
كنوز نت - الطيبة | بقلم : سامي مدني
نبذة مِنَ التاريخ وسيرة لَيْسَ فيِها حَل وسط !
السَّلامُ عَليكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وبَركاتُهُ!
أَيُّها الإخْوَةُ الكِرامُ! اليَوْمَ سَأُحاوِلُ أَنْ أَسْرُدَ عَليكُمْ بإيجازٍ شَيْءً مِنْ الواقعِ، سَيُفيدُنا إِنْ شاءَ اللهُ ونَتَعَرَّفُ علىَ أُمُورٍ مِمَا شاهَدْتُهُ في مَوْقعٍ تاريخِيٍ يَحْكِي عَنْ حَياةِ سُلْطان.
لَقَدْ عاشَ طَويلاً وتَوسَّعَ وَحَكَمَ بِلادً تُشْرِقُ الشَّمسُ عَلَيْها ثُمَّ تَغِيبُ في المَساءِ لِتُشْرِقَ في أقْطارٍ أُخْرَى تَحْتَ إمْرَتِهِ، فَزادَهُ الأَمْرُ غُرُورَاً وَشُمُوخَاً وأخَذَ يُطْلِقُ على نَفْسِهِ سُلطانَ العَالَمِ، إلى دَرَجَةٍ أَنْ أَعَدَّ لِنَفْسِهِ أساطِيلَ تَجُوبُ البِحارَ والمُحيطاتِ لِتَنْشُرَ الوَلاءَ لَهُ وَتُخْضِعُ كُلَّ مَنْ يَعْصِي أمْرَهُ، ثمَّ أنهُ حَكَمَ البِلادَ بالعَدْلِ وطَبَّقَ الإسْلامَ في كُلِّ قُطْرٍ، وَدَفَّعَ الجِزْيَةَ لِمَنْ بَقِيَ علىَ دِينِهِ ولَمْ يَعْتَنقْ الإِسْلامَ، وكان هُوَ ذاتُهُ رَؤُوفً بِالكائِناتِ والحَيْواناتِ حَتَّى النَّمْلَ، وعَرِفَ إنَّ المَوْتَ حَقٌ عَلَيهِ كما عَلىَ غَيْرِهِ، إلاَّ أَنَّهُ تَجاوَزَ وَلَمْ يتَقَشَّفْ وَبَنَى القُصُورَ وأَكْثَرَ مِنَ الخَدَمِ وَالجَوارِي وسَمَحَ لِنَفْسِهِ وعائِلَتِهِ بَعْضَ الأُمُورِ ما لَمْ يَتَّفِقْ وَحُدُودَ اللهِ، ومَنْ إسْتِكْبارِهِ إذَا صَمَّمَ على شَيْءٍ ذَكَّرَ الجَميعَ أَنَّهُ سُلْطانَ العالَمِ وأّنَّ قَرارَهُ يَجِبُ أَنْ يُنَفَّذَ، فَهُوَ مَنْ يَشُورُ ويَقُولُ مُتَجاهِلاً وُجُودَ مَجْلِسِ شُورَى، حَيْثُ لَمْ يَسْمَحْ بَتاتَاً لأَيِّنْ كَانَ أَنْ يُنافِسَهُ ويُنازِعُهُ بِالقَرارِ وَالسُّلْطَةِ، وَطاوَعَهُ قَلْبَهُ وقَتَلَ إِبْنَهُ ما أَنْ إسْتَشْعَرَ بِقُرْبِهِ إلى ذَلِكَ، مُتَناسِياً أَنَّهُ سَيَمُوتُ يَوْمَاً ويَرِثَهُ أَحَدٌ مِنْ أَوْلادِهِ، فَمَهْما كَانَ الدَّافِعُ وَراءَ هَذهِ الجَريمَةِ، فأنَّهُ وَقَعَ دُونِ شَكٍ ضَحيَّةَ غُرورِهِ وجَبارُوتِهِ وعِنادِهِ، فَحَصَدَ أرواحً كَثيرَةً مِنَ النَّاسِ وَحَدَّدَ مَصِيرَ مَنْ التَبَسَ وَظَنَّ فِيهِمْ، مِنْهُم إبْنِهِ .
اخْوَتي إنَّ هذا السُّلْطان هو إِنْسانٌ كَغَيْرِهِ في النهايَةِ، بَشَرٌ خَطاءٌ وَقَدْ يَخْتَلِفُ القَلِيلَ عَنْ فِرْعَون بأنَّهُ أمَنَ بالدِّينِ وطَبَّقَهُ، لَكِنَّهُ لم يَكُنْ مُعْصَمً فَسمَحَ لِنَفْسِهِ ما لا لِغَيْرِهِ وأَخْطَأ بأفْعالِهِ هذه، كَأنَّهُ يُؤَلِّهُ نَفْسَهُ رَغْمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَفِرْعُون أنا رَبُّكُم الأَعْلَى، ولَمْ يُنْكِرْ وُجُودَ اللهِ كالنَّمْرودِ الَّذِي بُهِتَ عِنْدَما ناظَرَهُ وحاجَّهُ إبراهيمُ عَلَيهِ السَّلامُ وَكَانَ مَصيرُهُ مِنَ الكُفارِ، وقالَ اللهُ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
أيُّها القَوْمُ، هَذهِ نُبْذَةُ مِنَ الحُكَّامِ، فَهَلْ يَحِقُ للسُلطانِ أَوْ الحاكِمِ مَا لا يَحِقُّ لِرَعيَّتِهِ! وهَلْ يَجْوزُ للسُلْطانِ أَنْ يُصَنِّفَ نَفْسَهِ بدرجاتِ الإلَه! وهَلْ هَذا مِنَ العَدْلِ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ أبْنائِهِ وبين أبْنائِهِ والرَّعِيَّةِ! وهَلْ يا تُرى يَحِقُ لَهُ إغْتِصابُ أرواحَ البَشَرِ ويكونُ قاصِيً! آمِرَاً، ناهِيَاً، بِكَلامِهِ، دُونِ رَحْمَةٍ وتَقْدِير...! فَالرَّسُولُ صلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ كَانَ قائِدَاً، وحاكِمَاً عادِلاً رَقيقَاً بَشُوشَاً، مُتَعاطِفًا لَيِّناً مَعَ الصَّغيرِ وَالكَبيرِ، مُسامِحَاً خَلُوقًا مُتَواضِعَاً، أمِينَاً صادِقَاً مَحْبُوبَاً، صارِمً وَقْتَ الشِّدَةِ، حَكِيماً مُتَوازِنً بِالقَرارِ، وأكْتَسحَ قُلُوبَ الأَعْداءِ قَبْلَ الأَصْدِقاءِ، مُلْتَزِمً بِشَرْعِ اللهِ وَلَوْ عَلىَ نَفْسِهِ، فلَمْ يُحَلِّلْ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَلَمْ يَنْهَى عَنْ شَيْءٍ الاَّ كَانَ مُنْكَرَاً، ثُمَّ أنَّهُ لَمْ يأْمُرْ إلاَّ بالعَدْلِ والخَيْرِ، وَوَقَفَ هُوَ وأصْحابِهِ بِوَجْهِ الظُّلْمِ والظَّالِمين، مُراعِينَ بِحُكْمِهِم الأَحْوالَ الشَّخْصيَّةِ والعامَّةِ، لا يَتَكَبَّرُون ولا يَتَعالُون، إنَّما يُقَدِّمُون العَوْنَ لِمَنْ يَحْتاجُ، مُشارِكينَ إِيَّاهُم بالأَحْزانِ والأَفْراحِ، فَهذا هُوَ الحاكِمُ النَّاجِحُ، الَذي لَمْ يَبْغِ لِنَفْسِهِ ألْقابً، إنَّما عَمِلَ لِيُرْضِي رَبَّهُ وأُمَتَهُ، وأسَّسَ لَهُمْ الدَّولةَ بَعْدَ صَبْر ٍطويلٍ وتَمَسَّكَ بِمَبادِئِ الدِّين وَوِحْدانِيَةِ اللهِ!
وفَّقَنا اللهُ لنَقْتَدِ بالرَّسُولِ صَلَّى الله عَلَيهِ وسَلَّمَ، فَقَدْ ضَحَّى بِنَفْسِهِ وَكَانَ نَزيهً، فَلعَلَّنا نَتَمَسَّكُوا إخوتي بأخْلاقِهِ وسِيرَتِهِ، فَمَنْ خَيْرٌ مِنَ اللهِ شَهيدً! إذْ قَالَ فيهِ: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ).
السَّلامُ عَليكُمْ ورَحَمَكُمْ اللهُ وكَفاكُم بِدَعْوَةٍ منْ نَبِيِّه ِالصَّادِقُ الأمينِ!
11/04/2020 05:45 pm 5,820
.jpg)
.jpg)