العنف والجريمة: ضعف بالمناعة، كثرة بالأسباب، وغزارة بالأدوات

  مقال بقلم: النائب مسعود غنايم – رئيس كتلة القائمة المشتركة
    رئيس حزب الوحدة العربية (الحركة الإسلامية)

في محاولة أو محاولات لفهم ما يجري لنا في ميدان العنف والجريمة يركّز البعض على نواح معينة ويغفل أخرى، أو يعطي مساحة العقاب والردع أهمية أكثر من مساحة الوقاية والمنع. والمحاولات كلها محمودة ومباركة وتدل على أننا جميعا مأخوذون ومذهولون من النسبة المرتفعة لأعمال العنف والجريمة التي تحدث في مجتمعنا العربي والتي لا تتناسب مع نسبتنا من عدد سكان الدولة.

حالة الذهول أو الصدمة التي تعتري محاولاتنا للتشخيص وتوصيف الحلول لإيجاد مخرج أو مخارج سريعة للدوامة التي نعيشها تجعلنا نخطئ الهدف في أحيان كثيرة، أو تجعل قسمًا من المحللين يتخذ حلولا أحادية مبنية على تشخيص أحادي للظاهرة.

فهناك مَن يعزو كل ما نحن فيه لواقع التمييز والعنصرية والإهمال المتراكم من قبل المؤسسات والحكومات الإسرائيلية؛ ولذلك الحل يكمن في تغيير سياسة هذه الحكومات والمؤسسات تجاهنا، وكلما كانت هذه السياسات عادلة أكثر وفيها مساواة وإنصاف كلما قلّت دوافع العنف الاجتماعية والاقتصادية، وهكذا تنخفض نسبة العنف والجريمة.

وهناك مَن يعتبر أسباب العنف والجريمة تكمن فقط في عدم قيام الشرطة بواجبها بما يتعلق بالقبض على المجرمين ومعاقبتهم ووقف فوضى السلاح في بلداتنا العربية وشوارعنا؛ لذلك ستنخفض نسبة العنف إذا قامت الشرطة بكل ذلك.

قسم من المحللين أو المجتهدين في التشخيص وتوصيف الأدوية والحلول يرون أن السبب الرئيس في ارتفاع نسبة العنف في مجتمعنا هو سبب تربوي وأخلاقي، وأن سبب الحالة العنيفة التي نعيشها هي انهيار عالم القيم والأخلاق التي شكّلت رادعًا ذاتيًا للعنف والاعتداء والجريمة. وإعادة المعمار القيمي الأخلاقي لمجتمعنا سيؤدي إلى خفض نسبة العنف والجريمة.

إن التحليل الأحادي أو النظرة الأحادية للتعامل مع العنف والجريمة في مجتمعنا العربي يتبناه وزير الأمن الداخلي والقائد العام للشرطة. فمشروع مراكز الشرطة في البلدات العربية تقف من ورائه رؤية تقول: إن فتح أكبر عدد من مراكز الشرطة في البلدات العربية وتجنيد أكبر عدد من الشبان العرب في سلك الشرطة سيؤدي إلى خفض نسبة العنف والجريمة. إن هذا الطرح من قبل وزير الأمن الداخلي ينقضه الواقع وتكذبه الحقائق، فهناك مراكز شرطة في قرى ومدن عربية، ولم تعالج هذه المراكز الجريمة والعنف بالشكل الصحيح، ولم تثبت أن وجود مركز للشرطة يؤدي فعلا إلى تغيير الأوضاع نحو الأفضل.

إن انتقادنا ورفضنا للرؤية الأحادية لوزارة الأمن الداخلي لا يعني طبعا عدم مطالبة الشرطة بتحمّل مسؤولياتها وإحداث تغيير بالخلفية الموجّهة لعملها في المجتمع العربي، وتخصيص موارد أكثر وميزانيات وطاقات لحل المشاكل التي يواجهها المجتمع العربي. هذا حقنا كمواطنين. وعلى الشرطة استخلاص العبر من تقرير لجنة أور منذ عام 2001 الذي انتقد موقف الشرطة وسياستها تجاه المواطنين العرب.


إن وجود مراكز ومحطات شرطة في قرى ومدن عربية يحتّم علينا التعامل مع المسألة من باب مدى نفعها أو ضررها، وعدم الدخول في مزايدات وطنية وقومية، لأننا لا نستطيع التشكيك بوطنية الأهل والمسؤولين في الناصرة وأم الفحم والطيرة مثلا بسبب وجود محطات شرطة بها. المحور الذي يجب أن يدور عليه النقاش في هذه المسألة هو محور الجدوى، وهو الجواب عن سؤال: هل فعلا فتح مراكز شرطة أكثر سيؤدي إلى وقف طوفان العنف والجريمة أم لا؟.

أسباب العنف والجريمة والعوامل التي أدت إليه، وسؤالنا لماذا وصلنا إلى هنا، يحتّم علينا الاعتراف بأن التشخيص والتحليل وتوصيف الحلول ليست مهمّة سهلة، وتمتد عبر الكثير من المجالات والنواحي وعلى جميع المسارات الوقائية والمانعة منها والرادعة.

البدء بالعوامل الذاتية يحتّم علينا تحمّل المسؤولية تجاه أنفسنا وتجاه مجتمعنا، وهذه البداية الصحيحة. فالجريمة الأولى التي حدثت على هذه الأرض والتي ارتكبها أحد ابني آدم تعود لعوامل نفسية وأخلاقية ذاتية، فالحسد والغيرة والحقد كان الدافع وراء ارتكاب أول جريمة على الكرة الأرضية. لم تكن في ذلك الوقت عوامل خارجية مثل شبكات الإنترنت ولا أفلام عنف ولا عوامل اقتصادية وسياسية لتؤدي إلى الجريمة. إن ما نعيشه هذه الأيام من دوامة عنف وجريمة مردّه إلى قلة في المناعة الذاتية الأخلاقية وغزارة وسهولة في امتلاك أدوات العنف والجريمة وكثرة وتسارع في العوامل والدوافع مع ضعف في عوامل الضبط والردع. مجتمعنا انتقل بشكل سريع وعنيف من مجتمع زراعي فلاحي عائلي وحمائلي البنية الاجتماعية إلى مجتمع يعيش- رغم أنفه- عصرَ انفجار المعلومات. البنى التحتية التي شكّلت عوامل ضبط ضعفت وانهارت وأصبحنا بحاجة إلى تشكيل أبنية وأطر جديدة لتوفير الأمان لمجتمعنا.

إن تحليلنا الآنف لا يعني أننا كنا مجتمعًا مثاليًا خاليًا من العنف، فالعنف كان منذ فجر التاريخ وسيبقى، ولكننا نتحدث عن حالة غير طبيعية تجاوزت بها نسبة العنف وعدد الجرائم وانتشار السلاح كل الحدود والمعقول حتى فقدنا الشعور بالأمان في الكثير من القرى والمدن العربية.

بات السؤال المهم الذي يجب أن نسأله: هل أنت من الذين يعملون على مواجهة أمواج العنف والجريمة العائلية أم من أولئك المتفرجين؟ إن أسوأ موقف في هذه المواجهة هو موقف المتفرج؛ لأن هذا الجمهور المتفرج يشكّل الأكثرية الصامتة التي تجعل صوتَ العنف أعلى وصوتَ أولئك الذين يواجهونه منخفضًا.

جاء في الحديث الشريف: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). المطلوب على الأقل أضعف الإيمان، وهو موقف رافض للعنف، رافض لشرعنته، لمؤازرة أولئك الذين يواجهونه باللسان والأعمال.

بما أن عوامل زيادة وتيرة العنف والجريمة ذاتية داخلية تتعلق بعالم القيم والأخلاق، وخارجية تتعلق بالردع والعقاب، فيجب إعطاء الحلول في هذين المسارين. ودور الشرطة والسلطات تندرج ضمن المسار الثاني، مجال الردع والعقاب، لأنه المكمّل للمسار الأول الذي نتحمّل مسؤوليته كمجتمع. إن ثغرة انهيار البنى الاجتماعية القديمة وغياب عوامل الضبط التقليدية يحتّم علينا اللجوء لبنى وأطر جديدة مؤسسة على ميثاق وعقد اجتماعي وأخلاقي يُلزِم الجميع. وهذا الميثاق هو الأساس والقاعدة التي تعطي المصداقية لبناء لجان شعبية ولجان إصلاح اجتماعي في كل بلد وبلد، يكون المجلس المحلي أو البلدية في مركزها. هذا العقد يشمل خطة تربوية ثقافية تشمل المؤسسات التربوية والجماهيرية والأهل من خلال لجان أولياء الأمور.

إن إعادة الثقة لأنفسنا بالقدرة على التأثير في سلوكيات وأخلاق مجتمعنا من خلال تفعيل القيم الدينية والحضارية والاجتماعية يمكنها أن تعيد لنا بعض المناعة الذاتية التي فقدناها أو الآخذة بالتلاشي. الصمود والانتصار في هذه المواجهة ممكن ووارد، ولكن بشرط أن نؤمن ونثق بذلك، وأن ننتقل من حالة الصدمة السلبية إلى المبادرة الإيجابية.