علاج العنف وفقاً لنظرية "السقف"
دكتور بديع القشاعلة – باحث وأكاديمي
علاج العنف وفقاً لنظرية " السقف"
حتى نتمكن من فهم ما هو المقصود من وراء هذه النظرية علينا اولاً أن نفهم ما هو المقصود بالوصف الاستعاري "سقف", الذي رأيت انه قد يمثل فكرة النظرية. ان مفهوم "السقف" في هذه النظرية يشير الى "السقف" الذي يحتاج البالغ الوصول إلية, وذلك ليحصل على الاستجابة المرغوبة لدى الطفل. ولكل طفل "سقف" استجابه خاص به, يتكون من خلال التنشئة الأسرية. هذا السقف يحدد نوع العلاقة بين البالغ والطفل وكيفية التواصل معه في حالات ضبط السلوك. هنالك نوعان من "سقف الاستجابات":
1. طفل ذو "سقف استجابات" منخفض, يتميز هذا الطفل بالتالي:
- طفل يسهل التعامل معه
- يستجيب بالإقناع
- لا يحب اللوم
- يهتم برأي البالغ عنه
- يعترف بخطئه, إذا اخطأ
- يؤثر فيه الكلام الجارح كثيراً
2. طفل ذو "سقف استجابات" مرتفع, يتميز هذا الطفل بالتالي:
طفل يصعب التعامل معه
- يستجيب بصعوبة شديدة
- لا يهتم للوم
- لا يبدي الاهتمام برأي البالغ عنه
- لا يعترف بخطئه بسهولة
- يستجيب في اغلب الحالات للعنف الجسدي
لنوضح هذه الصورة نعطي مثال:
احمد في الصف الثاني, يضرب احد زملائه في الصف بالمسطرة على ظهره. يرى المعلم هذا السلوك فيتوجه إليه بصوت عالي:
- احمد!! لماذا فعلت هذا ؟ انت مخطيء .. هذا عمل سيْ .. اجلس مكانك.. ما فعلته اغضبني كثيراً..ستتأسف له ..
يستجيب احمد لكلام المعلم ويطأطيء رأسه وينظر الى الارض ويجلس صامتاً وقد بدى عليه الاسف... ولا يتكرر السلوك حتى نهاية الدرس.
موقف أخر:
علي يضرب زميله بالمسطره على ظهره فيتجه اليه المعلم صارخاً :
- علي!! لماذا فعلت هذا ؟ انت مخطيء .. هذا عمل سيْ .. اجلس مكانك.. ما فعلته اغضبني كثيراً..ستتأسف له ..
فيقف علي صامتاً... وقد بدى عليه الخوف من المعلم .. ويجلس مكانه.. تمر خمس دقائق فيتكرر السلوك ... فيتجه المعلم غاضباً ودون كلام يمسك علي من اذنه ويشده بعنف ... فيبكي علي ويجلس مكانه... ولا يتكرر السلوك.
في الحالتين نجد ردود فعل مختلفة لدى الطفلين.الاول استجاب للمعلم بمجرد اللوم فارتدع عن سلوكه ولم يكرره. اما الحالة الثانية فان اللوم لم يجدي ولم يصل المعلم للسلوك المرغوب بل احتاج اللامر من
ذلك وهو استخدام العنف الجسدي والذي في النهاية اعطى النتيجه المطلوبة. اذاَ ما التفسير لهذا الامر ؟
هنا تأتي نظرية "السقف" لتفسر السلوك:
في اعتقادي, فان الطفل الاول "احمد", استطاع من خلال التنشأة الاسرية والعلاقة بينه وبين والديه ان يبني "سقف استجابات منخفضاً " وبالتالي فمن السهل على المعلم الوصول اليه والحصول على الاستجابة المرجوة. اما الطفل الثاني "علي" فقد بنى من خلال التنشأة الاسرية "سقف استجابات مرتفع" لم يصل اليه المعلم بسهولة بل احتاج منه الامر ان "يقفز" بشدة كي يصل اليه وبالتالي حصل على الاستجابة المطلوبة.
كيف تعالج هذه النظرية العنف ؟
ان علاج العنف والتعامل معه من خلال هذه النظرية يحتاج الى النقاط التالية:
اولاً: على الاسرة ان تعمل على خفض "سقف الاستجابات " لدى الطفل وذلك منذ اللحظة الاولى في التعامل معه, وذلك عن طريق ردود فعل الوالدين تجاه استجابات الطفل. ان استخدام الوالدان منذ التواصل الاول مع طفلهما الاسلوب الذي يعتمد على :
- الحوار
- التفاهم
- الثقة
- التعزيز
- الصدق
- الاهتمام بالرأي
- اعطاء المجال والفرصة
- احترام استقلالية الطفل
- القدوة
- التقليل بصورة كبيرة جداً من العقاب الجسدي
بهذا الاسلوب يستطيع الوالدان بناء "سقف استجابه" منخفض لدى الطفل الامر الذي يساعد الآخرين على التعامل معه.
اما اذا استخدم الوالدان الاسلوب الذي يعتمد على:
العقاب الجسدي المتكرر
- التقليل من شأن الطفل
- عدم احترام استقلاليته
- التخويف المتكرر
- التذبذب في المعامله
- كثرة الاوامر والنواهي
هذا الاسلوب يكون لدى الطفل "سقف استجابة" عالي الامر الذي يصعب من عملية التعامل معه.
ثانياً: على كل من يتعامل مع الطفل ويرغب في تخفيض السلوك العنيف لديه, ان يبدأ تدريجياً بالعمل على خفض "سقف الاستجابة" لدى الطفل, نعطي مثالاً لنوضح الفكرة:
احمد تلميذ في الصف الثالث, عنيف جداً وعنيد وبصعوبة يرضخ لاوامر المعلم. يقول المعلم :
- هذا التلميذ يستجيب فقط بالعقاب الجسدي (الضرب), لقد حاولت معه كثيراً وبشتى الطرق ... ولكن الامر لم يجدي نفعاً ... هو لا يسمع الكلام بدون استخدام العصا....
في مثل هذه الحالات تعالج النظريات التقليدية السلوك العنيف بالعديد من الطرق, تعديل السلوك ببناء خطط تعزيزية, النظرية السلوكية , تدخلات تربوية وذلك بتغيير سلوك المعلم تجاه التلميذ وغيرها, هذه النظريات والاساليب المختلفة تطلب اولاً من المعلم ترك العقاب الجسدي, ويمنع كذلك القانون استخدام العقاب الجسدي في العملية التربوية. هذا المنع احدث فجوة كبيرة في الاسلوب التربوي المستخدم في الاسرة والمجتمع والذي درج استخدامه منذ زمن بعيد مما احدث بلبلة لدى المعلمين والتلاميذ, فنجد ان المعلم يقف امام معضلة عدم الاصغاء له في الصف وذهاب هيبته وقدرته على السيطرة , ومن ناحية اخرى نجد التلاميذ قد فقدوا الاسلوب الذي يعرفونه وتعلموه منذ ولادتهم في ضبط سلوكهم الامر الذي سمح لهم بالتواجد في مساحة فضائية كبيرة توحي بالتوهان.
هذه الامور مجتمعة صعبت من عملية التعامل مع العنف في المجتمع وفي المدارس. لذا اعتقد ان نظريو "السقف" يمكنها ان تكون مجدية في عملية تخفيض العنف وخاصة المدرسي.
ففي المثال اعلاه, نظرية "السقف" لا تمنع من استخدام العقاب الجسدي, بل تسمح باستخدامه ولكمن بحذر شديد وعقلانية. وذلك كي لا تسلب المعلم والتلميذ اسلوب متعارف عليه في المجتمع له نتائجه الايجابية والسلبية. وتضع النظرية في صميم اهتمامها سعي المعلم بالاشتراك مع الاسرة بخفض "سقف الاستجابة" لدى هذا التلميذ وذلك بالتدرج. أي يمكن للمعلم الاستمرار في استخدام الاسلوب المتبع في المجتمع مع السعي الى تقليله تدريجياً, والاجتهاد بالتعاون مع الوالدين لخفض "سقف استجابة" التلميذ, الامر الذي سيساعد التلميذ نفسه على اكتساب مهارات جديدة تعينه على ضبط سلوكه, هذا الامر بحاجة الى التأني والصبر, وفي اعتقدي سيجدي نفعاً, هذا والله ولي التوفيق.
30/05/2016 07:12 pm
.jpg)
.jpg)