كل يعلق مفتاحه في عنقه

بقلم الاعلامي : ناضل حسنين | الطيبة 

  كانت ليلة ظلماء، فقدت سكونها وتيتمت من نورها، تعكر صفاؤها وتزين بريح صرصر وأخذ نعيق الريح ينتشر في جوانبها ويلقي ببرودته هنا وبكآبته هناك.

اصوات غير معتادة تدوي وسط العتمة التي تسيطر على كل شيء حتى المخيلة، صرير جنازير، صراخ أطفال وعويل نساء، غلبتها أصوات سعال الكهول وعذبتها حقائب قديمة مقيتة لعينة أخذت تحتضن نفيس الحاجيات وعزيزها، تأخذ الأغلى والأهم، تأخذ الأصغر وتترك آثارها تسرد لوعتها لكل من يأتي بعدها ويفك رموزها ويفهم لغتها.

تختلط الأصوات بترقب حذر وصمت مريب.. تتوجه الأنظار نحو صندوق خشبي بدأت الشقوق ترسم شوارع الرجوع عليه بينما هو ينادي بالهروب والانهزام !. غابت عن هذه الصورة كل الألوان إلا لونين بل أن الغلبة كانت للأسود!!

الكل هنا صامتون مبهوتون يتهامسون، لغتهم اصبحت اشارات، لم يتعلموها قط، لم يستخدموها من قبل، ولكن المشهد يقتضي ذلك فلا بديل عنه.
يصيح صندوق العجب ويكبر بإسقاط طائرات حربية تابعة لسلاح جو العدو، تتسع حدقات العيون، تتأهب الأفواه ثم تصيح فرحة، تتعالى وتقفز كحبات الذرة في المقلى، يتوارى اللون الأسود ويظهر بعض من ألوان أخرى ولكن... !!

تظهر الألوان العديدة ظهورا مصطنعا مؤقتا ثم تعود دون سابق انذار لتختفي، فتضيع هي ويضيع حتى اللون الأسود، الآن لا لون هناك. بعده بلحظات، سقطت اربعة براميل للوقود فارغة، بعد ان امتصت خزان الطائرة محتواها، تصفع الأرض صفعة فترتد محدثة صوت يسكت الحماس ويصم الأغاني ويجلس الحضور بعد أن قفزوا فرحين "لإسقاط البراميل الحربية"..!!


من البراميل تبدأ حكاية ما زلنا ندفع ضريبة بدايتها، ما زالت بدايتها ترسم علامات تعذيب واهانة على جلد كبريائنا، تنهش في لحم عزتنا، اذا ما آلت جراح الكرامة للشفاء.

 بدأ مشوار الاندحار، استكملت الحقائب جولاتها، واخذ كل ينادي على الآخر، الكل يصرخ، زلزال بشري يهز كيان الجميع، لا مجال للتفكير ولا السؤال، فخيط التهجير ما ان بدأ بالانسلال، حتى ألقى أوله الرعب في أوسطه فجنده معه بسرعة كبرى لينعكس ذلك على آخره وان كان بتباطؤ الا أن لمقولة الأجداد هنا احترام، وان لم يكن سيتكون في مثل هذه اللحظات، فتتكاثر الفتاوى وتكثر حركات ما قبل المغادرة. الكل ينادي "الهريبة ثلثين المراجل"، "واذا انجنوا ربعك عقلك ما بينفعك"، و"الجيش العربي قادم"، "سنخرج لساعات ليأتي الجيش العربي".

يا ما أثقلها من كلمة حتى أن اللسان تكبله دمعات في الاحداق وحبيبات من القشعريرة عند نطق كلمة بوزن هذه الكلمة. يتوقف العقل عن التفكير، للقلب هنا الدور الأكبر في التسيير، يسير العرب لأول مرة بانتظام بترتيب ولكن.. ليس للأمام!! بل الى الخيام.

خيام جاهزة لها ترتيب موحد ولون واحد طبعت عليها حروف بلغة أجنبية، وزعت الخيام حسب العائلات، العقل ما زال غائبا لا أحد يعيد التفكير، خيط التهجير أخذ هنا بالانتشار والتوزع على الخيام بعد أن أخذ حصته من المؤونة البالية.

لا تدري ساعاتهم بأي توقيت، ولكن حسب توقيتنا المحلي فقد انتهت سويعاتهم منذ زمن، الآن ما العمل متى الرجوع، ما زال الجد يحتفظ بمفتاح عودته، يا لك كم أنت أصيل ايها الجد، لكن.. أليس المفتاح بحاجة الى باب ليفتحه، أوليس الباب بحاجة الى منزل ليحرسه؟ هل ما زالت تلك تنتظر ؟ أم أن لمفتاحنا رأي آخر؟