ لا، إذ يوجد ثلاثة أيام من الواجبات، ومن الممكن أن يتعجل بيوم منها، لكنه يشارك الناس بيومين على الأقل، ما الذي سيشارك فيه؟ في الإعلان عن رفض الشر، وهذا بعد التحلل من الإحرام، لأنّه كان في الابتداء أنّ الإحرام رمز السلامة، والسلامة مع الكُل، إذ إنّه قانون، لكن بمجرد أن انتهى الإحرام، فأولاً لم ينتهي إلا بالرَجم، فما الذي فكَّ الإحرام؟ الرجم، فكه جُزئياً واكتمل عندما أعلن الحاج انسجامه عن رفضه للشر ضمن القانون، بعد ذلك والحاج غير مُحرم مارس، وكأنّه يقول له إنّ هذا الحج يجب أن يعود الحاج منه ويعرف أن الإسلام انسجام مع الفطرة عكس كلّ قوانين الأرض، وأنّه سلام مع الطبيعة التي خلقها الله، وأنّه انسجام مع القوانين كلها، والأصل أنّ كُل الناس سواسية، كما أنّ الحواجز يجب أن تزول، أما رفض الشر فهذا من أوجب الواجبات وليس في قلبك فقط، بل بيدك، لذلك قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ" (خلاصة حكم المحدث: صحيح)، هذه ابتداءً، وهذا ما يحصل، إذن نحن الآن قفزنا قفزات فلم نتتبع الحج في كل صغيرة وكبيرة، ولم ندرس الأقوال، أي ماذا يقول الحاج وكيف يبدأ وماذا يقول عندما يطوف، كأنّ كل هذه المسائل أسرار، أسرار تُلخص حقيقة الإسلام.


يطلُع الفجر، نصلي، تزول الشمس عن كبد السماء، نصلي، تكون في منتصف الطريق نحو المغيب، نصلي، وتغيب، نصلي، فلماذا ارتبطت الصلاة بظواهر كونية؟ لأنني كمسلم، أنا أفهم أنّني والكون شيء واحد منسجم، وإن كان يوجد تناقض فهو الكفر، الكفر الذي يأتي بالتناقض، والآن في بلاد الرأسمالية يوجد صيحات كثيرة، فإلى أننا أين ذاهبين؟ أولاً: ما هي أهدافنا للحياة؟ هذا مطروح في الغرب بإلحاح، وثانياً: أصبحنا عبيداً للإنتاج، إذ ننتج الشيء الجيد والشيء التافه، فكلّ هذه الحياة للإنتاج، لماذا؟ ثمّ نقوم بعدها بتخريب الطبيعة، فألم تسمّوا الأوزون؟، فما الأوزون، وطبقات الأوزون؟، والآن فتظهر الصيحات العالمية التي تقول إنّنا إذا استمررنا في البقاء فسندمر الكرة الأرضية، إذاً هل الإنتاج في نظام الرأسمالي له هدف؟ فما هو هدفه؟ وهل هو منسجم مع البناء الكوني، وهل هو منسجم مع وظيفة الإنسان؟


تكمن الخطورة هنا في أنّ المجتمعات المتخلّفة -مثل مجتمعاتنا الآن- تقول بإنّ علينا أن نُسرع لكي نُصبح مثل الغرب، فلم نعد نُدرك أنّنا نحن المسلمون يجب علينا أن ننقذ البشرية كُلها، وهم الآن أصبحوا مُدركين تماماً بأنّ الإنتاج أصبح آلهة جديدة تُعبد لمجرد الإنتاج، سواءً كان للشيء التافه أم المفيد، وسواء يُدمر الكرة الأرضية ويُدمر الإنسان أم لا، فبدأوا الآن يسألون: كيف ممكن أن نملك الأمور؟، ونُنتِج وفق ما نحتاج إليه نحن كبشر؟، عندما ينسجم مع الخلق بما لا يضر لا الطبيعة ولا يضر الإنسان. والغربيون الآن لديهم أصوات هائلة تقول: أبداً، فلم يكن الإنتاج هو الهدف، ويجب على الشعوب أن تتنبه لهذا الكلام وأن تفهم أنّه لا يجوز أن تكون أهدافها هي أهداف الرأسمالية التي أفلست وبدأ أفرادها بالشعور بأنّهم عبيد، عبيد للإنتاج، من أجل ماذا؟.


إنّ العبادات لا تُعلَّل، وهنا سأُوضح ما المقصود بأنّ العبادات لا تُعلل، لأنّني أتكلم عن الحِكَمْ، وحتى لا يُصبح هُناك التباس، أولاً سأعطي مثالاً على علَّةٍ، فما علة تحريم الخمر؟ إنّ علة تحريم الخمر الإسكار، لذلك عندي عصير عنب فطالما أنّه لا يُسكر فهو مُباح، فإذا أصبح مُسكراً يُصبح حراماً، فإذاً وُجد الإسكار وُجد الحُكم، فإذًا ما علة تحريم الخمر؟ الإسكار، وما حكمة تحريم الخمر؟ من حكمة تحريم الخمر لاحظوا أنّه مثلاً يُسبب أمراض العيون، وأمراض الجهاز الهضمي، وأمراض الجهاز العصبي، والروماتيزم، وتشمُّع الكبد، فكلها أمور صحيحة وليست أمثلة، كما يسبب العجز الجنسي، ونقله لبعض الأمراض إلى الطفل عبر الجينات الوراثية، بالإضافة إلى مسح الذاكرة بشكل جزئي أو كُلي، والتسبب بالتشوهات بالنسبة للنساء الحوامل، فهذه حكمة تحريم الخمر وليست العلّة، فالعلّة كونه مُسكراً، لذا وُجدت العلة فوجد الحُكُم.


 والآن، قال العلماء بالنسبة للشعائر التعبدية، لأنّه ليس بالحقيقة العبادات، لأنّه مثلاً في قوله -صلى الله عليه وسلم-: "تبسُّمُكَ في وجهِ أخيكَ صدقةٌ" (خلاصة حكم المحدّث: صحيح)، وأيضًا: "وإمَاطَةِ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ" (خلاصة حكم المحدّث: صحيح)، وقال عليه السلام: "ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إلَّا كانَ ما أُكِلَ منه له صَدَقَةً" (خلاصة حكم المحدّث: صحيح)، أليس هكذا؟ ، فكُلها عبادات، لكن الشعائر التعبدية المُتمثلة بالصلاة والصيام والزكاة ما معنى قول العُلماء أنّها لا تُعلل؟ أي أنّها غير مُرتبطة بعلّة، فمثلاً لماذا صلاة الظهر تكون عبارة عن أربع ركعات فرض؟ فقالوا هنا لا توجد علّة، هي هكذا، أربعة فرض، أما هذا فلا يمنعنا من أن نحاول أن نبحث عن الحكم، فأنا موضوعي الآن أحاول فهم الحِكمة، فالحِكمة لكي ندرس العبادات وحكمها، وحتى ما معنى أن يركع؟، وما معنى أن يسجد؟، فماذا يُمكن أن يُعطيني هذا؟ إذاً فالعبادات لا تُعلَّل، فلماذا صيام ثلاثين يوماً؟ لا يُعلَّل، فانتهى، أما أننا لا نعرف حِكَم الصيام؟! لا فنحن الآن تطورنا كثيراً ونعرف الكثير من حِكَم الصيام، أما لو كان الصيام مربوطاً بعلَّة، فيُصبح أنّه إذا وُجدت العلة وُجد الحُكم، فمثلاً وجود العلّة يُوجد الصيام، واختفاء العلة يُخفي الصيام، إذن لا!، فالعبادات غير مُعلَّلة لكن فيها الحِكمة، فمثلاً من حِكَم الصيام في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (سورة البقرة: آية 183)، فهذه من حِكم الصيام في أنّ المؤمن يُحَصِّل تقوى، وكما في قوله تعالى: "إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ" (سورة العنكبوت: آية 45)، فهذه من حِكم الصلاة، فكلام العلماء أنَّ العِبادات لا تُعلَّل -أي لا تُعرف لها عِلة- لكن يُعرَف لها حِكم.


 حسناً والآن، ما معنى أنَّ المرأة ناقصة عقلٍ ودين؟ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "يا مَعْشَرَ النِّساءِ، تَصَدَّقْنَ وأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفار،.... وما رَأَيْتُ مِن ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ أغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ" (خلاصة حكم المحدث: صحيح)، انظروا كيف أنّ المرأة ناقصة عقلٍ ودين، من الذي قال هذا الكلام؟ الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مَعِرِض تحفيز المرأة على عمل الصالحات، كيف؟ هل تتوقعوا أنّ النساء قد سكتوا؟ لم يسكتوا، قالَتْ -في الحديث نفسه-: "يا رَسولَ اللهِ، وما نُقْصانُ العَقْلِ والدِّينِ؟" حسناً الأمر كالآتي:


-أولاً: إنّ المرأة تحيض، وعندما تحيض فهل يجوز لها أن تُصلي؟ لا، وهل يجوز لها أن تصوم؟ لا، فمن الذي مَنَعَها؟ الشرع، فهل هي مُلامة على هذا النقص؟ لا هي غير مُلامة على هذا النقص، لاحظوا الآن كيف يكون النقص، هي تُلام؟ لا تُلام، هي تَحيض ويقول لها الشرع: ممنوع الصيام، وممنوع الصلاة، هناك نقص، فما الذي نقص؟ تخيلوا أنّ بعض النساء قد تكون دَورَتها 23 يوماً فتَحيضُ سبعة أيام، أي تقريبا ثُلث عُمرها لن تُصلي فيه، كما أنّها تُعيد الصيام عندما تقضي، فكيف تؤثر الصلاة؟ تؤثر الصلاة في صَعيدَين؛ الصعيد الأول تؤثر في نفسك، والصعيد الثاني تؤثر في الثواب، فإذن هنا إنّ نقصَ المرأة يكمن في أمرين: الثواب والتأثير في النفس، فمثلاً أحدهم يمارس الرياضة لمدة ثلاث مرات بالأسبوع، وأحدهم يمارس الرياضة لمدة ثلاث مرات في الشهر، فأيهم سيستفيد أكثر؟ أرى أنّ الذي يمارس الرياضة لثلاثة أيام في الأسبوع سيستفيد أكثر من الذي يمارسها لثلاثة أيام في الشهر، فبالتالي إنّ في الصلاة وتأثيرها في النفس نقصاً عند المرأة بالنسبة للرجل، فهل هذا أمر واقعي أم ليس واقعياً؟، إنّه أمر واقعي، فماذا تفعل المرأة؟ ما دام أنّ النقص حاصل، فيقول لها أن تنتبه إلى أنّه نَقص في الثواب ونقص في تأثير الصلاة في نفسها، فماذا تفعل؟ يجب عليكِ أنتِ في الوقت الذي تكونين فيه ممنوعة من الصلاة أن تُعوِّضي من النقص، وأن تتنبهي لوجوده، فكيف لك أن تعوضيه؟ تَصَدَّقي، ولا تغتابي، فهذا تعويض، كما يكون التعويض بأحد الأمرين؛ فأحياناً قد يرتكب الإنسان معاصٍ تُنزله، لكن الطاعات ترفعه، فأنتِ إذا أردتِ التعويض فقَلِّلي من الذي يُنزِلك إلى الأسفل، وأكثري من الذي يرفعكِ إلى الأعلى، إذاً فقد قالها الرسول عليه السلام كتشخيص للواقع من أجل أن تتنبه المرأة وتُعوّض هذا النقص من الدين، فهل نقص الدين معناه قليلات دين؟ لا، هو فقط نقصٌ وضحه الرسول وَوضَّح أنّ بإمكانه المرأة تعويضه، مثل أن أقول لأحدهم: لقد مرضتَ لشهرين أو ثلاثة ولم تأتِ للتدريب، أي أنّك يجب أن تتَنَبَّه لهذا وتقُم بالتعويض، أتعرفون كيف من الممكن أن يُعوض الذي يمارس رياضة؟ إذا لم يُدخن فإنّه يُعوّض، وإذا لم يشرب الخمر فإنّه يُعوّض، وليس فقط هكذا، بل رَكِّز قليلاً في تدريب الرياضيين، فأحياناً تجد الرياضي يتدرب أوقاتاً على رياضة معينة ثمّ يشرب المُخدرات!، فما الذي استفاده؟


-ثانياً: عن نقص العقل؛ فانظروا هل الرجل ناقص عقل أم لا؟ نعم، والإنسان بشكل عام هل ينقص عقله؟ نعم، فكيف ينقص؟ حسناً لنرى مثالاً على النقص، فانظر لأحدهم مهما كان مُتَّزِناً، اجعله يغضب غضباً شديداً ليتكلم حينها وهو غضبان، فكيف سيكون؟ ألا تُلاحظون أنّه سيكون يوجد نقص في كلامه، فهل يوجد نقص في عقله أم لا؟ فهو لا يستطيع أن يحسب، ويقول لك لم أنتبه، ولم أرَ، إذ تُصبح حينها العواطف طاغية على العقل، عند الرجل والمرأة في آن واحد، فالعواطف أحياناً تطغى على العقل عند الرجل وعند المرأة، وهذه صورة من الصور، الآن سؤال: أيهم برؤيتكم تطغى عواطفه أكثر في الحياة، الرجل أم المرأة؟ انظر إلى ابنك في الحي وهو يلعب مع أولاد الجيران لتحدث مشكلة بينهم، وضرب، فهل تُلاحظ بأنّك حين تنظر إليهم ستحكم بالتي هي أعدل؟ نعم، أما المرأة فتقول: "الله أكبر! ابني أنا؟ لا، الله يجور عليها إم فُلان،"، فتطغى هنا العاطفة على أحكام العقل، لذلك قال للمرأة انتبهي إلى هذا، وبالتالي فعندما تُكثر من عمل الصالحات فبهذا الكلام تستطيع المرأة أن تُعَوِض، ويصبح عندها القدرة بشكل أكبر على تحكيم العقل، إذاً فهو يُطالبُها، لأنّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- كيف بدأ الحديث؟ قال: "تَصَدَّقْنَ"، أي أن يعملن الصالحات وبالذات الصدقة، وممكن أن تُقاس مع الصدقة أيضاً أعمال صالحة أخرى، لذلك ترونَ عند النساء التقيات والمُتربيات أنَّ طُغيان العاطفة على العقل يقل لديهن، فنقص العقل يقل، إذاً وباختصار، فالحديث هو بأنّ على المرأة أن تتدارك النقص لديها إذا أردنا أن نَزِنُها بالرجل، فإذاً هو يتكلم عن شيء يُمكن تداركه، لذلك فأكثر مشاكلكم في البيوت لأنّكم لا تُعلموهنّ كيف يكنّ تقيّات ولم تقوموا بتربيتهنّ بالطريقة السليمة، فلا يطلبن العلم، وتجد أنّ كثيراً ما يحصل أن تطغى العاطفة على العقل فتحصل المشكلة، أفلا ترون بأنّ النساء الكبيرات التقيات المحترمات يكنّ مُصلحات دائماً ومُتَّزنات في الكلام؟، لكن من تراها تُسيطر عليها العاطفة وينقص من عقلها فهي التي لا يوجد لديها تقوى ولا تربية حقيقية سليمة.


إنّ التيامن باختصار هو اليمين، وهو قانون في دماغ الإنسان؛ أفليس منا أناس يستعملون الذراع اليسرى مثلاً؟، فهذه مسألة لها علاقة في الدماغ، إذاً فهل يستخدم الأصل والغالبية العظمى من البشر الذراع اليمنى أم اليسرى؟ اليمنى، لذا فعندما قال لك الإسلام اليمين فهو بالأصل أنّ قانون اليمين الموجود، وإذا أردت أن تستخدم يدك ستلاحظ أنّ اليمنى أسهل، وإذا أردت أن تستخدم قدمك فاليمنى أسهل كقاعدة، فهل يستعمل بعض الناس اليسرى؟ نعم، وهل البشر مقسومون إلى خمسين بالمئة من مستخدمي اليمنى وخمسين بالمئة من مستخدمي اليسرى؟ لا، فالغالبية العُظمى والساحقة من الناس من يستخدمون اليمنى على مُستوى القدم واليد، ومن هنا فإنّ قضية التيامن تجعل الأمور في الحياة أسهل.


سأعطيك أمثلة، أنا إذا أردت أن أُسَلِّم عليك، فأيُّها أسهل عَلَي؟ اليُمنى، وأيها أسهل عَلَي بالأكل؟ اليمنى، لماذا ما دام أنني أستخدم اليمنى للأكل والسلام وليس كُل الناس عندهم صابون وما شابه، فلماذا عند الاستنجاء لا أستخدم اليمنى؟، وأخرج وأُسلِّم وآكل؟، فبعض الناس حتى عندما يغسلون أيديهم بالصابون يبقى لديهم شيء من الوسواس، لذلك انظروا إلى القضية كيف أنّ فيها أدب و"إتيكيت" كما يُسَمونه الناس، بأن تستخدم اليد اليسرى للأشياء القذرة، واليد اليمنى للأكل والمُصافحة، فعندما أرى شخصاً مسلماً ويكون خارجاً من المرحاض -أعزّكم الله- فالأصل أن يُغسّل، فحتى إذا تغسل ومدّ يده ليُسلم عليّ سأكون حينها مرتاحاً نفسياً لأنّني أفهم أيضًا أنّه سيكون قد استخدم اليد اليسرى، أما الناس الذين لا يعتقدوا إلا بأنّ اليسرى مكان اليمنى واليمنى مكان اليسرى فهذه المسألة تطول بحِكَمها وفوائدها، ولذلك اليمين في النهاية هو قانون في الدماغ.