كنوز نت - بقلم : د. منعم حدّاد


"لعازر، قُم!"

  • د. منعم حدّاد
وانتهى الصيام المبارك أو كاد، الأجواء تعبق بالقداسة، الصائمون ينتظرون الفرج بفارغ الصبر ويعدون ما تبقى من وقت حتى العيد بالساعات والدقائق، والفتية والشباب يتأهبون للاحتفال بسبت لعازر كما لم يسبق لهم أن احتفلوا به، فقد آن الأوان ليبثّوا الفرح في النفوس، ويثبتوا الإيمان عميقاً في الأرواح والعقول، والنظر ليس كالسمع، فرأي العين لا مثيل له!
الكل ينتظر سبت لعازر بشوق ولهفة!

وراحت ربات البيوت يتفقدن الأقنان لعلهن يجدن مزيداً من البيض الذي وضعته دجاجاتهن "البيّاضات"،لا الدجاجات المعدّات للذبح ونتف الريش ثم الطبخ، وأضفن ما وجدن من بض إلى مخزونهن من البيض والذي بدأن يجمعنه قبل أيام ليسلقنه ويلوّنّه بشتى الألوان "على العيد"...
أما الرجال فلم يتقاعسوا عن القيام بـ"مهامهم التقليدية": يقوم الواحد منهم في ساعات الصباح، فيغسل وجهه ويحلق ذقنه ويلبس قمبازه ويعتمر عقاله وكوفيته ويحتسي قهوة الصباح ومن ثم يتناول عكازه ومسبحته ويتوجه إلى الكنيسة لحضور القدس...وليعود بعده إلى البيت للاستراحة وتناول الطعام، ومن ثم ليعاود الكرّة ويعود إلى الكنيسة للمشاركة في القداس التالي!

والنسوة يواصلن نفض الغبار عن أثاث المنازل، وينظفن ما لم ينظفنه بعد، ويعددن أنواعاً من البرغل المجروش للكبة والتبولة وحتى للمجدرة وما إليها...
والأهم من ذلك كله أنهن يحثثن الخياطة التي أودعن القماش عندها على الإسراع في إنجاز خياطة ما فصلته لهن ولعائلاتهن، لأن العيد على الأبواب، ولا عيد بلا لباس جديد...

ومرت أيام الصيام المبارك متثاقلة وكأن الشيخوخة دبّت فيها ونخرت عظامها، وحمد الناس الله وشكروه عندما شارفت على الانتهاء...
وأخيراً وبعد طول انتظار جاء سبت لعازر وانبلج فجره... ومن ثم اعتلت الشمس كبد السماء...
واستقبل الشباب سبت لعازر بفرح وحبور، وفي وقت مبكر جداً، وراحوا يفكّرون في كيفية الاحتفال به...
وبعد مشاورات ومداولات واستشارات استقرّ رأيهم – وكما في كل عام – وكما درج أجدادهم وآباؤهم عليه - على إعادة تمثيل إقامة لعازر.
والتأم شملهم بعد طول تنسيق لأداء ما اعتادوا على تأديته من كل عام، لإيصال البهجة إلى القلوب وبثّ الفرح في النفوس وإشاعة أجواء العيد في البلد كلها...

وراح الشباب يقرأون كل ما يمت إلى لعازر وقيامنته بصلة في الكتاب المقدس، ويستنطقون الخوري والمطران بما يعرفون عن إقامة لعازر من بين الأموات، استعداداً لاحتفالهم بهذا السبت المبارك.
ولما التأم شمل الشباب و"عدتهم" معهم، قصدوا بيوت القرية الواحد تلو الآخر ليتقدموا بالتهاني والتبريكات للجميع بسبت لعازر وأحد الشعانين والفصح المجيد... لكنهم لم ينبسوا ببنت شفة، وإنما سارعوا بتقديم عرضهم الديني المقدس والمتمثل في إقامة لعازر من بين الأموات!
فقد بسط بعضهم بساطاً وأمسك بزواياه الأربع أربعة منهم، واستلقى أحدهم تحته ممثلاً لعازر الذي سبق انتقاله، وراح بعضهم يقدم لبعضهم الآخر واجبات العزاء والمواساة كما يجري في المآتم والجنازات ويستنزلون الرحمات على روح "المتوفى".
وراح أفراد آخرون من الشباب يصلّون ويترنمون...

وما أن فرغ الشباب من الترنيم حتى صاح أحدهم به مردداً قول السيد له المجد: قم وانهض يا لعازر...

وفوراً انتصب لعازر "الميت" واقفاً...
ومن ثم توجه الشباب إلى منزل وآخر وآخر حتى زاروا جميع البيوت التي اعتاد أصحابها على استقبالهم، وكان أصحاب البيوت يكرمونهم ويقدمون لهم واجبات الضيافة، وما جادت به نفوسهم من البيض ليقوموا بسلقه وتلوينه عشية العيد...