كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

حَقيقَةُ البَسْمَةِ المُزَوَّرةِ لِلمُتَصانِعين والغشاشين المُنافِقين



سَلامٌ وَتَحيَّاتٌ مِنَ اللهِ عَليكُم!
ليتَ القُلوبَ تَطْمَئِنُ وَلَيْتَ النُّفُوسَ تَرَتاحُ، رَيْثَما نَجِدُ فِينا أعِزائي، مَنْ يَهِمّْهُ أَمْرُ النَّاسِ في العَصْرِ هَذا، وَيُذكِّرُنا بالتَمَسَّكِ بأفْعالٍ وأقْوالٍ صادِقَةٍ مُخْلِصَةٍ، حَتَّى وإنْ كَانَ قاسيًِّ عَلَينا بَعْضَ الأَحْيانِ بِمَواقِفِهِ، وَفي هَذا قِيلَ المَثلُ العَرَبيُّ “أمْرَ مُبْكِيَاتِكِ لا أمْرَ مُضحِكاتِكِ”.

شَيْءٌ إخْوَتي مِنْ ذِكْرَياتِ اَدابِنا يَرْتَبطُ بِقصَّةٍ في هَذا الصَّدَدِ، وَرَدَ فِيها ما يَخُصُّ فَتاةً مِنَ العَرَبِ كانتْ لَها خالاتٌ وَعمَّاتٌ ، وَكُلَّما ذَهَبتْ لِزِيارَةِ خالاتِها أضْحَكْنَها وأَلهَيْنَها عَنِ الجَدِّ في الحَياةِ، بَيْنَمَا كَانَ يَحدُثُ العَكْسُ تَماماً حِينَما كانَتْ تَزُورُ عَمَّاتِها، اللَّتِي دَأبْنَّ عَلىَ نَصِيحَتِها وَتأدِيبِها والأَخْذِ عَلَيْها في كُلِّ تَصَرُّفاتِها، وَهوَ ما سَبَّبَ لَها البُكاءَ مِراراً، فَكانَتْ تَتَعَجَّبُ مِنَ التَّناقُضاتِ بَيْنَ الخَالاتِ والعَمَّاتِ بِنَفْسِ الحاجاتِ، وَذَاتَ يومٍ قَرَّرَتْ أَنْ تَشْكُ الأَمرَ لأبِيها وَقالَتْ: ”إنَّ خالاتِيَ يَلْطُفْنَنِي وَإنَّ عَمَّاتي يَبْكِيْنَني”، فَتَحَدَّثَ إلَيْها أبُوها بَعْدَ أَنْ فَهِمَ القِصَّةَ قائِلًاً لَها: “أَمْرَ مُبْكِياتِكِ”، وَهوَ يَعْني أنَّ عَلَيْكِ أنْ تَلْزَمِي وتَقْبَلي أَمْرَ مُبْكِياتِكِ.

وَقَدْ وَرَدَ أيْضًا أنَّ العِبارَةَ جَاءَتْ بِصيغَةِ “أَمْرُ مُبْكياتِكِ”، بِرَفْعِ كَلِمَةُ أَمْرَ في العِبارَةِ الثَّانِيةِ، والَّتي تَعْنِي لُغَوِيَّاً إنَّ أَمْرَ مُبْكِياتِكِ أوْلى بِالقُبولِ والإتِّباعِ عَنْ أيِّ أَمْرٍ آخَرٍ ، وَمُنذُ ذَلكَ الحِينِ أصْبحَتْ عِبارَةُ هَذا الرَّجُلِ مَثَلاً يَتَداولُهُ العَرَبُ فِيمَا بَينَهُم، لِيُعَبِّروا مِنْ خِلالهِ عَنْ فَضْلِ هَؤُلاءِ الَّذينَ يُقَدِّمُونَ النَّصائِحَ الَّتي قَدْ تُسبِّبُ الحُزنَ لِلآخَرينَ، رَغْمَ أنَّها قِيلَتْ بالأساسي لِصالِحِ الشَّخْصِ الَّذي إِليْهِ تُقَدَّمُ النَّصيحَةُ، لِذَلكَ من الأجدرِ أَنْ يُتَّبَعَ الَّذينَ يُقَدِّمونَ النَّصيحَةَ الصَّادِقَةِ دُونَ غَيْرِهِم مِمَّنْ يَسْعَونَ إلى اللَّهوِ والضُّحكِ بِمُعامَلاتِهِم.

هَذِهِ مِنْ حِكَمِ النَّاسِ المُجَرِّبينَ، أسْرُدُها عَليكُم بإسلُوبِي أنا، بِكُلِّ سَلاسَةٍ حَتىَّ تُدرِكوا أنَّ الجَدَّ في الحَياةِ يَتَطلَّبُ تَقَبُّلَ المَشُورَةَ وَالمَوعِظَةَ وَلوْ كانَتْ بِعَكسِ أَهِوائِنا، فَليسَ كُلُّ مَنْ يُخَفِّفُ عَلينا وَيُداعِبُنا يَبْغِي مَصْلَحَتَنا، والفَرْقٌ شاسِعٌ عِنْدَما تَسْمعُ كلاماً طَيِّباً يَخُصُّكَ مِنْ رَجُلٍ طَيِّبٍ يَكِنُّ لَكَ الحُبَّ والإحترامَ، والَّذِي كانَ وَمَا زالَ مُخْلِصَاً لَكَ وَلأَقْوالِهِ، وبينَ مَنْ يَجْتهِدُ علىَ إيهامِكَ أَنَّكَ تَعْنِيُهُ، وَهوَ لا يَسْتَطيعُ إِِخْفاءَ مَشاعِرَهُ الحَقيقيَّةِ وَنِفاقِهِ، فَالمَثَلُ العَرَبي يَقُولُ: "المَكْتُوبُ يُقْرَأُ مِنْ عِنْوانِهِ"، فَكَيْفَ نُؤْمِنُ لِمَنْ طَبْعُهُ التَقَلُّبُ والخِداعُ، لا صَديقٌ لَهُ، وَغَرَضُهُ مَحْصُورٌ بالإقاعِ وَتضْليلِ الأَخَرينَ لأَهدافٍ مَعْنِيٌّ بِها، ثمَّ يَتْرُكُهُمْ ويَتَخَلَّى عَنْهُمْ في حَالِ حَقَّقَ مَرادَهُ وَأنْهَى المُهِمَّةَ، وَقتَها يَنْسى كُلَّ الوُعُدِ وَيَعْتَرفُ بِنَفْسهُ بِهذا دُونَ إِسْتِحْياءٍ وَخَجَلٍ، فَهوَ لا عَهْدٌ لَهُ ولا يَقينٌ، والغَريبُ بالأمرِ أنَّهُ يَنْجَحُ بتِكَرّارِ هَذا مَعَ نَفْسِ الأَشْخاصِ الَّذين خَذَلَهُمْ، وَهَذا دَليلٌ علىَ حَماقَتِهِم وَجَهْلِهِم وضَعْفٍ نُفُوسِهِمْ.


هذا المَلْعُونُ في كِتابِ اللهِ قَدْ يُمَثِّلُ نَفْسَهُ، وَقدْ يَكُونُ صاحِبُ نُفُوذٍ مُتعاوِنً يُنَفِّذُ خِطَّةَ دَوْلَةٍ أَوْ دُوَلٍ أو جَماعَةٍ، فَحَذارِي أََنْ تَقَعُوا بِشِرْكِهِ! وهُوَ أساسَاً لا يُمَثِّلُ نَفسَهُ، غَبِيُّ وقَُلِيلُ عَقْلٍ! وأَنْ دَلَّ هَذا على شَيْءٍ فَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ حماقَةِ مَنْ يَتْبَعُهُم وَمَنْ يَتَّبِعُوهُ ويُؤْمِنوا بِهِ، لَكِنَّ المُؤْمِنَ الحَقيقيِّ لا يَخْفَى علَيْهِ مَكْرُهُ ولا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَلا يَقْبَلُ أَنْ يَسْتَهينَ أَحَدٌ بذاكِرَتِهِ وعَقْلِهِ ويُحاوِلَ التَّلاعُبَ بِمَشاعِرِهِ وَخِدَاعِهِ لِمَصْلَحَةٍ أَنِيَّةٍ، مَهْما قُدِّمَ لَهُ مِنْ إغْراءَاتٍ مادِيَّةٍ أو غَيْرِ.
إنَّ صِفاتِ وَمَِيزاتِ هَذا المُنافِقِ؛ الإِسْتِهْتارُ والعَنْجَهيَّةُ والتَّكَبُّرُ ،وَالرُّكوبُُ علىَ أَمْواجِ الحَدَثِ، فَيُظْهِرُ هَؤُلاءُ النَّاسُ الفَاسِقونَ أَنْفُسَهم أنَّهُم طاهِرونَ، إلاَّ أنَّ مَصْلَحَتَهُمْ إسْتِعْمالُ البَشَرَ كأَداةٍ لِتَحْقيقِ مَأَرِبَهُم، والحَقيقَةُ أَنَّهُ أَوْ أَنَّهُمْ يُزيدُونَ مَصائِبَ البَعْضِ ويَغِشُّونَهُم بِقُوَّةٍ لِأنَّ هَذا مَا يَعُودُ عَلَيهمْ بالفائِدَةِِ، كَما يُقالُ؛ مَصائِبُ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوائدُ.

إِسْمَحُوا لِي أَعِزائِي أَنْ أَسْتَعْمِلَ هُنا مَقُولَةً غَيْرَ أَدَبِيَّةً لَكِنَّها مَقْصُودَةً، وَمَنْ يُريدُ يَسْتطيعُ تَجاهُلَها وَحَذْفَها؛ هَؤُلاءِ المُعْتدينَ والعامِلينَ مَعَهُمْ؛ كلابُ تنبحُ وَتَعيشُ علىَ الفَطائِسِ والخَنازيرُ التُّبَّعِ تَأْكُلُ مِنْ وَرائِها.
إِلى هَذا الحَدِّ أراهُمْ يُريدُونَنا أَنْ نُصَدِّقَ مَسْرَحياتَهُمْ ولا نَتَعَلَّمَ الدُّروسَ إلىَ أَخِرَ المَطافِ، فأَنْتُمْ أَصْحابُ القُلُوبِ والعُقُولِ النَّيِرَةِ إِيَّاكُمْ أَنْ تَنْغَرُّوا بالبَسَماتِ وبِصِراخِ الُمنْدَسِينَ المُشْتَكينَ أََصْحابِ النُفُوسِ الضَّعيفَةِ، فَفِي كُلِّ يَوْمٍ قَدْ تواجِهُون أَمْثالاً كَثيرَةً مِنْ هذا النَّوعِ، الَّذين لا يَجُوزُ الإِيمانُ بِهِمْ لأَنَّهُمْ غَيْرُ مَوْثُوقٍ بِهُمْ.

ومَنْ الأَياتِ التي تَكْشِفْ عَدَمَ الثِّقَةِ، ذُكِرَ عَنْ سيدنا يَعقُوبِ عَليهِ السَّلامُ قوله لأولاده، قال الله: "قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قبلُ"، وقولهِ تَعالَّى: "أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ".
هَذا حَالُ أُمَّتِنا إذا إبْتَعَدَتْ عَنْ دِينِِها وآنْشَغَلَتْ بالحياةِ وَكَماليَّاتِها.
وفَقََنا اللهُ وأبعدَ عَنَّا كَيْدَ المُنافِقِين، ولا تَدْعُوا أَحدَاً أَنْ يُوْهِمَكُمْ بالخَراريفِِ وَالوُعودِ الزَّائِفَةِ!
السَّلامُ عَليكُمْ وحَماكُمْ اللهُ مِنَ المُنْدَسِّين المُنافِقينَ المُفْسدِين في الأَرْضِ الكاذِِبينَ المُتاجِرينَ بالحَقِّ بِثَمَنِ بَخْسٍ.
  •  بقلم : سامي مدني