
كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد
يا رايحين ع القدس خذوني معاكم...
- بقلم : د. منعم حدّاد
كثيرة هي الاغاني التي كتبت عن القدس وفلسطين ولهما وبمختلف لغات الأرض وعلى مرّ العصور، لكن هذه الأغنية العفوية التي تشدو بها بعض النساء الفلسطينيات – غير المحترفات الغناء كما يبدو من عفويتهن - لتختزل في رأينا المتواضع قصة فلسطين والقدس وحضارتهما وتميزهما وارتقائهما فوق كل شيء آخر، وتعبر عن تاريخهما وحضارتهما وتراثهما وتستحوذ على الاهتمام وتثير التقدير والإعجاب والنشوة وتهفو القلوب للقدس عند سماعها وتشدّ الرحال إليها...
وهكذا فالحنين إلى القدس وثراها حنين مزمن لا يترك القلب ولا الروح ولو للحظة، وما على المرء إلا أن يستغل كل الظروف التي تقربه من القدس وزيتونها، خاصة إذا كان قد سلخ فيها شيئاً من العمر، إبان الشباب أو قبله أو بعده.
وإنه ليشعر دائماً وأبداً بأن القدس قدسه وان فلسطين فلسطينه هو وهواهما في بؤبؤ العين وقرّتها وحبّة الفؤاد والكبد...
وهكذا فبعد التوكّل عليه تعالى ليجدن المرء نفسه يطير طيراناً ليعانق القدس ويقبل ثراها...
وهكذا شددنا الرحال إلى القدس، مروراً بدير اللطرون وما يرمز إليه، وعمواس القريبة...
وما ان تقترب من القدس حتى تكاد تنكرها، رغم معرفتك القديمة الوثيقة بها وبما حولها، فجريمة الحريق التي أتت على آلاف الدونمات في الأيام الأخيرة ما زال غبارها وسخامها يملآن الجو، وتعبق به الرياح التي تحمله إلى الأنوف...
والشوارع الجديدة والنفق إياه، والبنايات والعمارات الجديدة لتكاد تجعلك تجهل القدس ومعالمها التي طالما حفظتها عن ظهر قلب....
وتسدد خطاك – عفواً مقود سيارتك – مباشرة صوب باب العمود، غير آبه بالزحام والاختناقات المرورية، والنظرات العدوانية عند مرورك في بعض الأحياء المتدينة وكأنك آت لاقتلاعهم من مكانهم...
وما تكاد تصل باب العمود حتى تنكره أو تكاد، وتتفاجأ باسمه الجديد: מעלות ורד והדס.
وسرعان ما تكتشف أن هاتين الفتاتين كانتا مجندتين ارسلتا إلى هتا للحفاظ على الأمن والسلام والاستقرار للوهلة الأولى، بينما هما كانتا في الواقع هنا لحماية المستوطنين مغتصبي الأرض والتنكيل بالفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين، وتحزن لأن كل موت محزن، فكيف إذا كان الميت فتاة صبية في ريعان الشباب وعمر الورود؟؟؟
وتحزن، تحزن كثيراً على آلاف الفلسطينيين الذي قضوا بنيران الاحتلال وأذرعه وقواته...
ويعبق الجو بروائح الثمار والفواكه الريفية العطرة، من تفاح ورمان وتين وعنب وسواها، من التي يغص بها باب العمود والطريق النازل منه صوب قلب القدس النابض...
وتسير في السوق وأنت مأخوذ بروعة القدس والتي تحس بها وتشعر بسيطرتها على حواسك كلها...
فهذه هي القدس وهذا هو سوقها بل أحد أسواقها...
وتقودك رجلاك صوب أقدس مكان عرفته المسيحية، كنيسة القبر المقدس، كنيسة القيامة، حيث ووري الجسد الطاهر الطهور التراب لثلاثة أيام إلى ان جاء الملاك فدحرج الحجر عن باب القبر المقدس، وقام السيد له المجد منتصباً شامخ الرأس وكما يغني بعد ألفي عام وأكثر طوني قطان: فلسطيني فلسطيني ورافع للسما جبيني...
وحالما يلج المرء كنيسة القيامة يشعر برهبة رهيبة تحل عليه، وخشوع ليس بعده من خشوع يكتنفه، ويحس وكأن السماء فتحت بواباتها على مصارعيها لتقبل صلواته ودعواه التي يحملها الملائكة صعوداً صبو عرش الجلالة ونزولاً إلى القبر المقدّس...حتى ولو كان ملحداً شديد الإلحاد...
وسرعان ما يلفت النظر بعض باعة الشمع وغيره مما يعيده إلى قول السيد المسيح عندما دخل الهيكل وطرد الباعة منه وخاطبهم قائلاً: بيتي بيتَ الصّلاة يُدعى. وأنتم جعلتموه مغارة لصوص!} متّى 21: 13
وينظر المرء حوله لعله يجد سحنة شرقية عربية فلسطينية أصيلة بين ذوي اللحى والعمائم السوداء فلا يجد، لأنهי كلها غربية دخيلة مستعمرة محتلة لهذا المكان المقدس، فبعد أن "مغربوا" السيد المسيح وجعلوه غربياً ومثل الدين المسيحي فكذلك ها هم "يمغربون" حتى الأماكن المقدسة والتي استعمروها بشتى الطرق والوسائل، مما يحزّ في النفوس ويبعث الحزن والأسى...
وتودع القدس على مضض لتلحق بالركب القاصد بيت لحم، مدينة المهد الأصيلة...
27/09/2021 11:54 am 3,168
.jpg)
.jpg)